تركيا تخطط للاستحواذ على حصة إيران في السوق العراقية

تحذيرات من أن يثير رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي غضب واشنطن بخرق العقوبات على أنقرة وطهران.
الجمعة 2018/08/17
العقوبات الأميركية.. فرصة عراقية ضائعة

أنقرة - بغداد - تتحرك تركيا في اتجاهات مختلفة في مسعى للخروج من أزمتها. وآخر خطواتها محاولة الاستحواذ على حصة إيران في السوق العراقية بالرغم من التعاطف الذي دأب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إظهاره تجاه طهران بوجه العقوبات الأميركية.

ويتزامن ذلك مع استنجاد أنقرة بفتاوى جمعيات ومنظمات مرتبطة بالإخوان المسلمين، ممن سبق أن أغدقت عليهم الدعم، بهدف دفعهم إلى التحرك لجذب المزيد من التبرعات والاستثمارات ولو كانت محدودة.

ومثلت زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، المغضوب عليه إيرانيا، فرصة أمام تركيا لاستثمار الفجوة بين بغداد وطهران وعرض زيادة المعاملات التجارية بين البلدين. لكن ذلك قد يجلب عليه غضب واشنطن.

ويقول مراقبون إن أنقرة تتضامن مع طهران شكليا، ولكن مباحثات العبادي وأردوغان، الثلاثاء، تشير إلى أنها تخطط للاستحواذ على الحصة الإيرانية في السوق العراقية.

ويمكن لتركيا الاستفادة من سهولة الوصول إلى السوق العراقية وتعويضها بالسلع والمنتجات التي كان العراق يستوردها من إيران مع التزام بغداد بعدم التعامل في تجارته مع إيران بالدولار الأميركي، وهو ما يعني أن طهران، التي تهيمن بأشكال متعددة على الاقتصاد العراقي، ستخرج من الشباك لتدخل تركيا من الباب.

وخلال المؤتمر الصحافي المشترك مع العبادي، الثلاثاء، شدد أردوغان على “ضرورة رفع حجم التبادل التجاري بين تركيا والعراق إلى مستويات أعلى من 11 مليار دولار التي تمثل حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2017″.

وتحركت الدبلوماسية التركية في أكثر من اتجاه، لكن مسؤولين غربيين مثل ألمانيا وفرنسا، اكتفوا بإطلاق تصريحات عامة عن ضرورة تعافي الاقتصاد التركي دون أي موقف داعم في خلاف مع واشنطن التي تلوّح بالمزيد من العقوبات.

تحركات دبلوماسية في أكثر من اتجاه
تحركات دبلوماسية في أكثر من اتجاه

وقالت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحافيين “الرسوم الجمركية من جانب تركيا هي بالتأكيد أمر يؤسف له وخطوة في الاتجاه الخاطئ. الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على تركيا كانت انطلاقا من مصالح الأمن القومي. إجراءاتهم جاءت من منطلق الانتقام”.

ويشكك محللون في قدرة العراق على استثمار الأزمة الاقتصادية التي تضرب جارتيه الشرقية والشمالية، إيران وتركيا، لتعزيز استقراره الداخلي.

ويقول خبراء في مجالات الاقتصاد والتجارة إن العراق يمكن أن يلعب دور “الرئة” بالنسبة للاقتصاد الإيراني وجانب من الاقتصاد التركي، إذا ما أحسن التعامل مع حزمة العقوبات الأميركية التي فرضت على البلدين الجارين.

وتخضع معظم أشكال التبادل التجاري بين العراق وتركيا إلى القوانين النافذة في البلدين، لكن تجارة العراق مع إيران تشوبها الكثير من الخروقات والتجاوزات، مثل التهريب المتبادل وإدخال مواد محرمة أو تجاوز القوانين الجمركية وغيرها.

وفي أعقاب الإطباق الأميركي على الاقتصاد الإيراني، يبدو أن طهران ليس أمامها الكثير من الخيارات غير بغداد، للحصول على العملة الصعبة، ولا سيما الدولار الأميركي، فيما ستكون تركيا بحاجة إلى زيادة معدل تبادلها التجاري مع العراق للحصول على ذلك.

ويقول خبراء الاقتصاد، إن العراق يمكن أن يسعى إلى “معاملة تفضيلية” في التبادل مع تركيا وإيران، خلال مرحلة خضوعهما للعقوبات الأميركية، نظرا لاعتماد الدولتين عليه من أجل الحصول على الدولار الأميركي.

