تركيا أمام منعطف تاريخي وخزانتها العامة على حافة الإفلاس

الحملة الانتخابية تسدل ستارها على وقع سجالات مقلقة للرئيس رجب طيب أردوغان.
الأحد 2018/06/24
يوم حاسم

إسطنبول (تركيا) - في استفتاء أجري في السادس عشر من أبريل من سنة 2017 صوت الأتراك بفارق ضئيل لفائدة تعديلات دستورية فارقة منحت رئيس البلاد سلطات غير محدودة دون وجود آليات مراقبة وموازين ناجعة. وفي إطار هذه التعديلات يصبح الرئيس رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة ورئيسا للحزب الحاكم، كل ذلك في وقت واحد. ويمكنه الحكم بواسطة مراسيم وكان من المنتظر أن تنظم تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية في نوفمبر 2019.

لكن في تحرك مفاجئ قرر أردوغان الدعوة إلى انتخابات مبكرة، ربما بدافع الخوف من تبعات التدهور الاقتصادي على صندوق الاقتراع، فالانتظار حتى نوفمبر 2019 يحمل معه المخاطرة بإفلات التحكم في الاقتصاد عن السيطرة بالكامل عند حلول ذلك الموعد.

ويصوت الأتراك اليوم الأحد في انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة دعا إليها أردوغان قبل عام ونصف من تاريخها الأصلي مع سعيه إلى الفوز بولاية جديدة من الدورة الأولى والحصول على أغلبية برلمانية قوية. لكن بروز محرم إنجيه كمرشح عن حزب الشعب الجمهوري وقيام تحالف واسع بين أطراف المعارضة جعلا الانتخابات أكثر صعوبة مما توقعه الكثير من المحللين وأردوغان نفسه.

وتشي متابعة الحملات الانتخابية بأن حسابات الرئيس التركي لم تكن دقيقة، حيث فاجأته المعارضة بما لم يكن يتوقعه بعد عمليات التطهير التي شهدتها للبلاد بعد عملية الانقلاب الفاشلة في صيف 2016 والتضييق على وسائل الإعلام واكتساب بعض الشعبية إثر الحملة ضد الأكراد والتي قادت إلى توسع تركيا في سوريا، وانتهى الأمر إلى تحالف مع ألد أعدائها الحركة القومية.

60 بالمئة من الناخبين الأتراك يقولون إن الانتخابات المبكرة ليست عادلة

وكشفت الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية للاقتراع الأكثر شراسة الذي تشهده البلاد منذ سنوات، عن تنافس شديد لم يقرأ له الرئيس التركي حسابا، حيث انخرط أردوغان ومنافسه الرئيسي محرم إنجيه في سجالات حامية في إسطنبول.

وبينما اختار مرشح المعارضة خلال الأيام الأخيرة من الحملة تنظيم تجمع كبير واحد كل يوم في إحدى مدن تركيا الثلاث الكبرى، أجرى أردوغان سلسلة من التجمعات الأصغر في إسطنبول شهدت كذلك مشاركة كبيرة. وشهدت إسطنبول، ذات الأهمية الخاصة بالنسبة لأردوغان والتي تعد حاسمة بالنسبة لنتيجة الانتخابات آخر تجمعات أجراها الرئيس التركي من جهة ومنافسه الأبرز من جهة أخرى إضافة إلى مرشحة اليمين القومي ميرال أكشينار.

وفاجأ إنجيه الجميع، حيث أثبت نفسه كشخصية تتمتع بكاريزما عالية قادرة على تحفيز الجماهير. وحرص على عدم رفع شعار حزبه في أي من التجمعات مقدما نفسه بذلك على أنه مرشح المعارضة بأكملها بينما رد على جميع هجمات أردوغان محولا الحملة إلى مبارزة بين الرجلين.

سباق غير عادل

يصف المحلل السياسي التركي براق بكديل الانتخابات بأنها “سباق غير عادل”، مشيرا إلى أن الكتلة الحكومية استخدمت موارد وافرة تابعة للدولة في حملتها الانتخابية. كما أعلنت عن عدة تحفيزات استثمارية ومهلات ضريبية وتخفيضات في الضرائب وعمليات دعم ومشاريع كبرى ووظائف جديدة لتدعيم رصيدها من الأصوات.

