تركيا تتحدى الخطوط الحمر الروسية في ليبيا

فتحي باشاغا يتذرع بالوجود الروسي لإقناع واشنطن برفض وقف القتال.
الاثنين 2020/06/08
عناصر الميليشيات فوق القانون

طرابلس -  يعكس رفض وزير الداخلية في ما يسمى بـ”حكومة الوفاق” المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين فتحي باشاغا للدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار، أن تركيا لم تستوعب بعد الرسالة الروسية من إحباط الجيش الليبي لهجوم الميليشيات على سرت وتكبيدها خسائر فادحة في المعدات والأرواح، وأن خطا أحمر رسم على الأرض يمنع دخول قوات الوفاق إلى سرت.

وأكد باشاغا الذي ينحدر من مدينة مصراتة التي تقود ميليشياتها محاولات السيطرة على سرت (270 كم إلى الشرق من مصراتة)، أنهم لن يدخلوا في محادثات سياسية مع الجيش الليبي إلا بعد استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة، في تحدٍ لمبادرة القاهرة التي لقيت ترحيبا من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

ولجأ باشاغا، الذي يتهم من قبل الليبيين بقيادة انقلاب ميليشيات “فجر ليبيا” على نتائج الانتخابات التشريعية في 2014، إلى استخدام فزاعة “الوجود الروسي” لإقناع واشنطن التي تقود جهود التسوية متعمدا التصريح لوسيلة إعلام أميركية (وكالة بلومبيرغ).

ويراهن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، على التسوية السياسية لسحب الملف الليبي من سيطرة روسيا وتركيا، لكن إصرار باشاغا الذي يمكن تصنيفه كواحد من أهم أذرع أنقرة في ليبيا، على القتال صار يهدد بانهيار جهود التسوية مما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام تدخل روسي مباشر.

وأكد باشاغا أن العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات حكومة الوفاق، ومقرها طرابلس، ستستمر حتى استعادة سرت والجفرة، و”منع روسيا من إقامة قاعدة في البلاد”.

وحاول باشاغا إرسال رسائل إلى الرأي العام الأميركي مفادها أن مدينة سرت تحظى باهتمام أميركي قائلا “سرت لها قيمة رمزية لدى حكومة الوفاق لأن تحالفا بقيادة الولايات المتحدة ساهم في هزيمة تنظيم داعش هناك عام 2016”.

وأوضح “ستكون هناك مفاوضات سياسية مع الشرق، لكن تتعين استعادة سرت والجفرة… إننا بحاجة إلى منع روسيا من إقامة قواعد في سرت والجفرة”.

والجفرة هي القاعدة التي قدمت عنها الولايات المتحدة صورا من الأقمار الصناعية تشير إلى هبوط طائرات مقاتلة من طراز ميغ 29 وقاذفات من طراز أس يو 34، تقول واشنطن إنها روسية تم طلاؤها بألوان القوات الجوية الليبية.

ويحاول باشاغا من خلال تضخيم الخطر الروسي اقناع دوائر صنع القرار في واشنطن باستمرار القتال، وذلك لتجنب أي غضب أميركي محتمل على إحباط الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة للعودة إلى المسار السياسي.

 

مرتزقة سوريون يحاربون في ليبيا تحت إشراف تركي
مرتزقة سوريون يحاربون في ليبيا تحت إشراف تركي

ويمكن تفسير جرأة باشاغا وتحديه للمجتمع الدولي بعلاقته الجيدة مع دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة خاصة داخل وزارة الخارجية التي تتغاضى عن انتهاك تركيا للقرارات الدولية بشأن حظر توريد السلاح إلى ليبيا، وإرسالها مرتزقة سوريين من بينهم متطرفون، مقابل تضخيمها للدور الروسي.

ويتهم دبلوماسيون أميركيون، كلفوا بمهمات في ليبيا منذ 2014 وحتى الآن، بالانحياز إلى الإسلاميين، وهو ما يطرح تساؤلات عما إذا كانت الخارجية الأميركية ستجازف بمواصلة دعم تركيا والإسلاميين لمنع طموحات روسية بالتمدد في ليبيا، نظرا إلى ما في الخطوة من خطورة على فشل تلك المحاولات ما سيؤدي إلى انهيار تام للمسار السياسي.

