تركيا تتخبط في سوريا وتراهن على الناتو لتقويم سلوك روسيا

مبالغة تركية في الاحتفاء بحلف شمال الأطلسي بما يتماشى مع أجندة أردوغان الخارجية.
الخميس 2020/02/27
استعراض عضلات

أنقرة - نقلت تقارير عن مصادر دبلوماسية غربية في أنقرة أن تركيا تغيّرت في عهد حزب العدالة والتنمية وتم إحداث انقلاب في عقائدها السياسية على النحو الذي يتوافق مع أجندة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتقول المصادر إن هوية تركيا السياسية داخل المشهد الدولي باتت مشوشة، حيث تفقد تركيا ثقة الأوروبيين وبقية الدول الغربية، في وقت لا يبدو فيه أن نظام أردوغان أقنع دولا مثل روسيا والصين بتخلي تركيا عن تاريخها الأطلسي.

وتلفت المصادر إلى أن تركيا باتت تتعامل مع الحلف الأطلسي تعاملا انتهازيا بعيدا عن روحية الانتماء عقائديا إلى المنظومة الغربية العسكرية، وأن علاقات أنقرة مع الحلف باتت رهن ما تعوزه من أوراق قوة لتحسين شروط شراكتها مع دول أخرى، لاسيما روسيا.

وتشير ذات المصادر إلى أنه شتان بين لجوء حكومة أردوغان إلى تغييب الذكرى الـ67 لقيام الحلف الأطلسي العام الماضي ومبالغتها هذا العام بالاحتفال بالذكرى الـ68.

وتوضح المصادر أن تهميش المناسبة العام الماضي يعود إلى تصاعد التوتر بين تركيا وحلف الناتو، فيما إعادة تذكر المناسبة هذا العام تعود إلى حاجة تركيا إلى تعظيم انتمائها الأطلسي، من ضمن مناورة تدرج الأمر داخل حلقات التوتر في علاقة أنقرة وموسكو بشأن الموقف في سوريا.

سعى أردوغان إلى الابتزاز برفضه دعم خطة الناتو الدفاعية في دول البلطيق آملا بأن يدفع الحلف إلى دعم عملياته في سوريا

ويتحدث مراقبون لشؤون الحلف الأطلسي في بروكسل عن لائحة طويلة من النقاط الخلافية التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية وأظهرت عن تعمق الهوة بين الطرفين.

فقد تحفظ الحلف الأطلسي على عملية نبع السلام التركية التي خاضتها أنقرة ضد قوات حماية الشعب الكردية والمنضوية داخل قوات سوريا الديمقراطية. ففيما يعتبر الناتو أن أكراد سوريا شركاء التحالف الدولي لمكافحة داعش، فإن تركيا تعتبرهم امتدادا لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا على اللوائح الدولية.

بالمقابل سعى أردوغان إلى ابتزاز الحلف من خلال رفض أنقرة دعم خطة الناتو الدفاعية المتعلقة بدول البلطيق وبولندا آملا أن يدفع الأمر بالحلف لدعم عملياته في سوريا.

غير أن مسار التوتر بقي متصاعدا بين تركا والحلف على خلفية الموقف من مسألة التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط. وكان الخلاف واضحا في هذا الإطار من خلال رفض المنظومة الغربية لسياسة الأمر الواقع التي تسعى أنقرة لفرضها على قبرص واليونان ودول أخرى في المنطقة. وقد تصاعد هذا الخلاف بعد توقيع أنقرة وحكومة الوفاق في ليبيا على اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين، ما أثار انتقادات غربية حادة.

ووصل التوتر إلى أحد نقاطه الاستراتيجية الهامة بعد استحواذ أنقرة على أنظمة الدفاع الجوي الروسية أس – 400. وفيما بررت أنقرة الأمر بحاجتها إلى منظومة دفاع جوي بعد رفض الولايات المتحدة بيعها منظومة باتريوت الأميركية، انتقد حلف الأطلسي هذا الخيار واعتبره خطرا على الأمن الاستراتيجي للمنظومة العسكرية الأمنية، رافضا تعايش منظومات روسيا العسكرية مع المنظومات الغربية، مستهجنا استخدام دولة عضو في حلف الناتو منظومة صواريخ مصممة أصلا لمواجهة الأسلحة الجوية الغربية.

