تركيا تبحث عن نموذج اقتصادي جديد بعد خراب الاقتصاد

الأسواق تتجاهل تأكيد البيرق على استقلالية البنك المركزي، والليرة في سقوط حر بعد تصعيد أردوغان لخطاب الصراع.
السبت 2018/08/11
ينبغي إعادة الحسابات في كل لحظة

أسطنبول – أثار انحدار الليرة السريع أمس حالة من الذعر في الأوساط السياسية والاقتصادية التركية، حين تكبدت خسارة يومية هائلة بلغت نحو 19 بالمئة لتتسع خسائرها خلال يومين إلى أكثر من 30 بالمئة.

وأظهرت تعاملات الأسواق الفورية سقطة حادة في سعر العملة التركية لتصل إلى 6.87 ليرة للدولار بعد خطاب متشنج للرئيس رجب طيب أردوغان، جاء مليئا بعبارات الصراع والمواجهة ورد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمضاعفة الرسوم على واردات الحديد والألمنيوم من تركيا.

وجاء بعد ذلك الموعد الذي روجت له أنقرة من أيام لإعلان وزير الخزانة والمالية التركي براءة البيرق عن نموذج اقتصادي جديد يعتمد نهجا استراتيجيا جديدا في إدارة الاقتصاد في عهد السلطات المطلقة للرئيس أردوغان بعد انتقال البلاد إلى النظام الرئاسي.

ورغم أن البيرق جدد الحديث خلال الإعلان عن النموذج الجديد  عن نظام يتسم بالاستدامة ويقوم على “عقلية استراتيجية”، إلا أنه لم يكشف عن أي تفاصيل سوى تصريحات سابقة لا تصدقها الأسواق عن استقلالية البنك المركزي.

19 بالمئة خسائر الليرة التركية في يوم واحد أمس حين انحدرت إلى نحو 6.83 ليرة للدولار

وقال زوج ابنة الرئيس أردوغان، بتصريحاته خلال عرض توضيحي مبتسر لإعلان سياسته الاقتصادية، إن تركيا يجب أن تتغير كي ترتقي وتنضم إلى اقتصادات الدخل المرتفع. ورغم أن المحللين لم يكونوا يتوقعون تحولات كبيرة في السياسات المالية والاقتصادية من البيرق، إلا أنهم رجحوا أن يكون انحدار الليرة والتصعيد الأميركي قد أربك طريقة الإعلان عن النموذج الاقتصادي الجديد.

وكان ترامب قد كتب في موقع تويتر بعد تصريحات أردوغان وتحدياته التصعيدية أنه أمر بمضاعفة تعريفات واردات الصلب والألمنيوم من تركيا ين، الأمر الذي زاد الضغوط على الاقتصاد التركي المضطرب في ظل الخلاف الدبلوماسي مع واشنطن.

وقال ترامب “لقد سمحت للتو بمضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم من تركيا في وقت تنزلق فيه عملتهم. الليرة التركية متراجعة بسرعة مقابل دولارنا القوي جدا”.

وأضاف أن “رسوم الألمنيوم سوف تصبح 20 بالمئة ورسوم الصلب 50 بالمئة. علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت”.

وكان أردوغان قد دعا الأتـراك قبـل ذلك بوقت قصير إلى عدم الشعور بالقلق بعـد انخفاض الليرة. وقال “إذا كانت لديكم دولارات أو يورو أو ذهبا تحت وسائدكم، عليكم التوجه إلى البنوك وتغييرها. هذه معركة وطنية بالنسبة لنا. إذا لم تفعلوا ذلك اليوم، فمتى؟”.

وأكد مراقبون أن تصرفات الأتراك كانت على العكس، حيث احتشدت أعداد كبيرة منهم أمام مكاتب الصرافة لبيع الليرة والحصول على عملات أجنبية في محاولة للحفاظ على مدخراتهم.

وقال أردوغان متحديا الحقائق الاقتصادية القاتمة مثلما فعل طوال سنوات “لن نخسر الحرب الاقتصادية”، وأكد أن تركيا ستكون قادرة على التغلب على الوضع تماما مثلما تغلبت على الفيضانات التي حدثت هذا الأسبوع في إقليم أوردو على البحر الأسود.

50 بالمئة رسوم الرئيس الأميركي الجديدة على الصلب التركي و20 بالمئة على الألمنيوم

وفي مؤشر على عمق الهاوية التي ينحدر إليها الاقتصاد التركي، امتدت التداعيات إلى أوروبا حيث عبر البنك المركزي الأوروبي عن قلقه من انكشاف البنوك على الانحدار الحاد في الليرة التركية.

وقد أدت تصريحات البنك المركزي الأوروبي إلى تراجع سعر صرف اليورو أمس إلى أدنى مستوياته مقابل الدولار منذ أكثر من عام.

وأثار النزاع المتفاقم بين واشنطن وأنقرة ومخاوف إزاء الاقتصاد التركي، موجات من الصدمة بشتى الأسواق. وتدافع المستثمرون القلقون على الملاذات الآمنة مثل الدولار والين والفرنك السويسري وتخلصوا من العملات ذات المخاطر مثل عملات الأسواق الناشئة.

وتلقى اليورو ضربات عنيفة بعد أن قالت صحيفة فايننشال تايمز أمس نقلا عن مصدرين، إن لدى البنك المركزي الأوروبي بواعث قلق حيال بنوك في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وانكشافها على متاعب تركيا.

وقال كيت جوكيس المحلل لدى سوسيتيه جنرال إن “الأسواق تنتظر ردا حازما من تركيا على أزمة سوق الصرف الأجنبي، وتأمل في المزيد من السياسة النقدية الموثوقة فضلا عن المبادرات الدبلوماسية”.

وأضاف “كلما طال انتظار السوق، زادت إمكانية اتسـاع نطـاق الأزمـة، ليـس إلى أصـول الأسواق الناشئة فحسب بل إلى الأسواق المتقدمة أيضا. الفرنك السويسري والين والدولار هي العملات الآمنة الوحيدة في المدى القصير جدا”. ويقـول محللون إن الاقتصاد التركي سقط في كماشة محكمة حيث سيفاقم انحدار الليرة من غليان التضخم، الذي بلغ 16 بالمئة الشهر الماضي ومن المتوقع أن يصل إلى أكثـر من عشـرين بالمئـة في الشهر الحالي.

وإذا استمعت أنقرة لصوت العقل فعليها أن ترفع أسعار الفائدة إلى 20 بالمئة على الأقل. ورغم أن ذلك يمكن أن يخفف انحدار الليرة إلا أنه سيرفع تكلفة الاقتراض ويزيد أعباء الشركات والمصارف والأفراد ويسقط البلاد لا محالة في حفرة ركود تضخمي.

10