تركيا.. أردوغان يقنن عصر الاستبداد الجديد

يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحقيق حلمه بإحكام قبضته على العرش العثماني. وتنبه عقب محاولة انقلاب يوليو الماضي إلى مدى هشاشة نظام حكمه، فالتجأ إلى العنف والقمع وحملات تطهير للتصدي للمعارضة والموالين للانقلاب. واختار تقويض الديمقراطية باعتماد استفتاء شعبي لتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية في سياق سعيه المحموم للتفرد بالسلطة.
الاثنين 2017/04/17
اختبار الديمقراطية

إسطنبول - يبدو أن الرئيس التركي رجب أردوغان في طريقه للحصول على توسيع كبير لسلطاته الرئاسية بعد ان كشفت نتائج جزئية نشرتها وسائل اعلام تركية تقدم مؤيدي الاصلاحات التي يريدها الرئيس في الاستفتاء الذي اجري الاحد.

فبعد فرز بطاقات التصويت في 90 بالمئة من مكاتب الاقتراع، تقدم مؤيدو توسيع صلاحيات أردوغان بنسبة 52.7 بالمئة ، بحسب ما نقلت وكالة انباء الاناضول الحكومية عن اللجنة الانتخابية.

ولوحظ أن الـ"لا" تقدمت على الـ"نعم" بشكل طفيف في إسطنبول، في حين ان العكس حصل في انقرة. وفي المناطق ذات الغالبية الكردية في جنوب شرق البلاد جاء التصويت كاسحا لرفض الاصلاحات الدستورية التي توسع صلاحيات الرئيس بشكل كبير.

ودعي حوالي 55.3 مليون ناخب للادلاء باصواتهم حتى الساعة 13.00 ت غ في شرق تركيا، وحتى الساعة 14.00 ت غ في باقي انحاء البلاد، في استفتاء شعبي حول توسيع سلطات رئيس الجمهورية وخصوصا إلغاء منصب رئيس الحكومة لصالح رئيس تتركز بين يديه صلاحيات واسعة. وبدأ فرز الاصوات فور اغلاق مكاتب الاقتراع.

تقدم مؤيدو توسيع صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على معارضيهم بعد فرز 90 بالمئة من بطاقات التصويت في استفتاء الأحد الذي من شأنه تغيير طبيعة النظام في تركيا، وفق ما ذكرته وسائل إعلام تركية. وبحسب هذه النتائج الجزئية، صوت 52.2 بالمئة مع توسيع صلاحيات الرئيس وتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي.

وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها عند الرابعة بتوقيت غرينتش في دياربكر ومدن أخرى بشرق تركيا.

وصرح رئيس الوزراء بن علي يلدريم بعدما صوت في مدينة إزمير (غرب) أن “حكم الشعب سيحترم” أيا تكن نتيجة الاقتراع.

وقال يمرا يرلينكايا للصحافة الفرنسية في أحد مراكز التصويت في إسطنبول “بالتأكيد سأصوت لأدعم الرئيس إذا كنا على ما نحن عليه اليوم فهذا بفضله”.

وصرح زعيم أكبر أحزاب المعارضة حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديمقراطي) كمال كيليش دار أوغلو “الأحد يعرض مصير تركيا للتصويت عليه. ليتوجه كل مواطن إلى مراكز الاقتراع وليصوت بشكل مسؤول”.

المعارضة ترى في التعديلات جنوحا إلى الاستبداد من قبل رجل تتهمه بإسكات كل صوت منتقد منذ محاولة الانقلاب

وكان كيليش دار أوغلو صرح في تجمع قرب العاصمة السبت “هل تريد تركيا الاستمرار في ديمقراطيتها البرلمانية أم الانتقال إلى نظام حكم بيد رجل واحد؟”. وشبه النظام الذي تريده سلطات أردوغان بـ”حافلة دون مكابح لا تعرف وجهتها”.

