تركيا.. بين الدولة الدينية والدولة المدنية

الأربعاء 2013/08/21

"تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية " هو كتاب ألفه الكاتب رايز هيرمان، يعرض فيه ما شهدته تركيا بدءاً من العقدين الماضيين من تغيرات جذرية وتحولات اجتماعية انبثقت في مجتمع اكتشف تنوعه، كما يناقش انعكاسات هذه التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويتعرض للنظام الأساسي للجمهورية التركية وللنخبة الحضرية للدولة وعقائدها، كما يصور كيفية تكوين نخبة مضادة من مهمشي الأناضول، وماهية الطريق التي قادتهم إلى الحكومة، وكذا ماهية الصراعات التي عايشوها مع النخبة القديمة. ويعرج إلى المشهد الثقافي المعيشي، ويستعرض علاقات تركيا المعاصرة مع الدول الأوروبية وفي مقدمتها العلاقات التركية الألمانية.

ويقول المؤلف: "تتمثل أوجه الصراع في تركيا في مساحة لعب الدين في الدولة العلمانية، وفي علاقة المركز بالإقليم، هذان الجانبان يظهران كما لو أن كل الأمور تسير على ما يرام وبتناغم في الدولة: مما تتكون الأمة التركية؟ ومن صاحب الحق في تعريفها؟ لطالما رغبت النخبة القديمة في خلق الأمة التركية وفقاً لتصوراتها، إلا أنها اصطدمت بمقاومة هؤلاء الذين كانوا يصارعون من أجل الحق في الاختلاف، ولم يرغبوا في أن يحاكموا أحداً، فالأمم لا تهبط من السماء مثل المن والسلوى".

ويذكر المؤلف: "انتهت الحرب العالمية الأولى بالخسارة، وانتهت كذلك الإمبراطورية العثمانية التي كانت تابعة لألمانيا، لتحل الجمهورية التركية محلها، وقد استغرقت حرب التحرير أربع سنوات، وكان على رأسها مصطفى كمال الذي سمي لاحقاً بأتاتورك. وقامت الدولة التركية على سواعد رجال الحسين، حيث أنقذ الجنود المحيطين بأتاتورك، في كفاحهم ضد القوى الأوروبية العظمى.

في البداية كانت الكمالية، أي: مجمل المبادئ التي نادى بها أتاتورك، ولم تحدث في التاريخ حركة تحديث مماثلة، لذا منح مجلس الشعب في 24 نوفمبر من عام 1934 رئيس الدولة مصطفى كمال لقب أتاتورك أي: "أبو الأتراك".

ويقول المؤلف: "في انتخابات البرلمان الأخيرة في 22 يوليو 2007 وقف كل من حزب الشعب الجمهوري، وحزب العدالة والتنمية في مواجهة بعضهما بعضا باعتبارهما أهم خصمين، حزب الشعب الجمهوري بوصفه حزب المركز القديم، والوضع الأهم أمام حزب العدالة والتنمية باعتباره حزب الأقاليم والإصلاحات، فاز حزب العدالة والتنمية في كل محافظات تركيا، ولدى كل الطوائف الوظيفية والعمرية، وكذلك لدى ممثلي كل شرائح الدخل، عدا خُمس السكان من الأثرياء الأتراك.

وتم تمثيل حزب الشعب الجمهوري في شرق أنقرة بصورة جيدة لم يصل إليها من قبل، ووصل الحزب الذي كان ديمقراطياً اجتماعياً في السابق إلى الأغلبية فقط لدى الأتراك الأغنياء، الذين تبلغ نسبتهم 20 بالمئة من السكان، هكذا لم يعتبر خاسراً بالقياس إلى معاييره الخاصة، لأنه لا يمثل مصالح الناخبين، بل مصالح الدولة، وقد صرح رئيسه "دنيز بايقال" عقب الانتخابات بيومين، بأن حزب الشعب الجمهوري، ليس كأي حزب آخر".

