تركيا بين عهدي أوباما وترامب: ما تواجهه اليوم هو الأسوأ

الخلاف مع ترامب حول طهران يوسع الهوة بين أنقرة وواشنطن، وأنقرة تفتقد امتيازات عهد الرئيس الأميركي السابق.
الجمعة 2018/05/25
ماض في تعنته

في الوقت الذي يُعتقد فيه بأن العلاقات الأميركية- التركية لا يمكن أن تزداد سوءا، فإنها تتراجع إلى أدنى مستوياتها. لقد قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثامن من مايو الجاري الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، والمعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اتصال هاتفي بالرئيس الإيراني حسن روحاني إن الخطوة الأميركية “خاطئة”.

لكن رد أردوغان هذا تم قياسه بالمقارنة بما قاله الزعيم التركي كرد على قتل أكثر من 60 فلسطينيا على أيدي قوات الجيش الإسرائيلي عند الحدود مع غزة في نفس اليوم الذي نقلت فيه الولايات المتحدة سفارتها الجديدة إلى القدس.

وألقى أردوغان، خلال كلمة صرّح بها في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) بالعاصمة البريطانية لندن، باللوم على الولايات المتحدة لأنها أعادت العالم إلى ما أطلق عليه الأيام المظلمة التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي غضون ذلك، قامت تركيا بسحب سفيريها من كل من الولايات المتحدة ومن إسرائيل.

من غير المرجح أن يخفف أردوغان من لهجته الخطابية. فمع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي دعا إليها أردوغان والتي من المزمع إجراؤها في 24 يونيو المقبل، فإن هناك سباقا بالفعل مع المعارضة على من سيكون الأفضل في الاستيلاء على الغضب الشعبي التركي على إسرائيل والولايات المتحدة. فقد طالب حزب المعارضة الرئيسي اليساري، وهو حزب الشعب الجمهوري، بفرض عزلة دولية على إسرائيل “إذا ما واصلت سياسة المذابح التي تنتهجها”. وهذا تذكير مناسب بأن الانقسام بين أردوغان القومي والأتراك العلمانيين المؤيدين للغرب لا يمكن السيطرة عليه حقا.

عقوبات أميركية

وعلى الرغم من ذلك، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا لن تختفي بعد انتخابات يونيو أيضا. ويجب على البيت الأبيض أن يتخذ قرارا في ما يتعلق بشكل العقوبات الثانوية التي سيتم فرضها على إيران. وبعبارة أخرى، ما هي العقوبات التي يجب أن تواجهها الشركات التي تمارس أعمالا تجارية في الجمهورية الإسلامية؟

هناك تنافس بين الرئيس التركي والمعارضة للاستيلاء على الغضب الشعبي التركي الواقع على إسرائيل وواشنطن

وعلى الرغم من أن تركيا لم تحصل على فائدة من رفع العقوبات منذ عام 2015، فإن أوساط الأعمال التجارية على جانبي الحدود توقعت ارتفاع التجارة والاستثمارات ليصل حجمها إلى 30 مليار دولار أميركي متجاوزة ذروتها في عام 2012 عندما وصلت إلى 22 مليار دولار. وقد تردع السياسة الأميركية رجال الأعمال والمستثمرين الأتراك جرّاء تعاونهم مع إيران.

وبالطبع، فإن الكثير يعتمد على كيفية اختيار الولايات المتحدة الطريقة التي تُعامل بها الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران مثل شل، وإيرباص، ومرسيدس، وتوتال (التي أوقفت مشروعا للغاز بقيمة ملياري دولار أميركي بسبب العقوبات الأميركية الجديدة). لكن من المرجح جدا أن تؤدي قضية إيران إلى اتساع الهوة بين أنقرة وواشنطن.

ومن شأن الخلاف في ما يتعلق بإيران أن يؤدي إلى تأجيج النيران بين الولايات المتحدة وتركيا، والتي ارتفعت ألسنتها إلى عنان السماء مؤخرا. فقد يواجه بنك خلق التركي الذي تملكه الدولة غرامة تقدر قيمتها بالمليارات من الدولارات لدوره في غسيل أموال ضمن مخطط النفط مقابل الذهب، وهو مخطط للالتفاف على العقوبات الإيرانية.

