تركيا.. استطلاعات الرأي لا تسلم من ضغوط السلطة الحاكمة!

التفاوت الكبير بين النسب في نتائج العشرات من الاستطلاعات يرجع إلى تعرض هذه الشركات لنوع من الضغوط جعلها تحرف هذه النتائج، وتخشى الإفصاح عن الأرقام الحقيقية.
الأحد 2018/06/17
لا نثق في من يقومون باستطلاعات الرأي

لم يتبقّ سوى ثلاثة عشر يوما على الانتخابات المزمع إجراؤها في تركيا في 24 يونيو المقبل؛ في وقت تباينت فيه نتائج استطلاعات الرأي في هذا الشأن.

نُصبت سرادقات الانتخابات الخاصة بأحزاب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب الشعوب الديمقراطي في مدينة جانكايا؛ كبرى مراكز محافظة أنقرة إلى جانب بعضها البعض. وأمام هذه السرادقات تزاحم الآلاف من الأتراك بين شباب وشيوخ للمشاركة في هذه الفعاليات.

يشرف على هذه الفعاليات سيدات وفتيات ينتمين إلى هذه الأحزاب، وقد أخذت مكبرات الصوت التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي تذيع مقتطفات من خطب لصلاح الدين دميرطاش، وأخذت تكرّر جملة “لن نجعلك رئيسا لتركيا!”، التي قالها مخاطبا أردوغان أثناء انتخابات 7 يونيو-1 نوفمبر، في الوقت الذي أخذت جموع من المارة تصفق لدى سماع هذه العبارة.

أما مكبرات الصوت الخاصة بحزب الشعب الجمهوري، فأخذت تبث بقوة مقاطع من كلمات شهيرة لمحرم إينجه؛ ألقاها في مجلس النواب، كان منها “هل هذه هي “عزبة” أبيكم، لا نخاف سوى الله..!”.

وفي الوقت الذي أخذت مكبرات الصوت التابعة لحزبي الشعب الجمهوري والحزب الصالح تبث أنشودة إزمير، كانت نظيرتها التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي تبث الأغاني والأهازيج الكردية، التي تراقص على أنغامها أنصار مع أصوات الزغاريد التي ارتفعت من كل مكان.

لا أعرف إن كان هذا الجو الاحتفالي يعم تركيا بكاملها أم لا، ولكن يكفي القول إن أعضاء الأحزاب الثلاثة كانوا متضامنين. لقد جمعت بينهم فكرة التصدي لحزب العدالة والتنمية، على عكس الانطباع السائد لدى الكثير من الناس، الذين يعتقدون – بشكل خاطئ- أن هناك فجوة كبيرة، وعدم ارتياح بين أعضاء الحزب الصالح وحزب الشعوب الديمقراطي.

لفت الانتباه كذلك عدم وجود سرادق انتخابي خاص بحزب العدالة والتنمية في هذا المكان الحيوي من جانكايا، إلا بعض اللوحات الدعائية التي علقت على مدخل الشارع، بالإضافة إلى السيارة الخاصة بمرشح حزب العدالة التنمية توغرل توركش، التي كانت تجوب المكان بين الحين والآخر.

عندما لا تنسجم الصورة، التي عكستها استطلاعات الرأي، مع المنظر العام الذي نراه في هذا الجو الاحتفالي في سرادقات الانتخابات، حينها تحتدم المناقشات حول مدى مصداقية هذه الاستطلاعات، خاصة إن كانت النسب متفاوتة بين استطلاع وآخر.

ويمكننا تبيُّن الأمر، بشكل أكبر، عند النظر إلى نتائج آخر ثلاثة استطلاعات أجريت خلال اليومين الماضيين على النحو التالي:

جاء في نتيجة الاستطلاع، الذي أجرته وكالة ماك للأبحاث، التي يملكها محمد على كولات، وهو من المقربين إلى أردوغان، أن أردوغان سيفوز في الانتخابات من الجولة الأولى بنسبة أصوات لن تقل عن 51.5 بالمئة. أما بالنسبة إلى انتخابات مجلس النواب فكانت النسب التي سيحصل عليها كل حزب على النحو التالي:

حزب الشعوب الديمقراطي عند مستوى 9.2 بالمئة وحزب العدالة والتنمية 43.5 بالمئة وحزب الشعب الجمهوري 42.2 بالمئة والحزب الصالح 10.3 بالمئة وحزب الحركة القومية 9.2 بالمئة وحزب السعادة 2.1 بالمئة وحزب الهدى 0.5 بالمئة.