مقابل ذلك ردت أنقرة بالتهديد بمراجعة وضع بعثة الناتو في المنشآت العسكرية الرئيسية في تركيا مثل قاعدة أنجرليك الجوية ومحطة رادار كوريسيك. كما اتهمت تركيا الحلف بأنه قام بحماية الضباط الأتراك الذين لهم صلات مزعومة بجماعة فتح الله غولن التي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب صيف العام 2016، وأن الضباط الأتراك الهاربين مُنحوا اللجوء السياسي في بعض الدول الأعضاء في الناتو.

في ضوء كل هذه التوترات، راحت وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة تعمل على شيطنة الناتو وتعتبر أنه بات يمثل تهديدا للأمن التركي. ومع ذلك، فإن توتر العلاقة التركية الروسية على خلفية الهجمات التي بدأتها القوات التابعة للنظام السوري والمدعومة من موسكو على محافظة إدلب، وعلى خلفية تناقض مصالح روسيا في ليبيا مع مصالح تركيا هناك، قد بدّل من شكل مقاربة أنقرة للحلف الأطلسي.

Thumbnail

ويسخر معلقون من الأمر ويشيرون إلى أن أنقرة ووسائل الإعلام الموالية للحكومة قد أعادت اكتشاف حلف الناتو. فقد تم الاحتفال بالذكرى السنوية من خلال التجمعات والمؤتمرات وحملة وسائل الإعلام الاجتماعية المدعومة من الحكومة تحت شعار “تركيا هي الناتو، نحن حلف شمال الأطلسي”.

ويرى مراقبون أن تركيا انقلبت على نفسها وأعادت صياغة خطاب شامل يعيد تمجيد الحلف الأطلسي وانتمائها له، وأن الأمر لم يكن له علاقة بأيّ سياسات جديدة لحلف الناتو تختلف عن سياساته السابقة حيال الشؤون المتعلقة بتركيا.

ويضيف المراقبون أن انتقال أنقرة نحو تمجيد الكتلة الغربية داخل وسائل الإعلام القريبة من الحكومة ليس وليد تطور ما في عقيدة أردوغان وحزب العدالة والتنمية أو نتاج مراجعة للخيارات الاستراتيجية لتركيا، بل هو لا يعدو كونه عرضيا مرتبطا بمأزق تركيا في إدلب وحاجتها إلى إعادة توازن ما في علاقتها مع روسيا.

ويتساءل المراقبون عما إذا كان أردوغان يعوّل فعلا على تدخل عسكري لحلف الناتو في سوريا، فيما لم يتدخل الحلف سابقا في نزاع أوكرانيا وروسيا.

وترى مصادر تركية مراقبة أن الرأي العام التركي غير مؤمن بالانقلاب الذي يسعى إعلام نظام أردوغان إلى تسويقه حول انتماء البلد إلى الكتلة الأمنية الغربية، وأن الحلف نفسه غير مؤمن بتبدل خيارات تركيا التي ذهبت بعيدا في علاقاتها مع روسيا.

وتخلص المصادر إلى أن أردوغان يسعى لاستغلال تصاعد القلق في واشنطن وبروكسل من “التهديد الروسي” ويمنّي النفس بهذه المناسبة باستدراج الغرب للوقوف إلى جانب تركيا، ولو بإشارات دبلوماسية، من أجل تحصين موقفه سوريّا، وبالتالي تحسين شروط تركيا داخل اتفاق جديد قد يحل مكان اتفاق سوتشي وخرائطه.

وتضيف المصادر أن أنقرة تشعر أن موسكو غير مرتاحة لتبدل الموقف الغربي الذي تقوده واشنطن لنصرة تركيا في سوريا، وبالتالي فإن أردوغان يعوّل على أن تهرع روسيا لعقد اتفاق جديد مع تركيا يبعد تدخل الغرب من جديد داخل الشأن السوري ما قد ينافس احتكار روسيا لشؤون هذا البلد ومستقبله.

7