تركيا تحرك كل أوراقها لمواجهة استقلال إقليم كردستان

يلخص وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استفتاء أكراد العراق على الانفصال بـ”الخيانة” حجم الغضب التركي من هذه الخطوة التي تعتبرها أنقرة تمس أمنها القومي. وبعد أن أصبح الاستفتاء أمرا واقعا وصوت أغلبية الأكراد لصالح الانفصال ستحاول أنقرة الإبقاء على أدوات الضغط التي تملكها ضد القيادات الكردية في العراق وخاصة الورقة الاقتصادية سواء من خلال الأموال المودعة في البنوك التركية نتيجة بيع النفط أو عبر البوابة الحدودية معها والآلاف من الشركات التركية العاملة وخاصة في مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني.
الخميس 2017/10/05
تركمان تركيا يتظاهرون ضد تصويت أكراد العراق في استفتاء الانفصال

أنقرة – يمكن إنشاء دولة كردية مستقلة أن يكون بمثابة تطور كبير منبثق عن الفوضى الإقليمية، ويمكن لهذا التطور أن تكون له عواقب بعيدة المدى على الأكراد وجيرانهم، فكما هو الحال دائما، تظهر هناك فرص ومخاطر كبيرة على حد سواء. ومن الجيران القلقين من هذه التطورات تبرز تركيا التي تعادي اليوم أغلب المجتمع الدولي، والتي لم تكن تعتقد أن حليفها السابق مسعود البارزاني سيذهب حتى النهاية في خيار إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان.

ويسلط خورشيد دلي الضوء على القلق التركي من خطوة “الحليف” الكردي، مشيرا، ضمن دراسة صدرت عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المستقبلية، تناولت الخيارات التركية لمواجهة استقلال إقليم كردستان، إلى أن تركيا كانت ترى في التهديد الكردي بإجراء استفتاء من أجل تقرير مصير الإقليم وتوجهه نحو الانفصال عن العراق مجرد مناورة سياسية من قبله لتحسين شروط التفاوض مع الحكومة العراقية بعد أن تراكمت الخلافات بين الأخيرة وأربيل على قضايا النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها، وغيرها من الخلافات التي جعلت من الانفصال حقيقة واقعة.

أَمَا وقد أُجري الاستفتاء الذي أظهرت نتائجه تأييد أغلبية الأكراد لانفصال إقليم كردستان، فإن موقف أنقرة ينصب بقوة نحو منع إقامة دولة كردية مستقلة، على اعتبار أن الأمر يتعلق بجوهر الأمن القومي التركي. وعليه يمكن فهم التصعيدي التركي ضد خطوة الاستفتاء، والذي وصل إلى حد التحالف مع إيران وبغداد ضد استقلال الإقليم.

ينطلق الرفض التركي لإقامة دولة كردية من سببين رئيسيين؛ يتعلق أولهما بإدراك أنقرة أن إقامة دولة كردية مستقلة في العراق ستكون لها انعكاسات كبيرة على قضيتها الكردية في الداخل، حيث بها أكثر من عشرين مليون كردي محرومين دستوريا من هويتهم القومية ومن أي حكم محلي خاص بهم. كما أن السلطات التركية في حرب دموية معهم منذ نحو نصف قرن باسم مكافحة إرهاب حزب العمال الكردستاني.

وبحكم التطورات التي شهدتها تركيا وتلك التي تشهدها دولتا الجوار سوريا والعراق، باتت الأولى تجد نفسها أمام جغرافيا كردية خارج حدودها تُلقي بظلالها على أوضاعها الداخلية، الأمر الذي أضحى يُشكِّل تهديدا مباشرا لأمنها الوطني؛ وعليه تخشى من أن يؤدي الاستفتاء إلى تشكيل مرجعية لإعلان دولة كردية مستقلة عن العراق في المرحلة المقبلة، وسط اعتقاد بأن ذلك سيدفع أكراد تركيا إلى رفع سقف مطالبهم القومية، وربما المطالبة باستفتاء مماثل على طريق إقامة دولة كردية واحدة من شأنها تغيير الخرائط الجغرافية في المنطقة التي قسمتها اتفاقية سايكس – بيكو قبل قرن من الزمن.