وقد أُدين محمد حقان عطا الله نائب المدير العام السابق لبنك خلق بالمساعدة في المخطط خلال مارس الماضي، وأصدرت محكمة بنيويورك حكما في حقه بالسجن لمدة 32 شهرا. ورفضت الحكومة التركية المحاكمة ووصفتها بأنها جزء من مؤامرة ضد تركيا، ورفضت محكمة تركية الأسبوع الماضي طلبا بإطلاق سراح القس الأميركي المعتقل أندرو برونسون رهن المحاكمة على جرائم متعلقة بالإرهاب. وقد دفعت قضية برونسون مجلس الشيوخ الأميركي بمشرعيه من الجانبين إلى محاولة الضغط على أردوغان شخصيا.

وبالتأكيد لا يوجد شعور عام بالتشاؤم بين أنقرة وواشنطن. فعلى سبيل المثال، إن الصراع في شمال سوريا يتراجع. فبعد الاجتماع الذي عُقد بين أكبر الدبلوماسيين في البلدين ببروكسل في نهاية شهر أبريل الماضي، حولت تركيا اهتمامها بعيدا عن مدينة منبج السورية، حيث تقوم القوات الأميركية بتدريب قوات كردية سورية باتجاه محافظة إدلب.

وشنت القوات الأميركية وحلفاؤها غارة جديدة على جيوب تنظيم الدولة الإسلامية في شرق نهر الفرات وعلى حدود العراق. والولايات المتحدة وتركيا ليستا على شفا نشوب مواجهة عسكرية في سوريا (إن كان هذا قد حدث في أي وقت مضى). ويجب ألا ننسى أن الغارات الغربية على أهداف الحكومة السورية لاقت ترحيبا من القيادة التركية (كما هو الحال، على الأرجح، مع الغارات الإسرائيلية على أصول إيرانية في سوريا). لكن هذا لا يرقى إلى إستراتيجية متسقة لاحتواء إيران.

العلاقات الأميركية التركية تراجعت منذ محاولة انقلاب يوليو الفاشل في تركيا صيف 2016. حيث أثارت ردود الفعل الغربية استياء أردوغان

ومن وجهة نظر تركيا، فإن إحدى المشكلات العديدة المتعلقة بالتراجع عن خطة العمل الشاملة المشتركة هي أنها لن تؤدي إلى دفعة جادة ضد طهران وحلفائها في الشرق الأوسط.

عهد أوباما

عندما فاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة في شهر نوفمبر من عام 2016، ابتهج العديد من مؤيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على وسائل التواصل الاجتماعي وطالبوا بعهد جديد في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.

والآن، ربما كانوا يتمنون أن يظل باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة وألا يتغير. ومع ذلك، فإن الإدارة الأميركية السابقة هي التي توصلت إلى الاتفاق النووي الإيراني وعملت بدأب على رأب الصدع بين تركيا وإسرائيل. ونتيجة لذلك، حصلت أنقرة على بعض الامتيازات الحقيقية.

ففي عام 2013، وتحت ضغط أميركي، اعتذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأردوغان عن حادث أسطول الحرية الذي كان متوجها إلى غزة في شهر مايو من عام 2010. ودفعت إسرائيل تعويضات قُدرت قيمتها بعشرين مليون دولار أميركي للضحايا الأتراك الذين قتلوا على متن السفينة مافي مرمرة. وكان أوباما قد قطع على نفسه عهدا بنقل السفارة الأميركية إلى القدس خلال حملته الانتخابية لكنه فشل في تحقيق وعده هذا عندما أصبح رئيسا.

وما تواجهه تركيا الآن هو الأسوأ من كل من الإدارتين. فإدارة أميركية تتمسك بسياسات من عهد أوباما لا تحبها تركيا، مثل التحالف مع الأكراد السوريين، في حين تُخرب سياسات أخرى تفضلها تركيا مثل خطة العمل الشاملة المشتركة. وتقريبا كل الذي تلقاه أردوغان من ترامب هو اتصال هاتفي بعد فوز الرئيس التركي في الاستفتاء الدستوري الذي أُجري في شهر أبريل من العام الماضي. ويمكن للأمور أن تزداد سوءا أكثر مما يتوقع المرء.

6