تركيا تتجه مرة أخرى نحو الانهيار الاقتصادي

من المستحيل التنبّؤ بتأثير تراكم المشكلات على الاقتصاد التركي، لكنك لست بحاجة إلى أن تكون عرافا لرؤية الأيام الصعبة التي تنتظرنا.
الثلاثاء 2020/02/25
الاقتصاد التركي تحت المجهر

كان متوقعا إعلان البنك المركزي التركي عن خفض جديد لسعر الفائدة، بعد التخفيضات المتتالية منذ إقالة محافظه السابق بسبب مقاومته لإصرار الرئيس رجب طيب أردوغان على خفض أسعار الفائدة.

وجاء الخفض مطابقا لاستطلاعات الرأي الاقتصادية، ليصبح معدل الفائدة 10.75 في المئة بعد أن كان عند 24 في المئة قبل أقل من 8 أشهر.

قبل اتخاذ القرار، أعلن أردوغان أن سعر الفائدة يجب أن ينخفض إلى خانة الآحاد هذا العام. ودعا الشركات لتحمل مسؤولية الانتعاش الاقتصادي، بعد أن فعلت الحكومة ما بوسعها لخفض معدلات الإقراض.

بطبيعة الحال، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 15 في المئة، من الضروري أن تعود تركيا إلى مسار نموّ إيجابي. لكن استدامة هذا النموّ يجب أن تكون أولوية أيضا.

وفي وقت يواصل البنك المركزي خفض أسعار الفائدة، فإن علامات الانتعاش الاقتصادي في تركيا واضحة من معظم المؤشرات الاقتصادية الرئيسة.

فقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة سنوية بلغت 8.6 في المئة في ديسمبر، ويُعزى ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع في إنتاج السلع الرأسمالية، بعد أن أدى الانكماش الاقتصادي خلال معظم عام 2019 إلى فائض في الحساب الجاري.

وتجاوز مؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع، عتبة 50 نقطة لأول مرة منذ 22 شهرا، ما يعني أنه عاد إلى النمو. لكن التضخم السنوي ارتفع إلى 12.2 في المئة، ما يعكس زيادة في الأسعار في جميع فئات الاستهلاك تقريبا وأن الضغوط التضخمية ستشكل تحديا أمام المضي قدما.

وتكشف بيانات الميزانية لشهر يناير عن التكاليف الحقيقية للنمو الاقتصادي وأن الانتعاش الاقتصادي جاء نتيجة لزيادة الإنفاق العام، وليس زيادة الإنتاجية، أو التحول إلى الإنتاج الصناعي أو الخدمات من قطاع البناء أو حدوث قفزة في الصادرات.

ويبدو فائض الميزانية، في يناير، عند استثناء مدفوعات الفائدة على الديون، أنه نتاج تدخل تجميلي، فالميزانية في حالة عجز عند حساب البيانات باستخدام طرق صندوق النقد الدولي.

فقد ارتفع العجز في الميزانية من 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، الذي يعادل ضعف متوسط السنوات الخمس الماضية، إلى 4 في المئة في يناير 2020، وذلك وفقا لمقياس صندوق النقد.

وبناء على أوامر الحكومة، قام البنك المركزي بتحويل احتياطياته الاحترازية إلى الميزانية في يناير. وعند طرح تلك الإيرادات يصبح فائض الميزانية البالغ 21 مليار ليرة (3.4 مليار دولار) عجزا بقيمة 15 مليار ليرة. وبلغ العجز الأولي المتراكم المحسوب وفقا لتعريفات صندوق النقد، والذي نما بشكل مطرد منذ عام 2015، مستوى مخيفا عند 128 مليار ليرة.

ورغم أن السوق تتوقع نموا اقتصاديا بنسبة 3.5 في المئة هذا العام، إلا أن وزير الخزانة والمالية براءت البيرق أكد مجددا أن هدف النمو الحكومي البالغ 5 في المئة سوف يتحقق.

وهذا يعني أن السلطات ستحتاج إلى استخدام الإنفاق العام التوسعي والقروض الرخيصة التي تقدمها البنوك الحكومية لتحقيق هدفها. وعلى افتراض أن الحكومة تبقي الثقة الاقتصادية سليمة، فإنها ستدعو بعد ذلك إلى زيادة الاستثمارات لرؤية انخفاض معدل البطالة.

وفي الوقت الراهن، سيواصل المستثمرون الأجانب مغادرة السوق التركية بأعداد كبيرة. وسيؤدي ذلك إلى استمرار العجز في الحساب الجاري في الاتساع بسبب الموارد المحلية الشحيحة.

ومن المحتمل أن يصل العجز إلى 2.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام. وسوف يصبح من الواضح بعد ذلك أن خطط الحكومة لتحقيق أهداف النمو الاقتصادي دون زيادة العجز في الحساب الجاري ليست سوى حلم بعيد المنال.

وفي وقت يبتعد فيه المستثمرون الأجانب عن السوق التركية ويظل التضخم في خانة العشرات بين 12 إلى 13 في المئة، يواصل البنك المركزي خفض سعر الفائدة إلى خانة الآحاد، وذلك تمشيا مع متطلبات أردوغان. أسعار الفائدة الحقيقية السلبية في تركيا ستجفف موارد العملة.

بالطبع، سوف يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تفهم الإدارة الاقتصادية لماذا لا تؤدي أسعار الفائدة الحقيقية السلبية إلى زيادة الاستثمارات. كما ستتكثف سياسة تحويل موارد البنك المركزي إلى الخزانة. سيحاول البنك المركزي خفض أسعار الفائدة عن طريق شراء السندات الحكومية بأسعار فائدة متزايدة، في حين ستسعى البنوك الحكومية إلى تعزيز الليرة من خلال زيادة مبيعاتها من العملات الأجنبية بما يتجاوز المستوى الحالي البالغ 17 مليار دولار.

10