تركيا.. الأسلمة على قدم وساق في زمن "الفاتح" أردوغان

الجمعة 2013/11/01
الحجاب يقتحم البرلمان.. أبرز قلاع العلمانية

أنقرة - كانت مخاوف آلاف المتظاهرين الأتراك، الذين نزلوا بكثافة الصائفة الماضية للدفاع عن حرياتهم الشخصية، في محلها، ذلك أن خيار الأسلمة الذي يعتمده رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يتواصل بشكل مكثف وهادف إلى ضرب الهوية العلمانية للدولة التركية، وآخر الخطوات عودة الحجاب إلى البرلمان.

حضرت أربع نائبات من الحزب الاسلامي المحافظ الحاكم في تركيا وهن محجبات الخميس إلى البرلمان ليحطمن أحد المحرمات في البلد المسلم حيث تندد الأوساط العلمانية بانحراف إسلامي جديد للنظام.

وهؤلاء النائبات انتخبن في الانتخابات التشريعية الاخيرة التي جرت في 2011 فيما كن سافرات (بلا غطاء رأس) على لوائح حزب العدالة والتنمية المنبثق عن التيار الاسلامي بزعامة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي أبطل مؤخرا قانون حظر ارتداء الحجاب الاسلامي في الوظائف العامة.

وعلى هذا الاساس قررن المشاركة وهن محجبات في جلسة بدأت في الساعة 12,00 بتوقيت غرينتش في البرلمان الذي يعتبر مكانا عاما.

ومسالة ارتداء الحجاب ترتدي اهمية رمزية كبيرة في تركيا حيث تبلور الانقسام بين العلمانيين وأنصار الاسلام السياسي الذين يتذرعون بحرية المعتقد.

ومنذ العام 1999 لم تظهر اي نائبة محجبة في حرم البرلمان. وفي تلك الاونة اضطرت النائبة مروة كفاكجي المنتخبة على لائحة التيار الاسلامي إلى مغادرة قاعة البرلمان وسط صيحات الاستهزاء لنواب بدون أن تتمكن من أداء اليمين ولا ممارسة مهامها التشريعية.

وفي ذلك الوقت قال رئيس الوزراء بولنت اجويد أمام البرلمان "ليس هذا مكان يجري فيه تحدي الدولة. عرفوا هذه المرأة حدودها" في حين وقف نحو نصف أعضاء المجلس وهتفوا مطالبينها بالخروج.

وتأجلت الجلسة واجبرت قاواقجي على ترك القاعة دون ان تؤدي اليمين. وبعد ذلك سحبت منها الجنسية التركية بعد ان تبين انها حاصلة على الجنسية الأمريكية دون ان تبلغ السلطات.

وأغلق حزب الفضيلة عام 2001 لانتهاكه المواد المتعلقة بعلمانية الدولة في الدستور ومنع عدد من نوابه في البرلمان ومنهم قاواقجي من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.

لكن هذه المرة جرى كل شيء بدون تسجيل اي حادث ما حدا بنائب رئيس الوزراء بولنت ارينتش إلى الترحيب بالوضع.

وقال امام النواب "انتظرنا بصبر ان تتعزز الديمقراطية" في تركيا معربا عن ارتياحه لحدوث "تغيير في العقليات" في تركيا.

وقد ادت النائبات المحجبات اللواتي ينتمين إلى حزب العدالة والتنمية وحضرن الخميس إلى قاعة البرلمان، مؤخرا مناسك الحج في مكة المكرمة وقررن بعد ذلك ارتداء الحجاب للمرة الاولى في حياتهن.

وقالت احداهن غونول بيكين شاه كولوبي في تصريح نقلته الصحف "اتوقع من الجميع ان يحترموا قراري. ان الحجاب مسالة بين المؤمن وربه".

ونددت المعارضة المؤيدة للعلمانية في البرلمان وعلى رأسها الحزب الجمهوري للشعب بـ"حملة سياسية" يقوم بها حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات البلدية في اذار/مارس 2014.

واعتبر محرم انجي النائب النافذ عن الحزب الجمهوري للشعب اثناء جلسة تلت وصول النائبات المحجبات "ان السلطة لا تتذكر الدين إلا عندما تلوح انتخابات في الأفق".

وتساءل انجين التان العضو ايضا في الحزب الجمهوري للشعب من جهته "عما سنفعله ان حضرت نائبات إلى القاعة مع البرقع؟".

وكان ارتداء الحجاب محظورا بشكل تام في الوظائف العامة لكن اردوغان رفع هذا الحظر مطلع تشرين الاول/اكتوبر.

وقال محرم انيس النائب البارز عن حزب الشعب الجمهوري لاعضاء المجلس "تملكون مكسبا واحدا ولن نسمح لكم باستغلاله للعب دور الضحية" مضيفا ان النساء الاربع لم يدافعن من قبل في المجلس عن حقوق غيرهن من النساء.

ومساء الاربعاء دافعت الحكومة عن موقف نائباتها الاربع مؤكدة انهن لا يفعلن سوى احترام دينهن ويرفضن اي تكتيك مسيس.