أما باقي الأحزاب فستحصل، حسب استطلاع ماك، على نسبة 3 بالمئة. وفي حالة بلوغ حزب الشعوب الديمقراطي النسبة المطلوبة من الأصوات، فلن يتمكن أي من التحالفين أن يحقق الأغلبية داخل البرلمان.

أكدت نتائج الاستطلاع، الذي أجراه مركز ماك، على فوز أردوغان من الجولة الأولى، وعُرضت النسب التي سيحصل عليها باقي المرشحين على النحو التالي: محرم إينجه 24.4 بالمئة وميرال أكشينار 12.5 بالمئة وصلاح الدين دميرطاش 8.8 بالمئة وتمل كرم الله أوغلو 2.2 بالمئة. أما دوغو برينجك فسيحصل على نسبة 0.6 بالمئة من أصوات الناخبين، في حين كانت نسبة الممتنعين عن التصويت لأي من المرشحين 6 بالمئة.

أما في الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة بي.أر في نفس اليوم، فجاءت النسب التي ستحصل عليها الأحزاب على النحو التالي: حزب العدالة والتنمية 34.8 بالمئة وحزب الحركة القومية 7.3 بالمئة وحزب الشعب الجمهوري 23.4 بالمئة والحزب الصالح 17.2 بالمئة وحزب الهدى 14.1 بالمئة، وحصل حزب السعادة على نسبة 2.5 بالمئة، وجاءت نسب المرشحين في انتخابات الرئاسة على النحو التالي: أردوغان 39.7 بالمئة ومحرم إينجه 26 بالمئة وميرال أكشينار 21.2 بالمئة وصلاح الدين دميرطاش 11.1 بالمئة وتمل كرم الله أوغلو 1.8 بالمئة. أما دوغو برينجك فسيحصل، حسب استطلاع “بي.أر” على نسبة 0.5 بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين.

Thumbnail

وحسب نتائج استطلاع بي.أر، فإن تحالف الأمة سيحصل على الأغلبية في البرلمان بنسبة 43.1 بالمئة بعد جمع نسب الأصوات، التي حصلت عليها أحزاب الشعب الجمهوري وحزب السعادة والحزب الصالح، مقابل نسبة 42.1 بالمئة سيحصل عليها تحالف الشعب بقيادة حزب العدالة والتنمية.

تزامن مع هذين الاستطلاعين استطلاع ثالث أجرته وكالة ريميرز، وجاءت نتائجه على النحو التالي: سيحصل حزب العدالة والتنمية في انتخابات 24 يونيو على 33.5 بالمئة وحزب الشعب الجمهوري على 19.7 بالمئة والحزب الصالح على 12.7 بالمئة وحزب الشعوب الديمقراطي على 8.7 بالمئة وحزب الحركة القومية على 4.3 بالمئة وحزب السعادة على 3.5 بالمئة وحزب الهدى على 1.3 بالمئة. أما الممتنعون عن التصويت فبلغوا، حسب هذا الاستطلاع، 8.2 بالمئة من إجمالي الأصوات، في حين بلغت نسبة المحايدين 8.1 بالمئة. وهذا يعني أن نسبة 16.3 بالمئة من الأصوات ستضيع بين أشخاصٍ لن يتوجهوا للأصوات، وآخرين سيمتنعون عن التصويت لأي من المرشحين.

