تركيا تروج لدراما العثمانيين وإيران تزيف تاريخ المسلمين، والعرب يتفرجون

الأحد 2016/09/25
صناعة المسلسلات التركية انتقلت من مرحلة مهند إلى أمجاد السلطنة العثمانية

بات مهند ونور وكريم وكوسيم وحريم السلطان أيقونات تسحر الشابات والشبان العرب ممّن لا يشغل أوقاتهم سوى مشاهدة التلفزيون. وبات هذا الانشغال جزءا من حضور الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي التي ترشح دائما بإشارات إلى تلك المسلسلات.

في المقابل، لا نرى مثل هذا الاهتمام العربي بالمسلسلات الإيرانية رغم أنها أكثر محافظة وتطابق المزاج “الإيماني” الذي شاع في الوعي العربي خلال العقدين الأخيرين؛ بل إنّ المسلسلات التركية اقتحمت على الإيرانيين بيوتهم بلغتهم ونجحت في إزاحة ثقافة التلفزيون التي تفرضها دولة وليّ الفقيه عليهم.

ربما بُرّر الاهتمام العربي بالمسلسلات التركية بغياب الدراما العربية وانهيار صنعة السينما، فالجمهور العربي الذي طالما سحرته المسلسلات المصرية والسورية لعقود طويلة، بات يهتم بشكل بالغ بالمسلسلات التركية بحلقاتها مئوية العدد.

ولا تفوت المهتم بصناعة الدراما التلفزيونية ملاحظة أنّ المسلسلات التركية قد نجحت في شدّ المشاهد العربي واصطياد وعيه لأنها عبارة عن “سوب أوبرا” على الطريقة الأميركية تكتب حلقاتها وتُسجل يوميا وتترجم أو تدبلج للعديد من اللغات وتُبث للملايين من المهتمين، وتتطور أحداثها غالبا بموجب الوضع والمناخ السائد في الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي، وخاصة منها تلك التي تتعامل مع تاريخ السلاطين العثمانيين، ففي رمضان هي رمضانية، وفي عيد الأضحى هي مشرقة متفائلة مستبشرة بالعيد، وفي المولد النبوي هي مناسبة لبيان مناقب السلطنة العثمانية في حفظ الموروث النبوي.

الناقد السينمائي والتلفزيوني محمد عبيدو، برّر، في حديث لـ”العرب”، تفوق المسلسلات التركية بالقول إن “العديد من الإعلاميين والفنانين امتدحوا الدراما التركية المدبلجة باعتبار أنها مصنوعة باحترافية ووجدت لها جمهورا واسعا من متابعي الفضائيات العربية؛ فيما صرح البعض الآخر بأنها تشكل خطرا على الدراما العربية لأن العمل التركي المدبلج باللهجة السورية أخذ يشغل مساحات أكبر للعرض على حساب المسلسل العربي، وتحول نجوم الدراما السورية إلى جنود خفاء مكتفين بإعارة أصواتهم لنجوم تركيا”.

ويضيف عبيدو “المسألة هنا قضية سوق بالدرجة الأولى وسياسة بالدرجة الثانية. الأعمال التركية المدبلجة (الأرخص ثمنا) نجحت في جذب الجمهور التلفزيوني العربي بغض النظر عن طرحها بسبب الشغل الجيد على سيناريوهات محبوكة وتصوير لأماكن خلابة وحضور للمرأة المتحررة”.

انتقلت صناعة المسلسلات التركية من مرحلة مهند وعشيقاته الفاتنات إلى أمجاد السلطنة العثمانية (وربما كانت لهذا علاقة سياسية بتغيرات الربيع العربي وتطلعات الأردوغانية)، فدخلت التلفزيونات الدرامية على خط التاريخ منذ العام 2010 بمسلسل تاريخي بلغ عدد حلقاته نحو 500 حلقة “حريم السلطان”.

ويروي المسلسل كواليس قصر السلطان العثماني سليمان القانوني مسلطا الضوء بالخصوص على قصة غرام السلطان بالجارية الشركسية روكسلانا. واسمها في الدراما “هيام”.