ويصل حجم التبادل التجاري بين العراق وكل من إيران وتركيا إلى نحو 24 مليار دولار، بواقع 13 مليارا للأولى، و11 للثانية.

وباستثناء الأموال المحدودة التي ينفقها نحو 3 ملايين زائر إيراني إلى العراق، يأتون سنويا للسياحة الدينية، فإن بغداد هي الطرف المشتري في معظم عمليات التبادل التجاري مع أنقرة وطهران.

وتقريبا، يشتري العراق كل ما يحتاجه من الخارج، بعد انهيار الصناعة الداخلية منذ 2003، وتراجع القطاع الزراعي بسبب النمط الريعي الذي تنتهجه الدولة، واعتمادها على عوائد النفط، التي تشكل نحو 95 بالمئة من قيمة الموازنة المالية السنوية في البلاد.

وتقول مصادر حكومية مطلعة لـ”العرب” إن “بغداد ربما تخطط للاستفادة من العقوبات الأميركية على أنقرة وطهران في تسوية ملف المياه الشائك مع العاصمتين”.

وتعرض العراق لمواسم جفاف قاسية خلال الأعوام القليلة الماضية، بعد لجوء تركيا إلى خفض معدلات التدفق في نهري دجلة والفرات، وقطع إيران عددا من الروافد التي كانت تروي مساحات زراعية واسعة داخل الأراضي العراقية.

وقالت المصادر إن “رئيس الوزراء، ألمح لدى زيارته أنقرة، خلال لقائه الرئيس التركي، إلى أن العراق يمكنه أن يساعد تركيا في توفير الدولار الأميركي، في حال تسوية ملف المياه”.

وتضيف أن “هذا التكتيك ربما يتبع أو اتبع مع إيران فعليا”.

وتؤكد المصادر أن تحركات العراق في هذا الاتجاه ليست خفية على الولايات المتحدة، وسط ترجيحات بوجود تنسيق غير رسمي بين الطرفين في هذا الجانب.

Thumbnail

ويقول سياسي شيعي في بغداد لـ”العرب”، إن “العبادي يراهن على أن هدف العقوبات الأميركية هو دفع تركيا وإيران إلى التفاوض والتسوية، لذلك يجد مساحة للمناورة في علاقات بلاده الاقتصادية مع الدولتين الجارتين”.

وكثيرا ما أسهم الانقسام السياسي الحاد في إظهار العراق بمواقف ضعيفة إزاء قضايا دولية كبيرة.

ولا يعول المراقبون على الحكومة في عكس هذا الاتجاه، ولا سيما في الملف الإيراني، الذي يشتمل على قيود كبيرة، نظرا للنفوذ الهائل الذي تمارسه طهران في بغداد، وداخل مختلف مؤسساتها الرسمية.

ويقول هؤلاء إن “العقوبات الأميركية على تركيا وإيران، هي فرصة عراقية أخرى ضائعة”.

ويرى مراقب عراقي في تصريح لـ”العرب” أنه ليس هناك ما يضمن للعراق ألا يصيبه ضرر من جراء العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، ما يعني أنه ليست هناك من فرصة أمام العراق لاستثمار ما يجري لصالحه لكونه مخترقا إيرانيا.

ويضيف المراقب أن هناك أطرافا عراقية كثيرة تبذل جهودا حثيثة في محاولة التخفيف من تأثير العقوبات على إيران، من خلال تنشيط التجارة الخفية التي ترتكز على تهريب العملة الصعبة مقابل التعامل العلني بالريال الإيراني، الأمر الذي قد يعرض العراق إلى عقوبات اقتصادية، كانت الولايات المتحدة قد حذرت منها سلفا العراق بشكل خاص بسبب تصريح العبادي الأخير بشأن الالتزام فقط بعد التعامل بالدولار مع إيران وليس كل العقوبات.

وتبدو الضغوط التي تمارسها القوى السياسية العراقية الموالية لإيران من أجل خرق العقوبات الأميركية المفروضة عليها كما لو أنها محاولة لإنقاذ السوق العراقية من أزمة محتملة إذا ما توقف العراق عن استيراد بضائعه من إيران، وهو ما يملي على الحكومة العراقية أن تتخذ إجراءات اقتصادية عاجلة، تضمن من خلالها انسياب البضائع في الأسواق، وبالأخص ما يتعلق منها بالغذاء.

1