تركيا اختارت "الاستبداد" ديمقراطيا

هناك مثل تركي قديم يقول إن المصارع الذي يخسر يطلب مباراة أخرى، هذا ما حصل بالضبط في تركيا، فنتائج الانتخابات المعادة التي فاز فيها العدالة والتنمية تمثل انقلابا سياسيا لصالح عراب الإخوان أردوغان الذي تولى زمام البلاد على مدار 13 عاما، ويبدو أنه سيمدد حكمه بدرجة أكبر على الأرجح، فكل المؤشرات التي ألمح إليها المراقبون تدل على أن تركيا ودعت عهد الديمقراطية وبدأت عهدا جديدا عنوانه الأبرز الاستبداد.
الثلاثاء 2015/11/03
تركيا بدأت فعليا في تلمس مستقبلها الغامض مع أردوغان

أنقرة - أصبح من المؤكد الاثنين أن تركيا ستشهد تشكيل حكومة حزب واحد، وذلك بعد أشهر من عدم الاستقرار السياسي، بعدما فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المبكرة بـ316 مقعدا أي بنسبة 49.4 في المئة.

وحقق العدالة والتنمية فوزا مفاجئا في الانتخابات، لم يكن يتوقعه حتى أقطاب هذا الحزب، حيث استطاع انتزاع 59 مقعدا من المعارضة، وهو ما يعد مؤشرا على أن مراهنة الرئيس رجب طيب أردوغان على الصخب والعنف أثمرت بأكثر مما كان منتظرا.

ويرى مراقبون أن الرئيس أردوغان لم يكن ديمقراطيا أصيلا يحترم المبادئ الدستورية، أو أنه يقبل الاستقالة لتحقيق التداول على السلطة، العنصر الأساسي في الديمقراطية الحق، كما أن موقفه في مواجهة انتكاسة هو الالتفاف على هذا العائق بوسائل أخرى.

فأردوغان استعاد أغلبيته، لكن تركيا تضررت من هذه العملية، إذ قوضت مؤسساتها المستقلة وأهملت قوانينها الدستورية، كما تدهورت العلاقات بين الإثنيتين التركية والكردية وعادت الحرب التي كان يعتقد أنها انتهت.

ويزعم الرئيس الطامح إلى تعزيز سلطاته أن النتائج كانت رسالة “قوية” لحزب العمال الكردستاني المحظور وإلى كل الأحزاب السياسية المعارضة، وأن “الشعب التركي اختار الأمن والاستقرار”.

وبالنسبة إلى سياسي لا ينافس بشكل مباشر في هذه الانتخابات، تجاوز الرئيس التركي ضوابط الدستور وشارك في مؤتمرات انتخابية وفعاليات سياسية بهدف الترويج لحزب العدالة والتنمية الذي أسسه وتزعمه منذ عام 2002.

الأرقام السحرية
*367 مقعدا الحصول عليها يخول للحزب الأول تغيير الدستور دون استفتاء

*330 مقعدا الحصول عليها يخول للحزب الأول وضع التعديلات الدستورية للاستفتاء

*276 مقعدا الحصول عليها يخول للحزب الأول تشكيل الحكومة بمفرده

سيناريوهات محتملة

لم تشهد الحياة السياسية في تركيا منذ 13 عاما ائتلافا حكوميا، فالأتراك لا يكنون ذكريات جميلة للائتلافات الحكومية التي كانت سائدة في الماضي. وأصبح الائتلاف في نظر كثر أمرا بغيضا ووصفة لشلل وطمس الاقتصاد، وليس صفة تلازم السلطة التي من المفترض أن تتسم بالتوازنات والتحفظات والابتعاد عن الاستقطاب.

السيناريو الأسوأ، حسب المتابعين، تحقق حيث سيقود أردوغان على الأرجح إلى استخدام صلاحيات تنفيذية واسعة دون أن يكلف نفسه بتغير الدستور، كما لن يكون هناك أي اعتراض من حكومة العدالة والتنمية والبرلمان الذي تهيمن عليه.

ودعا زعيم الغالبية البرلمانية أحمد داودأوغلو، بعد الإعلان عن النتائج، الأحزاب السياسية إلى الاجتماع والاتفاق على دستور جديد وقال “فلنعمل معا نحو تركيا لا يوجد فيها صراع وتوتر واستقطاب، ويعيش فيها الجميع في سلام”.

وربما تؤجج النتائج انقسامات عميقة في تركيا بين المحافظين الذين يرون في الرئيس بطل الطبقة العاملة وبين العلمانيين الذين يشكون في ميوله الاستبدادية ومثله الإسلامية.

ويقول البعض إن الشعب التركي عرف هويته واكتشفها مجددا، فالعلمانيون يخوضون المعارك باعتبار العلمانية موقفا سياسيا وهي ليست كذلك، في المقابل استطاع العدالة والتنمية الفوز لافتعاله الأزمات وخصوصا ظهوره على أنه المخلص للبلاد من الإرهابيين.