المسلسل التاريخي التركي الآخر هو “عودة أرطغرل”، الذي يمجد القيم العثمانية وفروسيتها المفترضة (وينسى المشاهدون العرب هنا أنّ الدولة العثمانية احتلت العالم العربي لخمسة قرون وحوّلته إلى ولايات متخلفة مفلسة جاهلة) ويتحلّقون حول أجهزة التلفزيون وقد اختطفتهم لقطات البطولة في المسلسل الذي دعمه التيار المحافظ الحاكم في تركيا لدرجة زيارة رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية إلى موقع التصوير.

جمّلت هذه المسلسلات عصر الاستعمار العثماني ونجحت في شد المشاهد العربي. وأوحت له بأنّ العودة إلى سلطة السلطان العثماني أرحم من معاناة عصر العولمة بكل تقنياته وانفتاحه المعرفي، وقد استجاب المشاهدون إلى هذا غالبا بسبب الاستقطاب الطائفي الذي يجتاح العالم الإسلامي.

في المقابل، تمتلك إيران صناعة تلفزيونية مرموقة لكنها ملتزمة جدا بخط ولاية الفقيه (سياسيا ومذهبيا) ولا تستطيع مغادرته، ما يجعل منها صناعة مسيّسة بالدرجة الأولى، وتنتج أستوديوهاتها الحكومية وشبه الرسمية والأهلية كمّا كبيرا من المسلسلات وتُنفق عليها مبالغ كبيرة، لكنها تبقى محصورة في جمهور محدود.

ويقول الناقد السينمائي محمد عبيدو “المسلسلات الإيرانية المقيدة تفتقد إلى عناصر الجذب (مشاهد جميلة، سيارات أنيقة، مبان فخمة، سيدات جميلات، شبان وسيمون)، رغم حضور موضوعات مهمّة أحيانا في متنها بقوانين الإعلام الإيراني المتزمت. وأيضا لا نغفل الناحية السياسية لأنّ من يفترض أن يعرض هذه الأعمال هو فضائيات عربية تعمل في دول هي في صراع مع إيران سياسيا ومذهبيا على كل المستويات”.

من جانب آخر، ذهبت المسلسلات الإيرانية التاريخية إلى التاريخ العربي نفسه، لتصور وقائع منه ومن مراحله طبقا لروايات إيرانية متداولة، فظهر مسلسل “الإمام علي” بحلقاته الاثنتين والعشرين والذي أنتجته قناة التلفزيون الرسمي الإيراني الأولى للمخرج والمؤلف سيد داود ميرباقري والذي سبق أن أخرج وكتب قصصا درامية وتمثيليات تلفزيونية ذات طابع حربي يروّج لمبدأ ولاية الفقيه.

واحتشد في المسلسل جمع من الممثّلين اشترطت إدارة التلفزيون الإيرانية فيهم شروط “الإيمان والتقوى والالتزام بخط ولاية الفقيه” على حساب الموهبة وتفوّق الأداء الفني والوعي الثقافي. وقد جاء المسلسل، الذي بلغ طول كل حلقة من حلقاته 50 دقيقة، متواضعا رغم كل شيء، وحين عُرض في العراق وجنوب لبنان ومناطق أخرى لم يلق تجاوبا حتى من الجمهور الذي أُريد له أن يخاطبه. ويبدو أنّ المزاج العربي -حتى الشيعي منه- لا يتفق مع الفهم الإيراني للتاريخ العربي والإسلامي.

وتعاقبت بعده مسلسلات دينية وتاريخية عدة منها “ولايت عشق”، “يوسف الصديق”، “حضرت مريم”، “حضرت مسيح”، و”موسى الكليم”، وقد لاقت كل هذه المسلسلات في الغالب اعتراضات شديدة حتى على محتواها مما دفع بمنتجي مسلسل “موسى الكليم” إلى التوقف عن إنتاجه. ولا بد من تكرار القول هنا بأنّ حجم الاستقطاب الطائفي الحاد الذي سيطر على المشهد السياسي والاجتماعي العربي والإسلامي خلال العقدين الأخيرين ربما كان من جملة أسباب ابتعاد المشاهد العربي عن المسلسلات التاريخية الإيرانية.

