تركيا العلمانية تبحث عن أتاتورك جديد ينقذها من موجة الأسلمة

الأربعاء 2013/11/13
هبة الأتراك لضريح كمال أتاتورك أملا في زعيم مثله

إسطنبول- بعد وقوف أحفاد أتاتورك دقيقة صمت ترحما على روحه، عادت الحركة في المدن إلى سالف نشاطها، ولعل الكثير منهم انتابه شعور مختلف في هذه الذكرى بالذات؛ خاصة بعـد ما شهدته تركيا من أحداث عنف مرتبطة بمشروع حديقة غيزي إلى جانب ما تشهده جـاراتها من اضطرابات وحروب يضاف إليها تراكمات الاعتراضات على سياسات الحكومة التركية في السنوات الأخيرة، كـل هـذه العوامـل أثـارت سؤالا لدى العلمانيين الأتـراك، الفخورين بمـا تركـه لهم كمال أتاتـورك، حـول ما أصاب إرثه السياسي العلماني في ظل حكـم حـزب العدالـة والتنميـة.

فالجمهورية التركية شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبيرة مؤخرا، وأصبح حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك يشكل حزب المعارضة الرئيسي اليوم في تركيا، ويرى الحزب أن الأحزاب المحافظة وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الحاكم، تبتعد شيئا فشيئا بالبلاد عن ذلك الإرث، كما يرى أن سياسات الحزب الحاكم تتعارض مع مبادئ الديمقراطية والمجتمع المنفتح والحريات التي أسس لها أتاتورك وتخلق جوا من الصراع داخل المجتمع.

ويكمن التعارض بين مبادئ حزب أتاتورك والسياسات التي يتبعها الحزب الحاكم في الإجراءات والقوانين التي يسعى الأخير لتكريسها على أرض الواقع، ولعل آخر هذه الإجراءات السماح بالحجاب داخل المؤسسات العمومية وحتى داخل مؤسسات الدولة الرسمية كالبرلمان وإلغاء أداء الطلاب للقسم الصباحي، وهو ما تعتبره المعارضة مساسا بعلمانية البلاد. أما حزب العدالة والتنمية المتربع على عرش السلطة اليوم، فلا يرى في هذه التغييرات خروجا على المبادئ التي أرساها أتاتورك في المجتمع التركي، وهو ما يعمق خوف العلمانيــين الأتراك من الخطر الذي يهدد مبادئ العلمانية التركية؛ خاصة في ظــل ممارســات حزب العــدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامــي الذي ما فتــئ يؤكــد أن ما يقــوم بــه لا يخــرج عن نطاق تعزيز الحريــات الفردية بمــا يتوافق مع معــايير الاتحاد الأوروبي.

وفي تقرير صادر عن القوات المسلحة التركية ورد أن عدد من زاروا ضريح أتاتورك بلغ ما يقارب 1،09 مليون شخص، لكن الأكيد أن عدد العلمانيين الأتراك الفخورين بتاريخ زعيمهم كمال أتاتورك يتجاوز هذا الرقم بكثير مما يبين حجم خوف وخشية الأتراك وخاصة المعارضة عن مصير العلمانية والديمقراطية والحرية في بلادهم.

فمن خلال مقارنتهم بين حكــم أتاتورك وبــين حكــم حزب أردوغان الإخــواني الساعي لأسلمة الدولة والمجتمع لا يسعهــم إلا الشعور بحالة من الاستياء الشديــد الــذي ملأ الشــارع التركي، يوم الاحتفال وبان الأمر للملاحظــين. يذكر أن مصطفى أتاتورك هو مؤسس الجمهورية التركية وأول رئيس لها، وقد ظهر كبطل عسكري في معركة الدردنيل عام ،1915 وأصبح قائد معركة تحرير الأمة التركية عام 1919، واشتهر وبرز على الساحة العالمية في أوائل العشرينيات من القرن الماضي كقائد منتصر هزم غزاة بلاده، بعد مجموعة مــن الانتصارات التي قادت تركيا نحــو الاستقلال التام ووضعت حدا للحكم العثمــاني الذي امتد إلى أكثر من ستة قــرون.

أسس أتاتورك الجمهورية التركية عام 1923، وحقق بذلك نقلة واسعة وسريعة من التجديد في الحياة السياسية والاجتماعية والتشريعية والاقتصادية والثقافية في تركيا، خلال فترة حكم لم تتجاوز خمسة عشر عاما وحتى وفاته في عام 1938.

ويعد من وجهة نظر مؤيديه من الشخصيات الكاريزمية التي استطاعت أن تنجز الكثير في فترة زمنية قصيرة. ولد أتاتورك عام 1881 في سالونيك التي كانت تابعة للدولة العثمانية آنذاك، وهي الآن إحدى مدن اليونان، والده علي رضا مسؤول جمارك تحول إلى تاجر أخشاب وتوفي عندما كان هو صبيا، والدته كرست نفسها لتنشئته مع أخته.

كان قد دخل في صغره مدرسة دينية تقليدية ومن ثم تحول إلى الدراسة الحديثة، وفي عام 1893 دخل المدرسة العسكرية العليا حيث منحه مدرس الرياضيات الاسم الثاني كمال إقرارا بإنجازاته المتفوقة بعدها عرف باسم مصطفى كمال.

وتخرج من الكلية العسكرية عام 1905 برتبة نقيب أركان حرب وأرسل إلى دمشق حيث بدأ مع العديد من زملائه إنشاء خلية سرية أطلق عليها اسم الوطن والحرية لمحاربة استبداد السلطان، وفي عام 1915 أصبح الكولونيل مصطفى كمال بطلا وطنيا عندما حقق انتصارات متلاحقة ثم ارتقى إلى رتبة جنرال عام 1916.

وقام بتحرير مقاطعتين رئيستين في شرق أنطاليا في نفس السنة وفي السنتين التاليتين خدم كقائد للعديد من الجيوش العثمانية في فلسطين وحلب، ونزل مصطفى كمال في ميناء البحر الأسود سامسون لبدء حرب الاستقلال في تحدٍّ لحكومة السلطان، فنظّم جيش التحرير في الأناضول وحشد جموع الجهاد الوطني تحت قيادتة وفي 23 أبريل 1920 تأسس مجلس الأمة الكبير وانتخب مصطفى كمال لرئاسته.

وعام 1923 وقعت الحكومة الوطنية معاهدة لوزان مع بريطانيا العظمى وفرنسا واليونان وإيطاليا وآخرين وفي منتصف تشرين الاأول/ أكتوبر أصبحت أنقرة عاصمة الدولة التركية الحديثة وفي 29 أكتوبر أعلنت الجمهورية، وانتخب مصطفى كمال باشا بالإجماع رئيسا للجمهورية، وفي 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938 بعد صــراع مع المــرض توفي الأب الروحي لتركيا الحديثة ليترك ميــراثا فريــدا من نوعــه لشعبــه.

12