تركيا "تتقرب" من السعودية بملف خاشقجي

وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو: نضع حادثة مقتل خاشقجي بمعزل عن علاقاتنا الثنائية مع السعودية.
السبت 2019/06/15
في وضع حرج

أنقرة – سعى وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، الجمعة، لكسب ود السعودية والتقرب إليها بالقفز على حادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وهي القضية التي اشتغلت عليها تركيا طويلا لابتزاز الرياض والإساءة إليها.

يأتي هذا فيما تعيش تركيا وضعا اقتصاديا وعسكريا صعبا بسبب مخلفات تدخلها في سوريا، والتوتر العالي بينها وبين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والبرود في العلاقة مع روسيا.

وفيما قال تشاووش أوغلو إن بلاده تريد أن تفصل حادثة مقتل خاشقجي عن علاقاتها الثنائية مع الرياض، فإنه اعترف بأن المملكة لا تريد أن تنسى حيثيات الاشتغال التركي على قضية خاشقجي لضرب صورة السعودية.

وقال الوزير التركي “نضع حادثة مقتل خاشقجي بمعزل عن علاقاتنا الثنائية مع السعودية إلا أنهم (السعوديون) لا يفعلون ذلك بالقدر ذاته”.

ومن الواضح أن أنقرة وقفت على حقيقة أن ملف خاشقجي قد استنزف إعلاميا وسياسيا ولم يعد في الوارد استثماره في ابتزاز جديد للسعودية، ولذلك تسعى للقفز عليه والإيهام بأنها تسعى لفصل خلافها مع الرياض بسبب قضية خاشقجي عن العلاقات الثنائية.

وتكشف تصريحات رئيس الدبلوماسية التركية أن أنقرة تعمل بما في وسعها لإذابة الجليد مع الرياض ومن ورائها بقية العواصم الخليجية، لأهداف بينها تحريك العلاقات الاقتصادية المتوقفة بشكل شبه كامل بين الجانبين، وهو ما أفقد تركيا حلولا فعلية لأزمتها الاقتصادية.

ويقول محللون أتراك إن تصريحات تشاووش أوغلو، ومن قبلها اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لتهنئته بالعيد، تثبت أن أنقرة التي تعيش أوضاعا صعبة تحاول مغازلة السعوديين وتهدئة الخواطر بتصريحات بروتوكولية مخادعة لإعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية وعودة السياح الخليجيين الذين أثر غيابهم بشكل جلي على السياحة التركية.

وبدا بشكل واضح أن أنقرة منزعجة من الحملات الإعلامية، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحث على التوقف عن زيارة تركيا للسياحة أو الاستثمار بسبب المواقف العدائية لقيادتها السياسية وإعلامها ضد السعودية ودول خليجية وعربية أخرى، ولذلك يعمل المسؤولون الأتراك وعلى مستوى عال لتبريد الخلاف وامتصاص موجة الغضب العارم في الخليج ضدهم.

ويأتي التقرب التركي من السعوديين في وقت تسوء فيه العلاقة بين أنقرة وواشنطن وبينها وبين موسكو بسبب رهانات خاطئة للرئيس أردوغان قادت إلى وضع تركيا في مواجهة مع محيطها الإقليمي ومع حلفائها الاستراتيجيين في الناتو.

وسعى وزير الخارجية التركي إلى اللعب على البعد الشخصي وإظهار الامتنان للعاهل السعودي حين قال إن “العلاقات بين أنقرة والرياض بلغت نقطة أفضل بكثير، بعد تولي الملك سلمان منصبه”.

لكن أنقرة تعرف جيدا أن السعودية الجديدة ترسم سياستها الخارجية وفق مقاربة واضحة أسس لها الملك سلمان نفسه، وهي مواجهة الإسلام السياسي بتنظيماته المختلفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك الدول التي ترعاه وتستثمره لتحقيق مكاسب على حساب الأمن القومي العربي مثل تركيا وقطر.