ولم يتردد هنجر سينكوم العسكري المتقاعد في توجيه الانتقادات، بعدما صوت ضد التعديلات الدستورية في إحدى مدارس أنقرة. وقال “أنا ضد هذه الحكومة لأنني أعرف رؤيتها للعالم، جرت إصلاحات بين 2002 و2004 وقالوا لنا إن تركيا ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي وستنهي الإرهاب، لكن لم يحدث شيء من هذا”.

وتؤكد الحكومة أن هذا التعديل لا بد منه لضمان استقرار البلاد ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، لكن المعارضة ترى فيه جنوحا إلى الاستبداد من قبل رجل تتهمه بإسكات كل صوت منتقد، خصوصا منذ محاولة الانقلاب في 15 يوليو الماضي.

وقال أردوغان خلال سلسلة طويلة جدا من التجمعات الانتخابية السبت “الأحد ستتخذ تركيا واحدا من أهم القرارات في تاريخها”. مضيفا أن “النتائج تبدو جيدة، لكن ذلك يجب ألا يجعلنا نتكاسل. إن نعم قوية ستشكل درسا للغرب”، وذلك بعد كان انتقد بانتظام الاتحاد الأوروبي أثناء حملته.

وأشار الرئيس التركي إلى أن ترشيح بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المجمد منذ سنوات سيطرح مجددا بعد هذا الاستفتاء. كما أطلق الجدل مجددا حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام التي تعارضها المفوضية الأوروبية.

وقال تقرير وقعه سنان إيكيم وكمال كيريشي من مركز “بروكينغز انستيتيوت” إنه في حال أقر النص فإنه “سيؤدي إلى أكبر عملية إعادة هيكلة في 94 عاما من تاريخ السياسة التركية ونظام الحكم فيها”.

ونددت المعارضة في الأسابيع الأخيرة بحملة غير منصفة مع هيمنة واضحة لأنصار أردوغان في الشوارع ووسائل الإعلام.

وتخضع تركيا لحالة الطوارىء منذ الانقلاب الفاشل. وقد أوقف بموجبها 47 ألف شخص وسرح أو فكت يد مئة ألف آخرين.

اختبار سياسي

تنبه أردوغان منذ انقلاب يوليو الماضي إلى هشاشة نظامه ومدى قدرة الجيش والمعارضين على اختراقه، وأن سياساته الفاشلة ستزيد من وتيرة الغضب الشعبي يوما بعد يوما وستؤدي إلى خسارة حلمه في الرئاسة وفقدانه عرش السلطة العثماني، وتبعا لذلك قام بإجراءات قمعية أثارت انتقادات محلية ودولية، وتوجه نحو خيار يصفه معارضوه بالطريق نحو الدكتاتورية، وهو اللجوء إلى توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية التركية بتعديلات دستورية من خلال إجراء استفتاء شعبي.

وتتضمن التعديلات الدستورية 18 تعديلا تحول نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، ومن أبرز ما تضمنته التعديلات: إلغاء مجلس الوزراء، تولي الرئيس السلطة التنفيذية وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه ووزرائه وإقالتهم، وإذا كان نائب الرئيس عضوا بالبرلمان تسقط عضويته من البرلمان، ولا تسمح التعديلات للبرلمان بسحب الثقة من مجلس الوزراء. ويواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يلقى تأييد جزء من الأتراك ويثير كره الجزء الآخر، استفتاء دستوريا وهو اختبار سياسي لحزبه وشعبيته، ويكشف مدى قدرته وحدودها، على أن يرسخ سلطته نهائيا بعد تسعة أشهر على نجاته من محاولة انقلابية.

وألقى الرئيس أردوغان (63 عاما) بكل ثقله في المعركة في جميع أنحاء البلاد لكسب تأييد الأتراك. وفي حال فاز رافضو التعديلات في ألاستفتاء سيشكل ذلك انتكاسة هائلة لأردوغان.

ويرى أنصار الرئيس التركي أن التعديل ضروري لضمان الاستقرار على رأس الدولة، لكن معارضيه ينددون بنص مفصل على مقاس أردوغان نفسه المتهم بميله إلى التسلط.