ويتناول المؤلف الصراع بين النخبتين القديمة والحديثة، قائلاً: "كان "أردوغان" لا يزال رئيس بلدية إسطنبول، بغض النظر عن دخوله السجن، عندما توجه إلى مؤيديه بخطاب في أكتوبر 1998 قائلاً: "يوجد في هذا البلد فصل بين الأتراك البيض والأتراك السود"، ولم يكن "أردوغان" هو الذي ابتكر هاتين الكلمتين الجذابتين، لكنهما ترجعان إلى عالمة الاجتماع التركية "نيلوفو جوله"، لقد كانت أول عالمة من النخبة القديمة التي تبحث التغيرات في الإسلام السياسي في تركيا وحركة المرأة الإسلامية، وكانت تعتبر من أوائل الناس الذين لم يكن لديهم تخوفات من التعامل مع الإسلاميين".

وينتقل إلى قضية الحجاب، قائلاً: "ليس هناك دولة أوروبية تطبق حظر الحجاب بشكل أكثر صرامة من تركيا، فليس هناك شيء آخر يتوسط ساحة الصراع بشكل أكبر من السؤال حول الأماكن التي يسمح فيها للسيدات بتغطية شعورهن، والتي لا يسمح لهن فيها بذلك.

إن قضية الحجاب تعتبر أكثر من مجرد محل للخلاف في السياسة التركية، منها دائماً ما يشغل المحاكم، في عام 1999 قضت الأرملة "هدى تايا" هي وبناتها عقوبة السجن لمدة سبعة أشهر، وذلك لأنهن اشتركن في مظاهرة ضد حظر الحجاب في الجامعة التركية، وفي عام 2003 طرد رئيس المحكمة الإدارية العليا "داينتشاي" الشاهدة "خديجة خاصدمير شاهين" من قائمة المحكمة، لأنها ترتدي الحجاب.

ويذكر المؤلف: "تعد السلطة الدينية إحدى أكبر السلطات في تركيا، وتحتل المرتبة الرابعة في ميزانية الدولة من حيث النفقات، أطلق حزب العدالة والتنمية مبادرات لفصل السلطة الدينية عن السياسة، وتحويلها إلى مؤسســــة مستقلة.

وتم مناقشة ما إذا كانت الدولة ستتوقف عن تعيين رئيس السلطة الدينية، وأن يحصل عمداء جميع الكليات الدينية على الأقل على حق الاقتراح، ويعمل تسلسل هرمي ثم خلق فرص للترقي الوظيفي بالنسبة إلى الأئمة مما يعد حافزاً لهم، كل هذه المميزات وأدها الرئيس "سيزر" "من عام 2000 حتى عام 2007"".

ويقول المؤلف: "الاغتيالات السياسية ليست بالأمر الجديد في تركيا، حيث نالت في الحادي عشر من يوليو 1978، المتحدث باسم أساتذة الجامعة الأتراك "بدر الدين جوحرت"، ومروراً بمقتل الصحفي الليبرالي "عبدي إبيكتش" في فبراير 1979 بواسطة "محمد علي أغا"، الذي هاجم البابا فيما بعد، ثم قتل "تشتين إميتش" من جريدة "حرية" في السابع من مارس عام 1990، ثم عالِمة الدين السفيرة "باهريا أوتشوك" في السادس من أكتوبر من العام نفسه، وتوالت الهجمات والاغتيالات السياسية في فترة زمنية قصيرة".

ويضيف المؤلف:" ازداد العنف باسم الدولة كما ازداد أيضاً في الأسرة، فعندما تنهار الدولة أو تضعف فإنها تلجأ إلى العنف، الأمر الذي ينطبق على الأسرة، كي يوقف الرجل تضاؤل سلطته وضعفه في العائلة فهو يلجأ إلى استخدام الضرب والعنف، ولا يختلف عنف الدولة عن عنف الرجل في الأسرة بشكل جوهري، وفقاً لما يراه الطبيب النفسي "مراد بكر" الذي يقول: "كما يضرب الرجل زوجته تضرب الدولة مواطنيها"".

12