تركيا تسير على ألغام ما بعد حقبة أردوغان

تفشي فايروس كورونا يشكل فرصة تلقفها الرئيس التركي لإحكام قبضته وتعزيز سلطته في البلاد.
السبت 2020/04/04
تمدد الاستبداد في عصر كورونا

يطرح تزامن الأزمة الاقتصادية في تركيا مع تفشي فايروس كورونا تحديا جديدا أمام الأتراك وخاصة أمام خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان بشأن ما ينتظر البلاد من غموض سياسي. ويعتقد المتابعون أن تلقّف حزب العدالة والتنمية لما وفّره الوباء من مجال لتعزيز سلطات الرئيس التركي يمثل الفرصة الأنسب لتخيل المشهد السياسي الملغم قبل نهاية حقبة أردوغان.

أنقرة – يحكم الرئيس رجب طيب أردوغان تركيا منذ سبعة عشر عاماً، لكن مع تزامن فايروس كورونا مع أزمة اقتصادية وفي أعقاب هزائم في الانتخابات المحلية العام الماضي، يرى بعض المراقبين أن هذا هو الوقت المناسب لتخيل المشهد السياسي لحقبة ما بعد أردوغان.

وقال نيكولاس دانفورث، الباحث في صندوق مارشال الألماني، إن بحثه الجديد لمعهد واشنطن بشأن “آفاق الديمقراطية التركية: 2023 وما بعدها”، كان إلى حد كبير بدافع هذه الفكرة.

وأكد دانفورث لموقع أحوال تركية في تسجيل صوتي “كيف يتصور تسليم الجهاز الحاكم الذي أنشأه؟ كيف يتخيل استمرارية بناء رؤيته لتركيا؟ قد يفعل ذلك على نموذج الخلافة. قد يكون لديه شخص يرث الحكومة منه”.

ويرى المراقبون الأكثر تفاؤلاً تركيا بعد أردوغان تعود إلى ديمقراطية ليبرالية مؤيدة للغرب على نحو موثوق. وقال دانفورث “كلما استمر المسار الحالي، كان من الصعب تخيل ذلك”.

توظيف كورونا

ويتواصل اجتياح فايروس كورونا لتركيا، إذ تجاوز عدد حالات الإصابة عتبة 13 ألفا الثلاثاء (إلى جانب 214 حالة وفاة)، مما جعل تركيا من بين الدول العشر الأكثر إصابة في العالم. ويوم الاثنين، قرر أردوغان عدم فرض إغلاق كامل، وبدلاً من ذلك حثّ المواطنين الأتراك على الحفاظ على سير عجلة الاقتصاد من خلال استمرار الإنتاج.

نيكولاس دانفورث: الخطر القادم هو ألا يحترم أردوغان نتيجة أي انتخابات يخسرها
نيكولاس دانفورث: الخطر القادم هو ألا يحترم أردوغان نتيجة أي انتخابات يخسرها

كما دعا أردوغان الأتراك الأثرياء إلى التبرع لصندوق فقراء البلاد، وساهم براتبه لمدة سبعة أشهر. لكن في مؤشر محتمل على مخاوف حزب العدالة والتنمية الحاكم من منافسيه السياسيين، منعت الحكومة التبرعات للحملات الخيرية البلدية، وسمحت فقط بالمساهمات في الصندوق الوطني.

وفي العام الماضي، فقد حزب العدالة والتنمية السيطرة على رئاسة بلديات عدة مدن كبرى، بما في ذلك إسطنبول وأنقرة، حيث تولى مرشحون من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي مسؤولية المناطق الحضرية التي تمثل نحو ثلثي الناتج الاقتصادي للبلاد.

ومن الواضح أنه توجد منافسة ناشئة بين أردوغان ورئيس بلدية إسطنبول الجديد، إكرام إمام أوغلو المنتمي لحزب الشعب الجمهوري، فقد تنازعا علنا بشأن المشاريع الضخمة في المدينة وكذلك الاستجابة لفايروس كورونا، كقضية من بين قضايا أخرى. وقد فاز إمام أوغلو على أردوغان وآلة حزب العدالة والتنمية مرتين في العام الماضي، الأولى في الانتخابات المحلية في مارس، ثم مرة أخرى في إعادة الانتخابات في يونيو، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى مساعدة حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وكما هو الحال في عدد من المدن الكبرى الأخرى، قرر حزب الشعوب الديمقراطي عدم الدفع بمرشحيه في إسطنبول ووضع دعمه وراء حزب الشعب الجمهوري. وقال دانفورث “كان حزب الشعوب الديمقراطي حتى الآن بارعاً نسبياً في رؤية كيف يمكنه أن يلعب دوراً في دعم مرشحي حزب الشعب الجمهوري الذين يمكنهم الفوز فعلا.. بالتأكيد أرى ذلك يحدث مرة أخرى”.

ويؤكد دانفورث أن الخوف من قوة هذا التحالف هو الذي يدفع حملة الحكومة لانتزاع سلطة حزب الشعوب الديمقراطي في جنوب شرق تركيا بشكل أساسي.

 واحتجزت السلطات التركية ثمانية من رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي الأسبوع الماضي وعيّنت إداريين في مواقعهم. وقد تم فصل حوالي 40 من رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي منذ إجراء الانتخابات قبل عام، في حين أن كبار الشخصيات السابقة في حزب الشعوب الديمقراطي مثل صلاح الدين دميرطاش في السجن منذ عامين أو أكثر.