ولاحظ مراقبون أن الإيرانيين في إنتاجاتهم الثقافية بشكل عام وخاصة الدرامية منها ليست لديهم مادة تاريخية يمكن أن يروّجوها عن أنفسهم لأن النظام الإيراني نظام يقول عن نفسه أنه إسلامي، وبالتالي فإن أيّ إنتاجات درامية ستتناول وقائع أغلبها كان في المنطقة العربية، وبهذه الكيفية، فإن أغلب المضامين التاريخية للدراما الإيرانية فيها قراءات مبنية على معتقد أيديولوجي وطائفي من شأنه أن يؤثر في المتقبّل العربي ويخلط عليه الأوراق ويزيّف له الحقائق، خاصة وأن الأعمال الإيرانية تنزع دوما نحو الحديث عن الأنبياء والأحداث الدينية التاريخية التي يمكن أن تؤثر مباشرة على المتقبّل العربي باعتباره ميالا بالفطرة إلى التديّن.

وفي خط مواز، أنتجت شبكات التلفزيون الإيرانية وخاصة منها المرتبطة بالقطاع الخاص، المئات من المسلسلات الدرامية العصرية عالجت موضوعات هامة، لكنها في الغالب تختص بالمجتمع الإيراني مباشرة ولم تنجح في الوصول إلى قلب المشاهد العربي ووعيه، لا سيما وأنّها تاهت في دوامة الصراع على ترجمتها أو دبلجتها إلى العربية الفصحى أو إلى العامية العراقية، أو إلى العامية الخليجية، أو إلى العامية اللبنانية، وهو ما خلق جدلا في أوساط التلفزيونات الرسمية أدّى في الغالب إلى عدم وصول هذه المسلسلات للمشاهد العربي.

ومن باب المقارنة بين البلدين الجارين، فقد دخلت المسلسلات التركية على الجمهور الإيراني في بيته من خلال القنوات الفضائية التي تلتقطها أجهزة الستلايت المخفية بعناية في أبراج الطيور على أسطح منازل الإيرانيين.

وتقوم شبكة “جيم تي في” الإيرانية الدولية، التي يوجد مقرها الرئيسي في لندن وتمتلك مكتبا في دبي ومكتبا شبه علني في طهران، بترجمة المسلسلات التركية وتتولى بثها إلى الجمهور الإيراني في داخل إيران وإلى نحو 5 ملايين إيراني مهاجر في أنحاء العالم (في الولايات المتحدة وأوروبا بالدرجة الأولى).

وهذه المسلسلات التي تبث على مدار اثنتي عشرة ساعة في اليوم تُغرق وعي المشاهد الإيراني ونجحت إلى حد كبير في جذبه بعيدا عن برامج وزارة الإرشاد والثقافة الإسلامية التي لا تغادر حدود ولاية الفقيه.

وبخصوص المسلسلات التاريخية العربية، فما يؤخذ عليها بشكل عام هو محاولة منتجيها تقليص قائمة النفقات، مما يُظهر الأداء هزيلا وغير مقنع للمشاهد الذي يقارن بين ما يراه في التلفزيون العربي وبين ما تعرضه أجهزة التلفزيون الدولية عبر الفضائيات، وما تضخّه شركات الإنتاج التلفزيونية التركية المتفوقة في هذا المجال، حيث تفتقد المسلسلات العربية وخصوصا التاريخية منها بالدرجة الأولى إلى القدرة على الإقناع. فالممثلون يتحدثون بلغة فصحى مفتعلة في الغالب ولا تدخل وجدان المشاهد، والقلاع الخشبية وصخور الفلين والإسفنج المطلية بألوان فقيرة والسيوف البلاستيكية والدروع المطاطية والأحزمة غير الجلدية تثير قرف المشاهد وتدفع به إلى تغيير القناة دون انتظار ما ستسفر عنه الأحداث.

كما أنّ افتقار السيناريو التلفزيوني الدرامي إلى نصوص تاريخية مكتوبة بشكل مثير يُقنع المشاهد حتى إذا تجاهل دقتها يمثل سببا آخر لفشل المسلسلات التاريخية في التلفزيون العربي. وهذا الغياب العربي التلفزيوني هو الذي دفع بالمشاهد إلى الارتماء في أحضان المسلسلات التركية، فالمنافسة هنا شبه معدومة وليس أمامه سوى خيار واحد.

كاتب عراقي

6