تركيا تتوارى خلف حربها على الأكراد لترسيخ أقدامها في الساحة السورية

مطامح أنقرة وفق ما أعلنته تتعلق بأن يكون كامل الشريط الحدودي وبعمق 32 كيلومترا منطقة نفوذ لها تريد إجراء تغيير ديموغرافي فيها بإسكان مليوني نازح سوري في تركيا ليسوا من أبناء هذه المنطقة.
الأحد 2019/10/13
العملية العسكرية تزيد من مأساة السوريين

دقت ساعة الحرب التركية، وبدأ الهجوم ليل الأربعاء الماضي على مناطق تمركز وحدات حماية الشعب الكردية بالقرب من الشريط الحدودي شرق الفرات، وذلك بعد عشرة أشهر من التهديدات التركية، التي عجزت الدبلوماسية الأميركية عن تهدئتها وتلبية مطالب أنقرة الأمنية، بسبب التخبط في السياسة الأميركية، نتيجة التجاذبات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، بين البنتاغون والقادة العسكريين من جهة، والذين يريدون دعم قوات سوريا الديمقراطية حتى النهاية، والبالغ عددهم 60 ألف مقاتل، بوصفهم حلفاء مخلصين ومقاتلين أشداء ضد تنظيم داعش، وبين دبلوماسيي الخارجية من جهة ثانية، والذين يفضّلون تلبية المطالب التركية، دون التخلي عن الحلفاء الأكراد.

ونهاية العام الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سحب قواته الفوري من سوريا، فيما تمكنت إدارته من تعطيل القرار، لعدم واقعيته؛ الآن وجد ترامب فرصة الهجوم التركي مناسبة لإعلان سحب قواته من الحدود السورية التركية، قبل يوم من بدء العملية العسكرية التركية، هي فرصة ليقول ترامب لناخبيه إنه يفي بوعوده الانتخابية، وهو على أبواب الترشح لولاية جديدة، ويعاني الكثير من المساءلات من قبل إدارته، ويواجه الدعاوى القضائية من قبل منافسيه.

ورغم ما يقال عن الرئيس الأميركي من مزاجية أو رعونة في قراراته، لكنه لا يستطيع الخروج عن سياسة أميركية تتطلبها المرحلة الحالية، تتعلق بالانسحاب من الشرق الأوسط، بدأها الرئيس السابق باراك أوباما، وكان الانكفاء الأميركي عنوان حملة ترامب الانتخابية. وبالفعل، منذ بداية العام الماضي حتى الآن تم تخفيض عدد القوات الأميركية في سوريا من 2000 إلى 500 جندي، وتعويض النقص بقوات من فرنسا وبريطانيا ودول أخرى، فيما تمسكت واشنطن بقاعدة التنف على المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، بغرض الحد من النفوذ الإيراني في سوريا.

القوات الكردية ضحية التنازلات الأميركية
القوات الكردية ضحية التنازلات الأميركية

ما سبق يعني أن أنقرة أخذت ضوءا أخضر من واشنطن بتوغل عسكري محدود داخل الأراضي السورية، وأن الإدارة الأميركية لا تمانع فيه كلياً، على أن يكون ضمن الحدود المتفق عليها، مع بقاء المخاوف الأميركية من ترك العنان لتركيا للتوغل داخل الأراضي السورية، وما يترتب عليه من عواقب؛ أولاها عودة تنظيم داعش، خاصة أن قرابة 14 ألف مقاتل من تنظيم داعش، معظمهم أجانب، محتجزون في سجون تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

وثانيًا، سيمثل ذلك تنازلات أميركية مجانية تصب في مصلحة زيادة نفوذ تركيا، وقوة تحالفها مع روسيا عبر مسار أستانة، وزيادة في التوغل الإيراني، وكلّها عواقب مرفوضة إسرائيلياً ومن العديد من الدول العربية، التي أبدت موقفا واضحا وصارما ضد التوغل التركي في سوريا.

وثالثا، هي بمثابة ترك الساحة السورية لموسكو، لتعقد الصفقات مع أنقرة، بفتح حوار بينها وبين دمشق، لتقوم الأخيرة، بدعم روسي، بالسيطرة على ما تبقى من شرق الفرات، حيث تتركز غالبية الثروات النفطية والزراعية، وعلى إدلب، مقابل توسيع اتفاق أضنة إلى عمق يرضي الأتراك، ويشمل كامل الحدود مع تركيا، حتى شمال اللاذقية، بطول 900 كيلومتر؛ فقد التبس موقف موسكو من الهجوم العسكري التركي الأخير، بين متخوف من احتمال عقد اتفاق تركي- أميركي، وبين راغب فيه يريد تجييره لمصلحته، حيث جدد الروس مطالبتهم الأتراك بالعمل باتفاق أضنة، الذي لم تنكره حكومة أنقرة في رسالتها إلى الأمم المتحدة، لتبرير الهجوم.