ويشكل السماح بارتداء الحجاب في كل الاماكن وخصوصا العامة مطلبا رمزيا للاسلام السياسي في تركيا منذ بداية سبعينات القرن الماضي.

وتجدر الاشارة إلى ان زوجات معظم المسؤولين الاتراك محجبات.

وتتهم المعارضة والدوائر المؤيدة للعلمانية الحكومة بفتح ثغرة جديدة في النظام العلماني.

وطوال العقد الماضي منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بدأت المؤسسات التي كانت معاقل للعلمانية مثل الجيش والقضاء تشهد انتقاصا من صلاحياتها جراء اصلاحات حكومية.

وتبقى العلمانية مسجلة في الدستور التركي لانها الارث الرئيسي الذي تركه مصطفى كمال اتاتورك الذي يعتبره الاتراك ابا الامة.

وكان الحزب الحكومي المتهم بالسعي إلى "اسلمة" تركيا، اثار موجة من الاحتجاج بعد اجراءات عدة فرضت رسوما على الكحول وقيودا على مبيعاته واستهلاكه بحجة انه محرم في الاسلام.

وفي حزيران/يونيو الماضي نزل 2,5 مليون شخص إلى الشوارع للتعبير عن احتجاجهم على السياسة الاستبدادية التي ينتهجها اردوغان، في حراك غير مسبوق مناهض للحكومة يعبر عن مرارة امام تنامي نفوذ الاسلام المحافظ في ظل حكم حزب العدالة والتنمية.

وتركزت مطالبهم حول المطالبة بعدم المساس بالحريات الشخصية، فقد قالت سيدة متقاعدة شاركت في الاحتجاجات إن "الحكومة تمارس الضغوط في كل شيء: أنجب ثلاثة أطفال لا اثنين فقط، لا تشرب الخمر، لا تدخن، لا تسر في الطريق ويدك في يد حبيبك او حبيبتك إذا لم تكن العلاقة جدية". وأكدت "أنا ابنة أتاتورك ولا يمكن أن أوافق على ذلك. نحن كلنا نتشارك هذه الأفكار لذلك نحن هنا".

وأجج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، مخاوف الأوساط العلمانية وآلاف المتظاهرين ضذ أسلمة المجتمع التركي، وذلك باتهامه مؤسسي الجمهورية بجعل البيرة المشروب الوطني، في حين أن الشعب التركي يفضل، على حد قوله، مشروب العيران المصنوع من اللبن والخالي من الكحول.

وتشير استطلاعات للرأي إلى ان الاتراك اصبحوا محافظين اكثر فاكثر في نظام حزب العدالة والتنمية وان نحو ثلثي النساء يرتدين الحجاب.

واثارت موجة الأسلمة مخاوف بالداخل التركي وخارجه، فقد أبدى

الاتحاد الأوروبي لأكثر من مرة قلقه ازاء انتهاكات الحريات في تركيا. ولفت مارك بييريني الرئيس السابق لوفد الاتحاد الاوروبي إلى انقرة، إلى أن "سلسلة توجهات أخيرة تدل على أن الاتجاه المحافظ (في تركيا) مسيطر وبدون معارضة".

ووجه جان موريس ريبير الذي خلف بييريني انتقادا ملحوظا إلى اردوغان لتصريحاته بشأن الاجهاض.

وأشار إلى ان "بعض رجالات السياسة قاموا بمقارنات غير ملائمة". وكان المسؤول التركي اعلن ان "كل عملية اجهاض هي (اولوديري)" في تلميح إلى مقتل 34 من ابناء قرية اولوديري (جنوب شرق) في كانون الاول (ديسمبر) اثر قيام الطيران التركي بقصفهم عن طريق الخطأ لظنه بأنهم من المتمردين الاكراد.

وتريد الحكومة الإسلامية أن تطرح على التصويت مشروع قانون يقلص مدة الحمل التي يسمح خلالها بالاجهاض من عشرة إلى ستة او اربعة اسابيع. وتظاهرت الاف النساء احتجاجا على هذا النص في بلد يسمح بالاجهاض منذ العام 1965.

كما تم إعداد قانون جديد حول المدرسة يدخل اختيارية تعليم القرآن في المدارس العامة، كما ينص على ان التلامذة بامكانهم الدخول إلى المدارس الدينية "امام خطيب" التي تخرج عموما الائمة، اعتبارا من نهاية المرحلة الابتدائية وليس في المرحلة الثانوية.

وفي سياق متصل، أثار خيار "الأسلمة" التركية مخاوف جدية في المشرق العربي خاصة بعد تحالف الحزب الإسلامي مع التيارات الإخوانية في المنطق، وعمل على تحويلها إلى روافد في تركيز الهيمنة الاقتصادية والثقافية التركية بالشرق، في عودة مقنعة للخلافة العثمانية التي يراها الكثير من العرب على أنها استعمار وظف الإسلام كدين في تأكيد سطوته.

13