ووسط توقعات بنتائج متقاربة جدا في الاستفتاء جال أردوغان في أرجاء تركيا في الأسابيع الأخيرة لإثارة حماسة داعميه، من ديار بكر الكردية إلى إزمير الواقعة على بحر إيجة وطبعا إسطنبول حيث خط أولى سطور حياته السياسية.

لكن الوتيرة المكثفة للقاءات اليومية المتنوعة التي عقدها أرغمت الرئيس التركي في آخر مارس الماضي على إلغاء كلمات كان مقررا أن يلقيها في شرق البلاد، بعد أن فقد صوته.

وأثبت أردوغان أكثر من أي وقت ميزاته كخطيب لا مثيل له، ملقيا كلمات طعمها بأبيات شعر قومية وآيات قرآنية، معتمدا على برهات صمت متعمدة لترسيخ كلماته في الأذهان.

طموح سلطوية

ووظف أردوغان الشعبوية والقومية خلال خطاباته لكسب دعم وحشد الشعب التركي خاصة أتراك الخارج، واستغلال العصبية التركية وتحويل الأزمة مع أوروبا إلى مكسب انتخابي.

وتوترت علاقة أنقرة بالقارة الأوروبية الآونة الأخيرة، عقب توجيه أردوغان اتهامات إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالنازية أمام انتقادات أوروبية لحملات أردوغان القمعية إبان محاولة الانقلاب العسكري، كما اعتبرت دول أوروبية خطوة التعديل الدستوري تكرس نظام الحزب الواحد وتحول النظام التركي من مسار ديمقراطي إلى مسار دكتاتوري.

وقال الأستاذ في جامعة ستراسبورغ (شرق فرنسا) صميم اكغونول إن “أردوغان إمام، بمعنى أنه خطيب قادر على إشعال حماسة الحشود وإبكائها أو إخافتها”، مضيفا ان “حيويته مدهشة”.

وغالبا ما يصور أردوغان في الغرب كسلطان لا يمكن إزاحته عن العرش، لكنه في الواقع سياسي محنك فاز في كل الانتخابات، حوالى عشر عمليات اقتراع، التي جرت منذ وصول حزبه حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002.

ويأتي استفتاء الأحد بعد سنة مثقلة بأصعب امتحانات حياته السياسية تخللتها سلسلة اعتداءات دامية، وخصوصا محاولة انقلاب ليل 15 إلى 16 يوليو الماضي.

تلك الليلة طبعت في الأذهان صورة الرئيس الشاحب الوجه وهو يخاطب الأمة عبر شاشة هاتف ذكي، وكذلك وصوله المظفر إلى مطار إسطنبول الرئيسي فجرا ليعلن فشل الانقلابيين.

الرئيس ونزعة التسلط

يبدو أردوغان المهيمن على السياسة التركية منذ 15 عاما مصمما على ترك بصمته في تاريخ بلاده، على غرار مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

وهو غالبا ما يردد عبارة “الحمار يموت وسرجه باق. الرجل يموت وأعماله باقية”، ويكثف الإشارات إلى السلطان محمد الثاني “الفاتح”، غازي القسطنطينية في 1453.

وسبق أن بدلت مشاريعه الضخمة للبنى التحتية وجه تركيا، ولا سيما إسطنبول حيث بات لمضيق البوسفور الذي تخترقه أنفاق عدة، جسر ثالث.

وولد أردوغان في حي قاسم باشا الشعبي في إسطنبول، وهو غالبا ما يفتخر بأصوله المتواضعة.

تابع طيب على ما يسميه مؤيدوه دراساته الثانوية في إحدى مدارس الإمام الخطيب الإسلامية ثم عمل بائعا متجولا قبل أن تحدوه أحلام امتهان لعب كرة القدم فترة وجيزة، لينطلق بعدها في مساره السياسي ضمن التيار الإسلامي.