وانتقدت الأحزاب المعارضة الرئيسية نتائج الانتخابات، فرغم احترامه لإرادة الأتراك كما قال، أكد زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو أن حزبه يرغب في تحقيق ديمقراطية قوية وترسيخها في تركيا وسن قوانين فعالة.

لكن زعيم الحركة القومية دولت بهشلي الذي خسر حزبه 39 مقعدا في البرلمان الجديد بدا محرجا من النتيجة المخيبة لآمله عندما قال “رغم العدد القليل لنوابنا في البرلمان، إلا أننا نجحنا من جديد في الحصول على حق التمثيل في المجلس النيابي”.

وأرجع المحللون السبب الرئيسي في هذه الهزيمة إلى موقف زعيم الحزب دولت بهشلي السلبي المتصلب والرافض للمصالحة. وكان بهشلي أوصد أبوابه أمام جميع سيناريوهات أحزاب المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية.

أما زعيم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي صلاح الدين دمرداش، فقد انتقد حملات الدعاية الانتخابية، مؤكدا عدم وجود العدالة والمساواة خاصة بعد تفجير أنقرة المزدوج والذي راح ضحيته أكثر من مئة شخص.

عوامل الربح والخسارة

ثمة الكثير مما يمكن أن يقال عن نتائج هذه الانتخابات وأسبابها وعن دلالاتها السياسية والاجتماعية والمناطقية وعن المشهد السياسي التركي الجديد وعن انعكاساتها على عدة ملفات داخلية وخارجية وعن محاولة استشراف مستقبل التجربة التركية.

لكن هناك أسبابا جوهرية يبدو أنها أثرت في هذا الاستحقاق المهم والذي خضع لمنطق الرابحين والخاسرين في انتخابات اعتبرت استفتاء على استمرار حكم الإسلاميين لأربع سنوات قادمة.

فقد لعب حزب أردوغان على عامل الاستقرار ويبدو أنه العامل الأبرز في تغير قرار الناخب التركي، إذ استطاع العدالة والتنمية خلال الفترة الانتقالية المشحونة بالتذبذبات الأمنية والاقتصادية أن يستغل ذلك عبر التلميح بأن فقدانه للأغلبية البرلمانية كان السبب في التدهور الحاصل.

أما العامل الثاني فيتعلق بفشل المعارضة وخاصة حزبي الحركة القومية والشعوب الديمقراطي خلال الفترة الانتقالية في كسب ثقة الناخب، بل قدمت صورة سلبية تراوحت ما بين عدم تحمل المسؤولية ورمادية الموقف والإضرار بمصالح البلاد، فكانت النتائج عقابا لها قبل أن تكون مكافأة للفائز.

قانون الانتخاب التركي كان من بين تلك العوامل وخصوصا طريقة حساب المقاعد، واعتماد نسبة كل حزب على نسب الأحزاب الأخرى وعلى نسبة المشاركة، وطريقة توزيع أصوات الخارج وغيرها من التفاصيل المعقدة والحسابات الدقيقة التي لعبت هذه المرة لمصلحة العدالة والتنمية بفارق 90 ألف صوت و18 مقعدا برلمانيا عن انتخابات يونيو.

علاقة تركيا بأوروبا

تتطلع تركيا منذ زمن بعيد إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن العديد من العقبات لا تزال تعرقل تلك الخطوة ويبدو أنها ستزيد من متاعبها مع استمرار حكم الإسلاميين.

وجاءت ردود أفعال الأوروبيين متباينة، لكن منسوب المخاوف ارتفع لدى الكثيرين فتركيا الجديدة التي يطمح إليها أردوغان منذ توليه الرئاسة قبل أكثر من عام ستواصل نهجها اللاديمقراطي على ما يبدو.

وعلقت نائبة رئيس البرلمان الألماني كلاوديا روت قائلة إن فوز العدالة والتنمية في الانتخابات سيكون له عواقب سلبية على الاتحاد الأوروبي في أزمة اللاجئين.

ووصفت روت أن ما تحقق في تركيا يوم أسود للديمقراطية وأن الرئيس أردوغان الذي زادت شوكته، سيملي على أوروبا شروطه في المستقبل.

من جانبهم، عبر مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عن أسفهم لأجواء “العنف” التي سادت حملة الانتخابات التشريعية في تركيا وانتقدوا الحكومة لضغوطها على الصحافة المستقلة.

لكن الممثلة العليا للشؤون الخارجية للاتحاد فيدريدكا موغيريني والمفوض الأوروبي المختص بسياسة الجوار يوهانس هان قالا إن المشاركة المرتفعة في الانتخابات تؤكد أن الأتراك دعموا العملية الديمقراطية.

5