وربما تأتي عملية غصن الزيتون (التوغل العسكري التركي في شمال غرب سوريا) والاستيلاء على الجيب الكردي هناك بأصوات إضافية للحكومة من الناخبين القوميين بما أن استطلاعات الرأي وجدت أن قرابة 85 بالمئة من الأتراك يساندون الحملة العسكرية التي انطلقت في العشرين من يناير.

كما استخدمت حملة أردوغان بشكل ممنهج آلية دعائية كبرى بما أنها تسيطر على 90 بالمئة من الإعلام.

واشتكى مرشحو المعارضة من قلة الوقت المتاح على الهواء في وسائل الإعلام المؤيدة في معظمها للحكومة. ولم تبث قناة تي.أر.تي هابر الحكومية خطب إنجيه مباشرة في حين لم يبث سوى مقتطفات منها على “سي.أن.أن تورك” الخاصة.  وخصصت قناة “تي.آر.تي” الحكومية 117 دقيقة لحملة أردوغان مقابل 16 دقيقة فقط لحملة إنجيه.

منافسة قوية
منافسة قوية

ماذا بعد الاقتراع

يتوجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للبلاد وأعضاء للبرلمان. وطبقا للنظام الجديد، فإن الأحزاب السياسية يمكنها تشكيل ائتلافات من أجل الانتخابات البرلمانية. وقد أقام حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد والذي ينتمي إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحالف الشعب مع حزب الحركة القومية في أقصى اليمين وحزب الوحدة الكبرى.

وشكل حزب الشعب الجمهوري، المعارض الرئيسي في البلاد، ائتلافا مع الحزب الصالح اليميني الذي تم تأسيسه حديثا وحزب السعادة الإسلامي وحزب وسط اليمين الحزب الديمقراطي وأطلق على هذا الائتلاف اسم تحالف الأمة.

ويشير الكاتب في موقع أحوال تركية ذو الفقار دوغان إلى أن حزب الشعوب الديمقراطي الذي يتألف بصورة رئيسية من الأكراد لم يدخل في أيّ ائتلاف، على الرغم من أنه سيحدد إلى حد كبير نتائج الانتخابات، حيث أن توزيع المقاعد في البرلمان سيتغير جذريا إذا ما نجح حزب الشعوب الديمقراطي المعارض في تخطي حاجز نسبة العشرة بالمئة اللازمة في الانتخابات.

والمرشح الرئاسي لتحالف الشعب هو الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان في حين قدم كل حزب في تحالف الأمة مرشحا. وقدم حزب الشعب الجمهوري محرم إينجه وقدم الحزب الصالح ميرال أكشينار وقدم حزب السعادة تيميل كرم الله أوغلو.

وترشح صلاح الدين دميرطاش الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي والمسجون منذ عام 2016 عن حزبه. ودوغو برينجك زعيم الحزب الوطني القومي اليساري المتشدد هو المرشح السادس.

وللفوز برئاسة البلاد، يجب أن يحصل المرشح على نسبة 51 بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين في الانتخابات. وإذا لم ينجح أحد المرشحين في تحقيق هذه النسبة، ستُجرى جولة ثانية من الانتخابات في الثامن من شهر يوليو المقبل يتنافس فيها أعلى مرشحين اثنين حصولا على أصوات الناخبين.

وسيبدأ بعد الانتخابات سريان النظام الرئاسي وفق ما أقر في الاستفتاء على التعديل الدستوري في أبريل 2017، وهو ما يعني تغيرات كبيرة وعميقة على عدة مستويات، بدءا من تراجع البرلمان نسبيا وتقدم مؤسسة الرئاسة عليه في الأهمية، مرورا بالعلاقة بين الرئاسة والبرلمان وباقي مؤسسات الدولة، وليس انتهاء بالسياسة الخارجية التي يفترض أن تكون أكثر زخما وتأثيرا في ظل النظام الرئاسي الذي من أهم ميزاته الحكومات القوية المستقرة والآليات السريعة لاتخاذ القرار وتنفيذه.

وهناك أربعة سيناريوهات ما بعد الانتخابات:

*يفوز أردوغان بالرئاسية ويفوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية البرلمانية.

