تركيا تحاول إحياء نفوذها في السودان باستدراج "المنشقين" عن الحركة الإسلامية

السفير التركي لدى الخرطوم يعقد لقاءات واجتماعات مع قوى سياسية ذات ولاءات وخلفيات إسلامية في محاولة لاسترداد نفوذ بلاده في السودان.
الاثنين 2020/02/10
محاولات لإيجاد أرضية خصبة

الخرطوم – سجلت في الفترة الأخيرة تحركات حثيثة للسفير التركي لدى الخرطوم عرفان نذير أوغلو على الساحة السودانية، تجاوزت الجانب الرسمي الممثل في السلطة الانتقالية (الحكومة ومجلس السيادة) إلى عقد لقاءات واجتماعات مع قوى سياسية ذات ولاءات وخلفيات إسلامية تحظى بنوع من القبول في الشارع السوداني.

وتقول أوساط سياسية سودانية إن تركيا التي فقدت نفوذها في السودان بانهيار نظام الرئيس عمر البشير، تحاول اليوم جاهدة التسلل إلى المشهد مجددا، وهي تعمل مع قطر على خطين متوازيين، الأول الإبقاء على دعم “فلول” النظام السابق والثاني استيعاب قوى منشقة “ظاهريا” عن الحركة الإسلامية لكنها لاتزال موصولة بمشروعها.

وتحظى تلك القوى المنضوية في معظمها ضمن تحالف “الجبهة الوطنية للتغيير” بنوع من القبول في الشارع لجهة أنها سبق أن اختلفت مع البشير، وفي ضوء ذلك تحاول أنقرة استقطابها، في ظل إدراكها بأن الرهان فقط على بقايا النظام من مسؤولين وقوى سياسية لم يغادروا ماكينته – إلى حين انهياره – غير مضمون وسيعمق الرفض الشعبي لها.

وعقد السفير التركي مؤخرا سلسلة لقاءات، من بينها لقاء مع رئيس الجبهة الوطنية للتغيير غازي صلاح الدين، وأفادت وكالة أنباء “الأناضول” التركية بأن اللقاء بحث الأوضاع في السودان والعلاقة بين الجبهة والحكومة الانتقالية التي يترأسها عبدالله حمدوك والتي شهدت في الآونة الأخيرة بعض التحسن.

ولوحظ مؤخرا صعود نجم الجبهة الوطنية للتغيير ورئيسها غازي صلاح الدين وسط شكوك بأن هذا الصعود في علاقة بمحاولة تحجيم نفوذ تحالف قوى الحرية والتغيير الذي قاد الحراك الاحتجاجي ضد البشير، بيد أنه بات محل انتقاد من أطراف في السلطة وخارجها لجهة مواقفه حيال بعض الملفات.

عبدالمنعم أبوإدريس: تركيا تستقطب القيادات التي تظهر استعدادا للتفاهم معها
عبدالمنعم أبوإدريس: تركيا تستقطب القيادات التي تظهر استعدادا للتفاهم معها

والتقى صلاح الدين مبعوث الرئيس الأميركي إلى السودان دونالد بوث نهاية الشهر الماضي، بجانب لقائه بعدد من نواب الكونغرس، ونهاية باجتماعه قبل أيام مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، والذي لم تعلق عليه الحكومة حتى الآن.

وتكونت الجبهة الوطنية للتغيير في العام 2018 بمشاركة 22 حزبا وحركة، استعدادا لخوض انتخابات 2020، قبل التطورات الأخيرة والاحتجاجات غير المسبوقة التي أطاحت بالبشير. وتضم الجبهة قوى كانت في السابق جزءا فاعلا في منظومة “الإنقاذ” وبعض رؤساء الأحزاب المنضوية داخلها الذين تولوا مراكز عليا في السلطة المنهارة حتى أن هناك من شغل مستشارا للرئيس المعزول على غرار رئيس حزب الأمة “الإصلاح والتجديد” مبارك الفاضل.

وخلال اجتماعه بالسفير التركي شدد غازي صلاح الدين، الذي يتولى أيضا رئاسة حركة الإصلاح الآن التي انشقت في العام 2013 عن حزب المؤتمر الوطني (حزب البشير)، على أن العلاقات السودانية التركية من الثوابت. وأشاد بما اعتبره دور تركيا في دعم السودان.

وقال المحلل السوداني عبدالمنعم أبوإدريس لـ”العرب”، إن تركيا تبحث عن دور مستقبلي في السودان بعد أن وقّعت أكثر من 20 اتفاقية للتعاون الأمني والاقتصادي والصناعي قبيل رحيل الرئيس المعزول، وأن الاعتماد على غازي صلاح الدين يأتي انطلاقا من المقبولية التي يتمتع بها لدى دوائر غربية، في حين أنه طرف محسوب على الحركة الإسلامية.

وأكد أن أنقرة ليست لديها تأثيرات كبيرة على مستوى الشارع السوداني، لكنها تحاول استقطاب عدد من القيادات والنخب التي تجد فيها استعدادا للتفاهم معها، وأن لقاء رئيس الجبهة الوطنية للتغيير يأتي في هذا الإطار.

ويرى مراقبون أن التحركات التركية في الوقت الحالي تستهدف إيجاد أرضية خصبة مستقبلا، وليس على المدى القريب، لإدراكها بأن الارتكان إلى خيار الحركة الإسلامية غير مقبول شعبيا في الفترة الحالية، وأن دورها التخريبي على مدار الثلاثين عاما الماضية يجعل عودتها شبه مستحيلة الآن، بما يدفعها إلى التفكير في إعادة إنتاج نفسها بصور مختلفة عما كانت عليه في السابق.

وقال الباحث السوداني خالد سعد إن ظهور عدد من السياسيين الإسلاميين علنا يستهدف إجهاض تماسك قوى الحرية والتغيير، وأن رفض الكيانات الثورية لتلك اللقاءات يبرهن على عدم وجود اتفاق داخلي على تفويض لأي مسؤول حكومي يمكن من خلاله إجراء حوارات مع قوى من خارج التحالف الحاكم، في إشارة إلى اللقاء الذي جرى بين رئيس الوزراء ورئيس الجبهة الوطنية للتغيير.

وأضاف لـ”العرب” أن الاهتمام بعقد لقاءات مع قيادات إسلامية أثار مخاوف لدى البعض من سيناريو أن الحكومة قد تتخلى عن حلفائها في الحرية والتغيير من أجل قوى جديدة بدعم من المؤسسات العسكرية والأمنية التي لا يزال بعضها قريبا من الحركة الإسلامية، غير أن هذا السيناريو لا يستند على قاعدة متماسكة وربما يحمل في داخله تناقضات عديدة تجعل من تحقيقه أمرا بعيد المنال.

2