واعتبر مراقبون أن الوزير التركي يحاول اختراق الحزم السعودي على هذا المستوى بالإشادة بالعاهل السعودي، ويضمر عداء لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو التقسيم الذي تسوق له جماعات الإسلام السياسي وأثبتت السعودية في مقاطعة قطر وفي ملفات أخرى أنه تقسيم موهوم.

ويشير هؤلاء إلى أن تركيا لم تغادر بعد مربع المؤامرة في العلاقة مع دول المنطقة، وأنها لا تستطيع أن تحدث مراجعة حقيقية تعيد الدفء إلى علاقاتها مع دول المنطقة وإلى عمقها الإسلامي بسبب إدارة تركية تحركها نظرية المؤامرة ومحاولة الإيقاع بين الحلفاء مثل اتهام مصر بالوقوف وراء توتير العلاقة مع السعودية.

ولفت تشاووش أوغلو في تصريحاته الجمعة إلى عدم وجود مشاكل ثنائية بين أنقرة والرياض، وأنه “كانت هناك مشاكل قليلة في الماضي بسبب مصر”، مثلما نقلت عنه وكالة الأناضول.

ومن الواضح أن تركيا تريد استعادة العلاقة مع السعودية خاصة بعد نجاح قمم مكة المكرمة في تقديم المملكة كقائد وحيد لدول العالم الإسلامي، وهو أمر لم يكن أردوغان ليرضاه، وقد سعى في قمم إسلامية سابقة لمنافسة الرياض على هذا الموقع، بل والتقرب منها من بوابة التحالف السني لإظهار نفسه في الواجهة.

تركيا تريد استعادة العلاقة مع السعودية
تركيا تريد استعادة العلاقة مع السعودية

ورغم أن تشاووش أوغلو حضر إلى القمة الإسلامية، إلا أن الوجود التركي لم يكن ظاهرا خاصة بعد صدور موقف جماعي حاسم بوجه إيران وأنشطتها التخريبية في المنطقة. ولأجل هذا بدت أنقرة حريصة على إظهار أنها مع السعودية في قيادة العالم الإسلامي، وأنها تقف إلى جانبها ضد الهجمات الحوثية.

وعن تولي السعودية رئاسة منظمة التعاون الإسلامي مؤخرا، قال وزير الخارجية التر كي “سنكون معها في جميع جهودها التي ستبذلها من أجل الأمة، وفلسطين، والعالم الإسلامي”. وأكد أن تركيا أدانت الهجمات الصاروخية الأخيرة التي استهدفت الأراضي السعودية.

ويشعر الأتراك أن نفوذ السعوديين بات أوسع في ملفات كثيرة، وأن بلادهم تتراجع، ولذلك تأتي مكالمة أردوغان بمناسبة العيد وتصريحات وزير خارجيته لمغازلة الرياض وكسب ودها، وهي رسائل تحمل اعترافا بالعجز عن منافسة الرياض أكثر من كونها سعيا لكسب ودها.

وفيما باتت تركيا معزولة في الفضاء السني الواسع بعد فشل رهانها على موجة “الربيع العربي”، فإن السعودية تمتلك حلفاء فاعلين خليجيا وعربيا وإسلاميا، ونجحت الرياض لاعتبار وزنها الاقتصادي والمالي وموقعها الاستراتيجي في أن تكون طرفا أساسيا في أي حوارات أو تحركات أو اجتماعات تهم المنطقة.

وتلقت أنقرة هزائم بالجملة في رهاناتها الخارجية على الإسلام السياسي سواء في مصر أو في السودان. كما تتجه لخسارة نفوذها في ليبيا وفي تونس في ضوء موجة وعي عالية في الشارع بالدور التخريبي الذي لعبته في البلدين من خلال إسناد جماعات متشددة وتمويلها أو تسليحها ومحاولة فرضها في الحكم.

1