*يفوز أردوغان لكن حزب العدالة والتنمية يخسر الأغلبية البرلمانية.

*يخسر أردوغان الرئاسية لكن حزبه العدالة والتنمية يفوز بالأغلبية البرلمانية.

*يخسر كل من أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

الإمكانية الرابعة هي الأقل أرجحية ويرى عدد قليل جدا من الملاحظين أن الاحتمال الثالث على أنه مرجح أيضا. ويبقى الرهان الأكبر هو 1 أو 2. ولكن إذا تحققت الإمكانية الرابعة ستمر تركيا بفترة مؤلمة من تغيير النظام مع وجود مخاطر محتملة تتمثل في عنف الشوارع وشبه حرب أهلية في مجتمع مستقطب على نحو خطر. في تلك الحالة لن يصدق مؤيدو أردوغان الذين كثيرا ما يحتشدون في مجموعات أن عملية احتساب الأصوات كانت عادلة (حتى وإن كان الأمر كذلك) وسيخرجون إلى الشوارع ليصطدموا “بالخونة”.

سيعني الخيار الأول ببساطة بقاء الأمور على حالها، حيث تنزلق تركيا أكثر إلى حكم الرجل الواحد، وتصبح إدارة البلاد (التي تزداد الآن استقطابا على خطوط علمانية ومحافظة) أكثر صعوبة. أما الاحتمال الثاني فسيكون الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام فهو لن يرضي أردوغان وقد يجعل يديه مقيدتين.

نظريا، يمكن لأردوغان الحكم بواسطة المراسيم لكن في برلمان تسيطر عليه المعارضة قد تمرر دائما القوانين التي تبطل مراسيمه (مثلما ينص على ذلك الدستور)، وفي تلك الحالة سيضطر أردوغان إلى حل البرلمان (ومنصبه) والدعوة إلى انتخابات مبكرة لتجرى خلال حد أدنى بتسعين يوما. وهكذا قد يجد الأتراك أنفسهم أمام صناديق الاقتراع مرة أخرى في نهاية هذا العام.

أزمة اقتصادية

 

حزب الشعوب الديمقراطي الذي يتألف بصورة رئيسية من الأكراد لم يدخل في أي ائتلاف، على الرغم من أنه سيحدد إلى حد كبير نتائج الانتخابات، حيث أن توزيع المقاعد في البرلمان سيتغير جذريا إذا ما نجح حزب الشعوب الديمقراطي المعارض في تخطي حاجز نسبة العشرة بالمئة اللازمة في الانتخابات.

عشية الانتخابات، ذكرت تقارير أنه لا أموال في الخزانة العامة بتركيا لسداد الديون. وقال جان تيومان، الكاتب في موقع أحوال تركية، إن خزانة الأموال العامة أصبحت على حافة هاوية الإفلاس، حيث  تستعد الخزانة هذا الأسبوع لسداد دين بقيمة 13.6 مليار ليرة تركية، وبينما هي كذلك لم يتبق فيها سوى 16 مليار ليرة تركية، 7 مليارات من هذا المبلغ عملة صعبة، أما الــ9 مليارات الباقية فهي حسابات بالليرة التركية. وعليه فالموارد المتوفرة في حسابات الخزانة، سواء كانت بالليرة أو بالعملة الصعبة، هي أقل بكثير من المتوسط على المدى الطويل.

وهبطت الليرة التركية بأكثر من 17 بالمئة بين بداية العام الحالي و23 مايو 2018، في خضم مخاوف حول عجز البنك المركزي في السيطرة عن نسبة تضخم فاقت العشرة بالمئة.  وحسب مؤسسة استطلاع الرأي “رمريس” يتوقع أكثر من 67 بالمئة من الأتراك تدهور الوضع الاقتصادي في المستقبل.

لكن براق بكديل يقول إن الصورة تزداد تشاؤما مع توقعات التزوير، ويشار إلى أن المراقبين الأوروبيين شكوا في أن زهاء 2.5 مليون صوت قد يكون جرى تزييفها في استفتاء 2017 لتعديل الدستور.  ووجدت استطلاعات مؤسسة رمريس أن 60.8 بالمئة من الأتراك يعتقدون أن انتخابات 2018 لن تكون منافسة عادلة.

7