وكانت السفارة الأميركية في طرابلس أول المرحبين بمبادرة القاهرة التي وافق عليها الجيش الليبي والبرلمان، ما يرجح أن يكون صمتها على التدخل التركي يهدف فقط إلى موازنة القوة على الأرض لإجبار قائد الجيش المشير خليفة حفتر على التفاوض.

وانطلقت منذ أسابيع حملة إعلامية غربية زادت وتيرتها مؤخرا تشير إلى تجنيد روسيا مرتزقةً سوريين للحرب في ليبيا من أجل التغطية على حقيقة أن الوضع العسكري في البلاد، تحول بشكل جذري بعد زج الأتراك بالمرتزقة السوريين والطائرات المسيرة التركية وحشد عدد كبير من القوات الخاصة التركية والخبراء لإدارة عمليات التشويش وتحييد سلاح الجو المسير للجيش.

واستأنف الطيران التركي المسير الأحد، استهداف مدينة سرت بعد أقل من 24 ساعة من تكبد ميليشيات مصراتة خسائر فادحة أجبرتها على الانسحاب من المعركة والعودة إلى منطقة أبوقرين التي تبعد نحو 138 كلم غرب سرت.

ويؤكد تصدي الجيش الليبي للهجوم الذي شنته ميليشيات مصراتة على مدينة سرت بدعم من المرتزقة السوريين وإشراف عسكري تركي، أن انسحابه من مواقع غرب ليبيا جاء استجابة لضغوط الدول الحليفة له للبدء في محادثات 5+5 التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا، وينفي ما تواتر من أنباء بشأن تخلي حلفائه عنه وفي مقدمتهم روسيا.

حكومة خاضعة لإملاءات أردوغان
حكومة خاضعة لإملاءات أردوغان

ورسمت الغارات التي شنتها طائرات مقاتلة تابعة للجيش الليبي، على مواقع للميليشيات كانت تحاول السيطرة على سرت السبت، خطوطا حمرا لتمدد تركيا ومن خلفها ما يسمى بـ”حكومة الوفاق” الواجهة السياسية للإسلاميين. ومن المرجح أن تكون تلك المقاتلات هي تلك التي اتهمت واشنطن موسكو بإرسالها لدعم الجيش.

وما زال الجيش الليبي ينتظر الخطة المصرية البديلة في حال لم تتم الاستجابة التركية لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات بين الأطراف المتحاربة. وتنتهي المهلة التي قدمها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الإثنين على الساعة السادسة مساء.

ويدرك نائب رئيس المجلس الرئاسي عن مدينة مصراتة أحمد معيتيق، الذي زار موسكو مؤخرا لكن تربطه علاقات جيدة بواشنطن، خطورة المجازفة بالاستمرار في مهاجمة سرت وهو ما دفعه إلى إصدار أوامر تحث ميليشيات مصراتة على عدم مهاجمة سرت.

ونقلت وسائل إعلام محلية الأحد عن المتحدث الرسمي باسم مكتب الإعلام الحربي لما يسمى بـ”عملية بركان الغضب” عبدالمالك المدني، وجود ضغوط على قواتهم لمنع اقتحام مدينة سرت.

وقال المدني “إن معيتيق، اتصل بآمر غرفة عمليات تحرير سرت والجفرة العميد إبراهيم بيت المال السبت وأبلغه برسالة من الروس مفادها ‘أن سرت خط أحمر’ وعليكم بالانسحاب إلى قرية بويرات الحسون”.

وكان معيتيق زار موسكو مطلع الأسبوع الماضي وتحدثت وسائل إعلام عن تقديمه عروضا مغرية للروس في خطوة تعكس محاولة لإقناع روسيا بعدم أهمية التواجد العسكري ما دامت ستضمن مصالحها في ليبيا، لكن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال إن استمرار احتجاز مواطنين روس يعرقل أي تعاون بين الجانبين.

1