ومع بروز نجمه، تولى رئاسة بلدية إسطنبول في 1994. كما شارك في التظاهرات الاحتجاجية لدى حظر حزب الرفاه الإسلامي الذي كان ينتمي إليه، وسجن أربعة أشهر للتحريض على الحقد الديني بعد تلاوته قصيدة إسلامية.

الرئيس التركي المعروف بالبراغماتية رغم طبعه الناري قادر على تلطيف النبرة مع أوروبا وإبداء مبادرة انفتاح تجاه الأكراد بعد الاستفتاء

انتصر رجب طيب أردوغان في 2002 بفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية وانتخب رئيسا للوزراء بعد عام، إثر صدور عفو أجاز له العودة إلى الساحة السياسية.

ويبقى الرئيس لدى أنصاره رجل المعجزات الاقتصادية والإصلاحات التي حررت الأكثرية المتدينة والمحافظة في البلد من هيمنة النخبة العلمانية.

لكنه أصبح منذ موجة الاحتجاجات الواسعة ضد الحكومة في ربيع 2013 التي قمعها الأمن التركي بقسوة، الشخصية الأكثر عرضة للانتقادات في البلاد وسط اتهامات معارضيه بالنزعة إلى التسلط و”أسلمة” البلد.

وكثفت السلطات في إطار حالة الطوارئ السارية منذ محاولة الانقلاب يوليو الماضي توقيف معارضين مؤيدين للأكراد بتهمة الإرهاب، والكثير من الصحافيين المعارضين.

ويعتبر محللون أن الرئيس التركي المعروف بالبراغماتية رغم طبعه الناري قادر على تلطيف النبرة مع أوروبا وإبداء مبادرة انفتاح تجاه الأكراد بعد الاستفتاء، إن أحرزه للحفاظ على نجاحاته الانتخابية، واتباع استراتيجية تتماشى والمتغيرات الدولية للحفاظ على دور تركيا الإقليمي في لعبة النفوذ والهيمنة العالمية.

ويجيز التعديل الدستوري نظريا الذي صوت عليه الأتراك الأحد في استفتاء شعبي، للرئيس التركي أردوغان البقاء في السلطة حتى 2029 على الأقل. حينئذ سيكون بلغ الـ75 من العمر.

ويعكس الخطاب الشعبوي الذي يعتمده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حملاته الشعبية في داخل تركيا وخارجها لكسب التأييد بـ”نعم” في استفتاء توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، قلقه من فشله في تحقيق حلمه في التفرد بالسلطة.

وتحد سياسات أردوغان الداخلية والخارجية من رغبته في إحكام قبضته على السلطة، وذلك لاعتماده حملات قمع طالت كل مؤسسات الدولة بحجة القبض على مؤيدي انقلاب يوليو الماضي، واختياره نهج العنف والاعتقالات لمقاومة رغبات شعبية رفضت استمراريته في الحكم.

وأثارت سياسات أردوغان في الخارج مخاوف الشعب التركي من تحول تركيا إلى بؤر من بؤر التوتر والاحتقان، نتيجة تدخله في شؤون المنطقة العربية بفرض نفوذه في سوريا والعراق تحت غطاء مواجهة التهديدات الإرهابية.

وسعى الرئيس التركي للحد من الخطر الكردي من خلال إعلانه عن مقاربة أمنية في الأزمة السورية تتمثل في عملية درع الفرات، التي أعلنت السلطات التركية عن نهايتها أواخر مارس الماضي، لمواجهة خطر التنظيمات المتطرفة من جهة ومحاولات التمدد الكردي من جهة أخرى.

ويسيطر الأكراد على ثلاث مناطق متفرقة في شمالي سوريا على الحدود التركية. وتخشى أنقرة من أنه إذا تمكن الأكراد من السيطرة على الجانب الغربي من نهر الفرات، فسيكونون قادرين على ربط هذه المناطق وتوحيد المناطق الواقعة جنوب الحدود التركية، وطلبت تركيا من الأكراد الانسحاب إلى شرقي نهر الفرات.

7