تركيا: أردوغان منشغل ببناء حكم مطلق مرن

أستاذ الهندسة السياسية التركية سيبذل قصارى جهده لبناء نظام حكم فردي مرن. إنه على هذا المسار منذ سنوات، وهو الآن في المراحل الأخيرة منه.
الأربعاء 2018/02/28
مقامرة عالية المخاطر

“الانتخابات في 2019 لن تكون كغيرها من الانتخابات على الإطلاق. سوف تدخل تركيا نظاما سياسيا جديدا بالكامل”. هكذا قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأعضاء بارزين في حزب العدالة والتنمية.

كان ذلك أوضح تصريح لأردوغان عن نيّته. ويعني أن أستاذ الهندسة السياسية التركية سيبذل قصارى جهده لبناء نظام حكم فردي مرن. إنه على هذا المسار منذ سنوات وهو الآن في المراحل الأخيرة منه. ويبدو أردوغان قويا وواثقا وهو ينظر إلى خط النهاية، إلى درجة أن الواقعيين من بين المثقفين يقولون إن أردوغان لديه فرصة كبيرة في الاحتفاظ بقيادة مدى الحياة على غرار دول وسط آسيا. ما الذي يدلّ على أن أردوغان في المراحل الأخيرة من مسيرته الطويلة نحو تحقيق الحكم المطلق؟

التطوّرات الأخيرة تصبّ في صالحه. لقد قدّم حزب العدالة والتنمية مقترحات بقواعد انتخابية جديدة لاقت انتقادات من المعارضة التي قالت إنها تهدّد نزاهة الانتخابات.

تسمح القواعد الانتخابية الجديدة للأحزاب السياسية بإبرام تحالفات قبل الانتخابات. وتبقي القواعد الجديدة على شرط حصول الحزب على عشرة بالمئة من الأصوات لدخول البرلمان، لكن ذلك الحدّ سينطبق على عدد الأصوات التي يحصل عليها أي تحالف بين الأحزاب. وسيجري تحديد عدد النوّاب بناء على عدد الأصوات التي يحصل عليها التحالف.

نظام التحالفات الانتخابية الجديد يفيد حزب العدالة والتنمية إذ أنه سيضمن مكانا في البرلمان لأحزاب يمينية متطرّفة، حتى في ظل انتظاره لتصفية حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في البرلمان. وحتى إذا حصل حزب الشعوب على عتبة العشرة بالمئة فإن أردوغان يملك في يده كل أوراق اللعبة. فبوسعه إغلاق الحزب، مُرجعا ذلك لعلاقاته بحزب العمال الكردستاني المحظور، وكذلك للحرب في سوريا.

التغيرات المقترحة تشمل بنودا تخصّ “سلامة الانتخابات”. فمن الممكن نقل صناديق الاقتراع إلى أماكن أخرى غير أماكنها الأصلية لدواع أمنية وسيسمح بدخول الشرطة إلى مراكز الاقتراع إذا طلبها أي ناخب، وأوراق الاقتراع غير المختومة ستعتبر سارية وسيكون للسلطات مزيد من الصلاحيات في إجراءات فرز الأصوات.

التغييرات المقترحة ستأخذ مجدّدا المعارضة الضعيفة الحائرة على حين غفلة. ولا يتوقّع أن تصحّح لجنة الانتخابات العليا شيئا يذكر في هذا الأمر. وفي نوفمبر الماضي بدأ حزب العدالة والتنمية إجراءات لإعادة هيكلة أعلى هيئة انتخابية في البلاد تشمل تغييرات في مسؤوليها ونطاق صلاحياتها ومسؤولياتها. وكانت وكالة رويترز ذكرت أن الهيئة العليا للانتخابات ستحصل على صلاحيات تتيح لها دمج دوائر انتخابية ونقل صناديق الاقتراع إلى دوائر أخرى. وستكون بطاقات الاقتراع جائزة دون الحاجة لختم هيئة الانتخابات المحلية. يرغب أردوغان في إقامة تحالف بين حزبه ذي التوجّهات الإسلامية وحزب الحركة القومية المنتمي إلى اليمين المتطرّف. ويأمل الرئيس أن يستمر هذا التحالف ويصبح القوة المهيمنة في السياسة التركية في المستقبل المنظور.

وأطلق الرئيس على التحالف اسم “جمهور” وهي كلمة يعتقد- وهو على صواب- أنها ستكون جذابة للأغلبية المحافظة المناهضة للغرب. وتضمّ هذه الأغلبية القطاعات الإسلامية والقومية المتشددة. وعلى حساب إقصاء القطاعات العلمانية واليسارية والكردية، تواصل أردوغان مع أحزاب صغيرة في أقصى طرف اليمين المتشدّد. ومن المرجّح أن يوسع قاعدته بشكل كبير.

من الواضح أن القضية الكردية، سواء في تركيا أو في سوريا، تقع في قلب إستراتيجية أردوغان لتحقيق الحكم المطلق. وكان الرئيس قال في الآونة الأخيرة “يبدو أن هذا الصيف سيكون ساخنا جدا على المنظمة الإرهابية وأنصارها”، مستخدما الوصف الذي يفضّله للإشارة إلى حزب العمال الكردستاني.

يعني ذلك أن أردوغان يستعد لمواصلة مقامرته عالية المخاطر نحو الفوز بالانتخابات العامة والرئاسية عن طريق تحويل التوغل في عفرين في سوريا إلى صراع دائم.

ولعملية عفرين استخداماتها الخاصة بها. فهي أداة لاستغلال الرأي المحلي. ويمكن استخدامها كذريعة لتمديد حكم الطوارئ حتى بعد الانتخابات، ويمكن أن تساعد أيضا في تقوية صورة أردوغان كقائد عام وزعيم قوي يهاجم أي شخص يهدد وحدة تركيا.لكن هل مقترح السماح بإبرام تحالفات بين الأحزاب قبل الانتخابات سيساعد المعارضة؟

لن يفيد هذا المقترح حزب الشعب الجمهوري في يسار الوسط، ولا الحزب الصالح في يمين الوسط. فأحدهما أو كلاهما يحتاج لدخول تحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي وهذا احتمال غير وارد. الحزب الصالح لن يفكر في خطوة كهذه، وإذا تقرّب حزب الشعب الجمهوري من حزب الشعوب الديمقراطي فإن أردوغان يقف مستعدا لإطلاق حملة قوية تصوّر الحزب على أنه متواطئ في أنشطة إرهابية.

المراحل الأخيرة من مسيرة أردوغان التي تنحو إلى الحكم المطلق تبدو جيدة بالنسبة للرئيس ولو في الوقت الراهن على الأقل.

9