ويتمثل السبب الثاني في الاعتقاد التركي بأن للولايات المتحدة الأميركية دورا في خطوة استفتاء إقليم كردستان رغم الرفض المعلن للإدارة الأميركية لهذا الاستفتاء؛ حيث ترى أنه جاء في ظل توتر أميركي – تركي على خلفية دعم واشنطن للأكراد في سوريا والعراق بالأسلحة، وكذلك في ظل توجه أنقرة إلى التحالف مع روسيا، وإعادة النظر في مجمل سياستها الإقليمية لصالح التقارب مع طهران وبغداد.

ما يقلق تركيا هو استقلال إقليم كردستان وموقفها سيعتمد على المسار الذي سيسلكه الإقليم في المرحلة المقبلة

وجاءت خطوة الاستفتاء لتدفع بأنقرة إلى إحداث تغيير في سياستها السابقة تجاه الحكومة العراقية. فبعد أن كانت تصف تلك الحكومة بالطائفية، والتابعة لإيران، دخلت معها في تحالف ضد خطوة الاستفتاء الكردي. ويكشف هذا التغير عن قناعة تركيا بأن إقامة دولة كردية ستغير من واقع الاصطفافات الإقليمية في المنطقة؛ إذ من شأن دولة كردية بناء واقع إقليمي جديد في المنطقة يغير من معادلة التنافس الإيراني – التركي على الدور والنفوذ في المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا، ما سيؤثر في التحليل الأخير على الاستراتيجية التركية المستقبلية.

أوراق الضغط

تمتلك تركيا العديد من أوراق الضغط التي قد تستخدمها ضد إقليم كردستان ما لم يتراجع عن خطوات الاستقلال. وتقسم دراسة خورشيد دلي هذه الأوراق إلى:

العلاقات الاقتصادية: تركيا ذات أهمية اقتصادية لإقليم كردستان بعد أن اتجه خلال السنوات الماضية إلى الارتباط بها اقتصاديا وتجاريا، لا سيما بعد تصدير النفط والغاز عبر الأراضي التركية. وتشير تقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإقليم كردستان بلغ قرابة خمسة مليارات دولار، وأن حجم الاستثمارات التركية في الإقليم تجاوزت أربعين مليار دولار.

فمنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 انخرطت أنقرة بقوة في بناء علاقات اقتصادية وتجارية قوية مع الإقليم، إلى درجة أنه أصبح جسرا للتجارة التركية إلى العراق ودول الخليج العربي بعدما انقطعت تجارتها عبر الأراضي السورية في أعقاب اندلاع الأزمة السورية. فضلا عن أن نفط كردستان إلى العالم الخارجي يمر عبر الأراضي التركية.

وعليه، يشير الباحث إلى أن ورقة العلاقات الاقتصادية وعلى الرغم من أهميتها للجانبين؛ إلا أنها تبقى ورقة قوية لممارسة المزيد من الضغط على الإقليم الذي يجد نفسه اليوم محاصرا تماما في ظل الحديث عن إغلاق كل من تركيا وإيران المعابر الحدودية معه.

العلاقات السياسية: ارتبطت تركيا مع إقليم كردستان بعلاقات سياسية مميزة إلى درجة أن أنقرة كانت تستقبل البارزاني بالسجاد الأحمر لأنها كانت تراهن عليه في إضعاف حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمة إرهابية. لكن توجه أنقرة إلى التنسيق مع إيران، بعد أن كانت تقول إنها تهيمن على قرار العراق عبر سياستها الطائفية، يؤشر على سعيها لممارسة المزيد من الضغط السياسي على الإقليم.

ويكشف إبلاغ تركيا ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البارزاني بمغادرة أراضيها، ومن قبل ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك تحديد حركة سفر الأشخاص من الإقليم إلى تركيا؛ عن خطوات مدروسة بدأت تتخذها الدولة للضغط السياسي على قيادة الإقليم.