ورابعا، مطامح أنقرة، وفق ما أعلنته، تتعلق بأن يكون كامل الشريط الحدودي وبعمق 32 كيلومتراً منطقة نفوذ لها، تريد إجراء تغيير ديموغرافي فيها، بإسكان مليوني نازح سوري في تركيا، ليسوا من أبناء هذه المنطقة، عبر بناء وحدات سكنية فيها، وهددت المجتمع الدولي بفتح الحدود أمام اللاجئين إلى أوروبا في حال تمت معارضة خطتها.

وعمدت تركيا إلى إعطاء العملية العسكرية صبغة إسلامية، حيث سمّت جيشها بالمحمدي، فيما ينفذ “الجيش الوطني” السوري، المشكل من فصائل تابعة لها، أجندتها؛ بينما لا ينبئ سلوك فصائل درع الفرات في جرابلس والباب، وغصن الزيتون في عفرين، بالقدرة على تحقيق الاستقرار، حيث تتصرف كعصابات للسرقة وطرد السكان الأصليين من الأكراد، وفرض لباس شرعي على النساء، وتهديم المقامات الدينية.

وخامسا، قد ينهار تحالف قوات سوريا الديمقراطية مع تخلي واشنطن عن دعمها، نتيجة سياسة التمييز التي يتبعها الأكراد ضد العرب، إضافة إلى الشقاق الكردي- الكردي، بين حزب الاتحاد الديمقراطي الموالي لعبدالله أوجلان التركي، وبين المجلس الوطني الكردي الموالي لتركيا، والذي قد يستقطب الكثير من الأكراد.

خوفاً من تلك العواقب، عاد الرئيس ترامب إلى الحديث عن خطوط حمر للعملية العسكرية، ربطها باستهداف المدنيين، ملوحاً بالعقوبات الاقتصادية، فيما طالب جمهوريون وديمقراطيون من الكونغرس بفرض عقوبات على تركيا.

كانت واشنطن قد عرضت على قوات سوريا الديمقراطية القبول بآلية أمنية بعمق 14 كيلومترا، وطول 80-70 كيلومترا، وهي المسافة بين تل أبيض ورأس العين. القصف التركي يتركز على هذه المنطقة، رغم توسعه شرقاً حتى ريف القامشلي، وإلى أعماق تصل حتى ريف الرقة الشمالي؛ لكن التوغل البري يهدف إلى محاصرة تل أبيض ورأس العين، من أجل استسلامهما، بعد أن سحبت القوات الأميركية قواتها من قاعدتها في المنطقة، فيما لا تتواجد قوات أميركية أخرى في العمق.

الأكراد يواصلون الصمود
الأكراد يواصلون الصمود

قد تكون هذه هي حدود العملية التركية المسموح بها أميركيًّا، والأكراد أبلغوا بها في الغالب، ولعلها تنفيذ للعرض الأميركي، لكن بإعطاء رجب طيب أردوغان فرصة لحفظ ماء الوجه، مع تراجع قوته في الداخل التركي، بعد خسارته الانتخابات البلدية في إسطنبول.

في كل الأحوال يجب تذكّر أن وحدات الحماية الكردية لم تستهدف الأمن التركي طيلة فترة سيطرتها شرق الفرات، ما يضعف الحجة التركية، خاصة أمام الأوروبيين الذين أدانوا العملية. وكان الزعيم الكردي عبدالله أوجلان المحتجز في تركيا قد كتب رسالة إلى أتباعه الأكراد يوافق فيها على احترام المخاوف الأمنية التركية، ويفتح باباً للحوار مع السلطات. لكن حكومة أردوغان تصر على فرض أجندتها بالسيطرة على مناطق سورية واعتبارها ولايات تابعة لها.

هذه العملية ستكلف السوريين ثمناً باهظاً، ليس بسبب القتل والدمار الذي سينجم عنها وحسب، بل بسبب تعميق الشرخ العربي- الكردي؛ مع المخاوف من ذهاب العملية إلى الأسوأ، أي استبدال سكان تل أبيض ورأس العين والدرباسية الأكراد بآخرين عرب، مع فعل مماثل في مناطق عربية في الرقة، تحت السيطرة الأميركية، يشبه ما حصل في عفرين التي كانت بغالبية كردية، وتسيطر عليها فصائل عربية إسلامية تابعة لتركيا، وتل رفعت العربية، التي يسيطر عليها الأكراد تحت الوصاية الروسية.

5