بالنسبة للانتخابات الرئاسية، فقد توجهت ريميرز إلى الذين شملهم الاستطلاع بالسؤال “إذا كانت الانتخابات ستُجرى هذا الأحد،  فلأي من المرشحين ستعطي صوتك؟”. كانت الإجابة على النحو التالي: تحالف الشعب 37.9 بالمئة وتحالف الأمة 37.8 بالمئة وحزب الشعوب الديمقراطي 9.8 بالمئة، بالإضافة إلى نسبة 0.3 بالمئة كانت لهم إجابات أخرى، في حين كانت نسبة الممتنعين عن التصويت 7.2 بالمئة. أما المحايدون فنسبتهم 7 بالمئة من الأصوات.

وإذا ما وزعنا نسب أصوات المحايدين والممتنعين عن التصويت، فستخرج النتيجة على الشكل التالي: 44.2 بالمئة لصالح تحالف الشعب. أما تحالف الأمة فسيحصل على نسبة 44 بالمئة من الأصوات، في حين سيحصل حزب الشعوب الديمقراطي على 11.5 بالمئة.

وعند سؤالهم عن المرشح الذي سيحصد أكبر نسبة من الأصوات في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، جاءت إجاباتهم على النحو التالي: رجب طيب أدوغان 35.9 بالمئة ومحرم إينجه 22.3 بالمئة وميرال أكشينار 14.5 بالمئة وصلاح الدين دميرطاش 9.8 بالمئة وتمل كرم الله أوغلو 3.2 بالمئة.

أما دوغو برينجك فحصل، وفق هذا الاستطلاع، على نسبة 0.2 بالمئة، في حين كانت نسبة المحايدين 7.8 بالمئة، والممتنعين عن التصويت 6.3 بالمئة من إجمالي الأصوات.

وعند جمع نسب المحايدين والممتنعين عن التصويت، فإن أردوغان سيحصل، وفق هذا الاستطلاع، على 41.7 بالمئة من الأصوات، بينما لن تتجاوز نسبة محرم إينجه 26.1 بالمئة، وميرال أكشينار 16.7 بالمئة، وصلاح الدين دميرطاش 11.4 بالمئة، وتمل كرم الله أوغلو 3.9 بالمئة، في حين ستذهب نسبة 0.2 بالمئة من الأصوات إلى دوغو برينجك.

وبالنظر إلى النتائج التي خَلُصت إليها نتائج الاستطلاعات، يمكن القول إن هناك تفاوتا كبيرا في نسبة الأصوات، التي سيحصل عليها أردوغان بين النتائج الثلاث، خاصة لو أضفنا إليها نسبة المحايدين والممتنعين عن التصويت. والواضح أنه لا يمكن إرجاع السبب وراء التفاوت الكبير بين نسب الاستطلاعات الثلاثة إلى خطأ في الحساب أو في الطريقة المتبعة عند إجراء الاستطلاع.

من هنا يمكن أن أقول إن التفاوت الكبير بين النسب في نتائج العشرات من الاستطلاعات، التي أجريت لهذا السبب، إنما يرجع إلى تعرض هذه الشركات لنوع من الضغوط جعلها تحرّف هذه النتائج، وتخشى الإفصاح عن الأرقام الحقيقية.

في الوقت نفسه، يؤكد أنصار أحزاب الشعوب الديمقراطي والشعب الجمهوري والحزب الصالح، المتجمعين في سرادقات الانتخابات، أن نتائج هذه الاستطلاعات لا تعبّر عن الواقع بأي حال من الأحوال، وأن نتائج الانتخابات ستكون بمثابة “الصدمة” بالنسبة إلى أردوغان.

أختم مقالتي بحديث أحد الأشخاص، ممن كانوا في زيارة لهذه السرادقات، والذي رفض ذكر اسمه، حين قال “أقوم بزيارة هذه السرادقات، وأحصل على منشورات الأحزاب، وأستمع إلى ما يقولونه، ولكني لا أستطيع الإفصاح عن الشخص الذي سأعطي صوتي إليه. نحن لا نثق في من يقومون باستطلاعات الرأي. ومن ناحية أخرى، نحن نخشى من أن نفصح عن اختيارنا الحقيقي لهؤلاء، كما أننا نخشى أن تُسجل المكالمات أثناء التحدث لأحد موظفي شركات الاستطلاع عن طريق الهاتف”.

7