جاءت خطوة الاستفتاء لتدفع بأنقرة إلى إحداث تغيير في سياستها السابقة تجاه الحكومة العراقية. فبعد أن كانت تصفها بالطائفية، دخلت معها في تحالف ضد الاستفتاء

الخيار العسكري: مع استبعاد بعض المحللين أن تلجأ تركيا إلى الخيار العسكري ضد كردستان، إلا أنه ينبغي عدم استبعاده، لا سيما في حال أعلنت قيادة الإقليم عن إقامة دولة مستقلة، إذ فوض برلمان الدولة الجيش للقيام بمثل هذه الخطوات. وبالفعل دخلت أنقرة في مناورات عسكرية مشتركة مع العراق، بالتزامن مع مناورات عسكرية إيرانية على حدود كردستان وسط تهديدات من الطرفين بمعاقبة قيادة الإقليم.

ربما لتركيا هدف أهم من المناورات العسكرية المشتركة مع طهران والعراق يتمثل في محاولة القضاء على حزب العمال الكردستاني في معاقله بجبال قنديل وكذلك سنجار، إذ أنها ترى أن الفرصة متاحة في ظل التحالف مع طهران وبغداد ضد الصعود الكردي.

ورقة التركمان: تجاهلت تركيا خلال السنوات الماضية مع تحسن علاقاتها مع أربيل الحديث عن تركمان العراق، إلا أنها بدأت في استثمار تلك الورقة في ظل خلافها مع كردستان من خلال إظهار نفسها حامية لهم، والتهديد بأن أي خطوة ضدهم ستؤدي إلى تدخل أنقرة، خاصة في ظل أيديولوجيا اليمين التركي المتطرف الذي يعتبر كركوك أرضا تركية تاريخيا، وأنها انسلخت عنها بموجب اتفاقية عام 1926 مع بريطانيا، وأن شأن كركوك اليوم ينبغي أن يكون مثل قبرص التركية التي غزتها تركيا عام 1974.

خياران تركيان

ما يقلق تركيا هو استقلال إقليم كردستان وليس الاستفتاء في حد ذاته؛ وعليه فإن موقفها سيعتمد على المسار الذي سيسلكه الإقليم في المرحلة المقبلة، إما الاستفادة من الاستفتاء كمرجعية لتحسين شروط التفاوض مع الحكومة العراقية على القضايا الخلافية، وإما كمرجعية لإعلان الاستقلال والانفصال عن بغداد. وبين المسارين فرق هائل واستراتيجي بالنسبة لأنقرة، وهي بذلك أمام خيارين رئيسيين، هما:

الخيار الأول: تبني سياسات للضغط على قيادات الإقليم لإجبارهم على التفاوض مع بغداد، والتراجع عن الاستقلال، وذلك من خلال اتخاذ المزيد من الخطوات ضد الإقليم وصولا إلى الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الشامل عليه، مع أقصى درجات التنسيق مع العراق وإيران. وهذا ما تفعله تركيا في الوقت الراهن، حيث ترى أنها خطوات مجدية في ظل الأزمة الاقتصادية التي يُعاني منها الإقليم، واعتماده عليها بشكل أساسي.

الخيار الثاني: التدخل العسكري، وهو خيار مطروح بقوة في ظل تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي بات يصف البارزاني بـ“الخائن”، وتلويحه الدائم بالتدخل العسكري على غرار التدخل في شمال سوريا.

في ظل هذين الخيارين يبقى عامل الوقت مهما حسب دراسة خورشيد دلي، التي تخلص إلى أن إقليم كردستان يراهن على هذا العامل لتغيير المواقف الإقليمية والدولية تدريجيا، وهو في تطلعه هذا يمزج بين استراتيجية التفاوض والصمود في مواجهة الضغوط مع أن تجربة دولة مهاباد الكردية عام 1946 التي كان والد مسعود البارزاني شريكا فيها تحمل بصمة عدم التأييد الدولي لتطلع الأكراد إلى إقامة دولة مستقلة.

7