تركيا - أردوغان و"التغير النفعي"

السبت 2016/07/09

تتحرّك تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان في مسارات مختلفة بل ومتناقضة، لكنها تهدف إلى تحقيق هدف واحد، هو إخراجها من أزمتها الراهنة على صعيد الجبهة الداخلية، وأيضا على مستوى علاقاتها الدولية، خاصة دول الجوار وبالأخص سوريا، وهي، كما جاء في تصريحات البعض من المحللين الأتراك، تسعى في سياستها الجديدة إلى تحييد الأعداء، وتحويل علاقة الصداقة إلى علاقة أخوة، وتعميق علاقة الأخوة لتصبح أكثر عمقا، وهي مسألة تبدو شاقة، وإن بدت تتحقق، كما رأينا، في عودة العلاقات بينها وبين إسرائيل بتنازل علني قدمته تركيا من جهة، وبينها وبين روسيا بعد اعتذار أردوغان من جهة أخرى، وهي في كلّ ذلك تتصرف بسياسة براغماتية خالية من أي أخلاقيّات ولو في الحد الأدنى.

هناك تساؤلات كثيرة تترقّب الدول ذات العلاقة إجابات عنها، مثلما تنتظرها تنظيمات وجماعات راهنت على عودة تركية ليس في محيطها فقط بل في العالم الإسلامي كلّه، منها هل ستتخلى تركيا عن تدخلها العسكري من خلال دعمها لجماعات إرهابية، كما هو الحال في سوريا، وعن دعمها لتنظيمات سياسية على غرار الإخوان المسلمين في مصر وحماس في غزة؟ وماذا عن بقية العالم الإسلامي الذي غرّرت به، وساهمت في صراعه المذهبي، فهي تارة مؤيدة للسعودية، وتارة أخرى نجدها في صف إيران، وإن كانت تنظر للدولتين من زاوية المصالح الاقتصادية؟ وهل ستمد الدول المعادية لها جسورا للتعاون؟ وما التنازلات التي ستقدمها أو يتوقع تقديمها سواء أكانت سياسية أم عسكرية؟

الأسئلة السابقة وغيرها ليست ذات أهمية بالنسبة إلى الرئيس أردوغان، لأنه يرى المصالح التركية، الاقتصادية بوجه خاص، أولوية مقارنة بغيرها من القضايا الأخرى حتى لو تناقضت مع قناعات دينية وسياسية وعسكرية وسيادية تخص الشعب التركي، إذ بغض النظر عن الشعبية التي يحظى بها أردوغان فإنه يتصرف بمنطق الزعيم الأوحد، منطلقا من ميراث حكام الإمبراطورية العثمانية، ومن تاريخ المسلمين البعيد، المتمثل في الحكم المطلق للفرد باسم الشورى التي لا يراها مُلْزِمَة للحاكم، كما أن له من أسلوب الحكم العصري ما يدعمه، فوصوله إلى الحكم كان ديمقراطيا وقراراته وأوامره وتعليماته تتم وفقا للدستور، إذن هو يمسك بطرفي الزمن؛ الماضي والحاضر، ليصنع تاريخ تركيا المستقبلي حسب رؤيته الخاصة، ويجد مساندة شعبية بناء على نجاحات اقتصادية حققها خلال السنوات الماضية، منذ أن كان عمدة مدينة إسطنبول (من 1994 إلى 1998).

غير أن التساؤلات السابقة وغيرها لا تخص أردوغان وحده، بل تتعلق بالمسار السياسي للدولة التركية، وما سيترتب عليه من تغيرات في مسائل اعتبرت من الثوابت لدى قطاع عريض من المسلمين خارج تركيا، ومنهم العرب، من ذلك على سبيل المثال: دعم الفلسطينيين، وتحديدا حماس إلى درجة المزايدة على الدول العربية الأخرى، وإظهار الدول المجاورة لفلسطين المحتلة وخاصة مصر على أنها تعمل ضد المصالح الفلسطينية، والاتفاقية الأخيرة مع إسرائيل تبرز بشكل صارخ التخلي الإرادي تحت الضغط الاقتصادي عن مبادئ الدولة التركية وإسلامييها بقيادة أردوغان، وهي بلا شك تتجاوز مسألة تحييد الأعداء إلى الصداقة بل والأخوة، ليس هذا فقط بل إنها أحدثت تغييرا في المواقع بحيث أصبحت إسرائيل هي الشقيقة، لكن منذ متى كانت إسرائيل عدوا بالنسبة إلى تركيا؟

مسألة أخرى، التعامل مع سوريا في المستقبل المنظور، والعلاقة مع هذه الأخيرة يمران عبر وسيطين هما روسيا وإيران. وستتغير العلاقة، حسب رأي خبراء أتراك، وهناك معلومات مُسرَّبة تتحدث عن قيام الجزائر بدور الوساطة بين الدولتين بطلب من تركيا، ما يعني أن الساحة السورية ستشهد تغيرا لن يكون لصالح المعارضة المسلحة، وسترجّح الكفة لصالح النظام السوري، وتنطبق الحال أيضا على مصر حيث ستتغير السياسة تجاهها، ويتوقع منع الإخوان المسلمين المصريين من ممارسة أي نشاط ضد السلطات المصرية داخل الأراضي التركية.

على صعيد آخر، هناك مؤشرات على التخفيف من دعم الجماعات الإسلامية تدريجيا، بما يخدم أهداف حلف الناتو، وبما يحقق علاقات سويّة مع مصر في المستقبل، وأيضا بما يساعد على تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية من خلال التواجد الملحوظ للشركات التركية في الجزائر، وبما يحقق علاقات سوية مع تونس لجهة التعاون، وذلك بإنهاء الدور التركي في تسهيل انضمام التونسيين إلى الجماعات الإرهابية في سوريا من جهة، والكف عن دعم الإسلاميين بما في ذلك الجماعات الإرهابية التي تزعزع استقرار تونس وأمنها من جهة أخرى.

تركيا تغيّر سياستها الخارجية من أجل استقرار جبهتها الداخلية، وتحسين وضعها الاقتصادي، لكنها، وهي تقوم بذلك، لا تتخلّى عن أوراق ضغط في التفاوض مع الأعداء أو الأصدقاء أو حتّى من تحسبهم أشقاء، من ذلك على سبيل المثال إعلانها عن احتمال تجنيس عدد كبير من السوريين للضغط على النظام السوري من جهة، والتخفيف من حدة التوترات التي تصدر عن العلويين الأتراك بين الحين والآخر، وأيضا ما يمكن أن يُشكلوه من مخاطر مستقبلية من جهة أخرى.

وبعيدا عن حسابات الرئيس التركي ودوافعه، فإن الخاسر الأكبر في تغير السياسة التركية هو التنظيمات الإسلامية، الإرهابية منها والسلمية، وعلى رأسها “الإخوان المسلمون” في سوريا، ومصر وفلسطين وليبيا وتونس. غير أن هذا لا ينفي خسارة أردوغان لأوراق ضغط سياسية في عدد من الدول العربية، إلا أنه يفضل اليوم النجاة من سفينة “الخلافة الإسلامية” التي أراد استعادتها من خلال الإخوان المسلمين بعد التغيرات الحاصلة في الدول العربية ففشل، وحاول استعادتها أو استغلال شعارها من خلال دعمه لداعش، ولو بشكل خفي، ففشل أيضا. أليس عجيبا أن يكون مصطلح “الخلافة الإسلامية” المشترك الوحيد بين تركيا والإخوان المسلمين وداعش؟

كاتب وصحافي جزائري

8