تركيا تحتفل بالذكرى الـ93 لتأسيس الجمهورية: ماذا بقى من دولة أتاتورك

الأحد 2016/10/30
ذكرى مجبر على إحيائها

أنقرة - على وقع صخب المعارك السياسية والعسكرية في المنطقة الإقليمية وتداعيات عملية انقلاب 15 يوليو الفاشلة، أحيت تركيا السبت الذكرى الـ93 للجمهورية التركية، لكن، بملامح تختلف عن ملامح تلك الجمهورية العلمانية التي أعلن عن قيامها مصطفى كمال أتاتورك يوم الـ29 من أكتوبر في العام 1923، بل بملامح تبدو أقرب للدولة العثمانية التي طوى صفحتها أتاتورك.

أغلق مصطفى كمال أتاتورك في ذلك اليوم، الباب العالي، في إسطنبول، بعد أن ظلّ لقرون طويلة مركز السلطة والقرار العثماني وتحوّلت أنقرة إلى عاصمة الدولة التركية الحديثة.

ودخلت البلاد مرحلة جديدة بقيادة الضابط في الجيش التركي مصطفى كمال ومجموعة من الضباط المتأثرين بالثقافة الغربية الصاعدة، الذين قرروا العمل على طيّ آخر صفحات الإمبراطورية العثمانية والدفع نحو ولادة الجمهورية التركية العلمانية.

ولم تنقض سنة على قيام الجمهورية حتى ألغى مصطفى كمال أتاتورك كل ما له صلة بالدولة العثمانية “الدينية”، حيث ألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية ووجّه بوصلة تركيا نحو الغرب، وقام بثورة مجتمعية وثقافية وسياسية، توجته أبًا للأتراك.

وعلى مدى عقود طويلة، ترسّخت أسس الدولة التركية الكمالية العلمانية ذات التوجه الأوروبي، إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية ذو التوجّه الإسلامي، والذي يلقب قادته بالعثمانيون الجدد، ليعيد توجيه دفة البلاد، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن اشتدّ عود أحد مؤسسيه، رجب طيب أردوغان، الذي شغل أبرز ثلاث مناصب مكّنته من تغيير بعض من ملامح الجمهورية الكمالية: رئيسا لبلدية إسطنبول، ثم رئيسا للوزراء، واليوم يحكم السيطرة باعتباره رئيسا لهذه الجمهورية.

تركيا اليوم تغيرت عن تركيا التي حكمها أتاتورك ومن سار على دربه من بقية الرؤساء، ومن بينهم الرئيس الإسلامي عبدالله غول، شريك أردوغان، في تأسيس حزب العدالة التنمية.

وفي ظل حكم العثمانيين الجدد، الذين يقودهم رجب طيب أردوغان تخلت تركيا عن سياسة صفر مشاكل مع الجيران، ودخلت في موجة أسلمة طالت كل شيء في البلاد، وهدت صروحا كثيرة من التي أرسى قواعدها كمال أتاتورك، من التعليم إلى الثقافة وصولا إلى السياسة، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى التعليق بسخرية عمّا دوّنه أردوغان على دفتر الشرف الخاص بضريح أتاتورك، خلال زيارته له صباح السبت، والذي جاء فيه “المقاومة الباسلة التي أظهرها الشعب في كافة أرجاء البلاد ضد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو الماضي، هي تجسيد للإيمان المشترك والإرادة التي توجت حرب استقلالنا بالنصر قبل 93 عاما”.

وأضاف “نحن نعمل أيضاً على رفع البلاد إلى مستوى الحضارات الحديثة، من خلال تحقيق أهداف 2023، والحفاظ على المكتسبات التي دفع ثمنها 246 شهيداً و2164 جريحاً دماءهم (في إشارة إلى عدد الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال تصديهم لمحاولة الانقلاب)”.

واعتبر المراقبون، أن ما كتبه أردوغان في دفتر الشرف في ضريح أتاتورك، يبطن دلالات كثيرة، من أن الانقلابات العسكرية مثلت سمة رئيسية لتركيا منذ عهد أتاتورك، وفشل هذا الانقلاب أطلق يد أردوغان بشكل كبير لإجراء تعديلات وتغييرات كبرى، منها ما طال المؤسسة العسكرية، التي نصّبها أتاتورك حماية لعلمانية الدولة التركية؛ كما طالت التغييرات الأخرى مناهج كثيرة، منها التعليم والقضاء والإعلام، وحتى أسلوب الحياة اليومية للأتراك.

وأقيمت احتفالات العام الحالي في البرلمان التركي بالعاصمة أنقرة، عوضا عن مركز أتاتورك الثقافي، بإسطنبول، الذي كان يستضيف عادة احتفالات هذه المناسبة، وتعهد أردوغان بهدمه وبناء متحف إسلامي عثماني على أنقاضه.

وحضر الاحتفال ذوو الضحايا الذين سقطوا في مواجهات مع انقلابيي 15 يوليو وجرحى المواجهات، إضافة إلى عدد من الطلاب الأجانب الذين يدرسون في تركيا رافعين أعلام بلادهم، كما وجّه أردوغان الدعوة إلى 2000 شخص من سياسيين وذوي الشهداء وممثلي منظمات المجتمع المدني، وفنانين ورياضيي المنتخبات التركية وأكاديميين وضباط، من أجل المشاركة في حفل الاستقبال الذي أقيم في المجمع الرئاسي.

وقد استغلت تركيا الانقلاب العسكري الأخير بتوظيفه على العديد من المستويات منها السياسية والعسكرية والأيديولوجية بطريقة تمكنها من فرض أمر واقع جديد داخل الجمهورية التركية “الأتاتوركية” لتنقلها إلى عصر العثمانية الجديدة.

لكنّ المراقبين يؤكّدون أن أتاتورك نجح في أن يغرس جذور الجمهورية التركية في العمق لدرجة لم تتمكن يد أردوغان الطولى وسياسات التطهير والأسلمة المتواصلة منذ أكثر من عقد من الزمن، أن تقتلع تلك الجذور، بل تبيّن على وقع المتغيرات الداخلية والصراعات الإقليمية أن لا مجال لاستمرار تركيا الأردوغانية بعيدا عن قواعد تركيا الأتاتوركية وسياساتها.

6