وتابع دانفورث قائلا “يحاول أردوغان، من خلال اتخاذ إجراءات متشددة ضد حزب الشعوب الديمقراطي، تفكيك هذا التحالف الجديد وخلق وضع يضطر فيه حزب الشعب الجمهوري للرد”، مضيفاً أنّ حزب العدالة والتنمية ومؤيديه أشاروا على مدى سنوات إلى أن حزب الشعب الجمهوري متحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني المحظور.

ويعتقد أردوغان، وفقاً لما ذكره دانفورث، أن حزب الشعب الجمهوري إما سيدين هجمات الحكومة على حزب الشعوب الديمقراطي في نهاية المطاف، مما سيجعل الحزب بالنسبة لكثير من الناخبين يبدو متعاطفاً جداً تجاه القضايا الكردية، وإما سيغض الطرف عنهم، الأمر الذي من المرجح أن يدفع حزب الشعوب الديمقراطي إلى إنهاء التحالف.

وقال دانفورث “حتى الآن يبدو أن هذه الأساليب لم تنجح، وأن معارضة أردوغان قوية بما يكفي بحيث يقول الناس من الجانبين على الأقل إن التحالف سيستمر”، مضيفاً أن هذا سيظهر في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية ويحتمل أن يُضعف التحالف.

الوباء تشتد وطأته على الاقتصاد
الوباء تشتد وطأته على الاقتصاد

ويرى الباحث المرموق في معهد واشنطن مستوى معيناً من اليأس في دائرة أردوغان لتجنب الإحراج في عام 2023 مثلما حدث في إعادة انتخابات إسطنبول العام الماضي، والتي فاز فيها إمام أوغلو بفارق كبير. ويقر دانفورث بخطر ألا يحترم الرئيس نتيجة أي انتخابات يخسرها.

كما اتفق دانفورث مع المحلل أيكان إردمير، عضو البرلمان التركي السابق، الذي يخشى أن يستخدم أردوغان أزمة فايروس كورونا لسن إجراءات قاسية من شأنها تعزيز سلطته. ويرى دانفورث أن هذا الأمر محتمل بشكل متزايد حيث أن الوباء تشتد وطأته على الاقتصاد.

وقال دانفورث “إذا شهدنا أزمة اقتصادية حقيقية وعميقة ودائمة بسبب الوباء الحالي، فسيشكل ذلك تهديداً للحكومة ويبدو أنه من المحتمل تماماً أن يستخدموا نفس الأزمة لحماية أنفسهم منها ربما بطرق غير ديمقراطية”.

وإذا تجنبت تركيا ذلك بطريقة أو بأخرى وكانت الانتخابات التالية حرة ونزيهة نسبيا، فسيكون العنصر الحاسم هو قدرة الناخبين الأتراك على الالتفاف حول فكرة محاسبة حكومة أردوغان، وفقاً لما ذكره إردمير.

وقال إردمير لموقع أحوال تركية في تسجيل صوتي “عندها ستصبح لدى المعارضة التركية، التي حظيت بسلسلة جيدة من الانتصارات في الآونة الأخيرة، قدرة متنامية على تشكيل تحالفات، وسد الفجوات وإثارة الأمل والحماس.. ثم يمكن أن يكون لدينا انتقال ديمقراطي سلمي ويمكن لتركيا أن تترك تدريجياً هذه المرحلة الاستبدادية التنافسية”.

مستقبل غامض

وفي الواقع، إذا انتصر أي مرشح للمعارضة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقرر إجراؤها في أواخر عام 2023، يأمل القادة الغربيون في أن تتحرك تركيا لإصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، ولقطع العلاقات الوثيقة مع روسيا ولتبني سيادة القانون.

أيكان إردمير: تحالف المعارضة يؤدي لانتقال ديمقراطي سلمي
أيكان إردمير: تحالف المعارضة يؤدي لانتقال ديمقراطي سلمي

وقال دانفورث “حتى لو فاز شخص مثل إمام أوغلو، فمن الصعب أن نتخيله يفعل ذلك”، مضيفاً أن كثيرين يخشون من أن البديل طويل المدى لأردوغان ليس من الليبراليين العلمانيين، بل من القوميين المتدينين اليمينيين. وأضاف “قد لا يكون من الإسلاميين، لكنه لن يكون من النوع الذي يريد الليبراليون في الغرب العمل معه”.

وحافظ الرئيس التركي على سيطرته على حزب العدالة والتنمية أثناء فترة رئاسته، ولكن نتيجة لذلك أصبح الحزب الآن مرتبطاً ارتباطا وثيقا به لدرجة أنه من الصعب تخيل استمراره بعد رحيله بأي شكل دائم. وكشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة ميتروبول في أكتوبر 2019 أنه من بين جمهور الناخبين، اعتقد 22 في المئة فقط أن حزب العدالة والتنمية يمكن أن يستمر بعد أردوغان، في حين قال حوالي الثلثين إن الرئيس عمل على تماسك الحزب.

كان لدى ناخبي حزب العدالة والتنمية ثقة أقل في مستقبل الحزب دون أردوغان. يعتقد ما يقرب من ثلاثة أرباع الناخبين (73 في المئة) أن أردوغان فحسب هو القادر على قيادة الحزب. قد يكون هذا هو السؤال الحاسم عندما يستعد الرئيس للخروج – مدى قدرة حزب العدالة والتنمية، أو أي حزب آخر، على الحفاظ على تحالف محافظ متنوع يضم إسلاميين ووطنيين وقوميين متشددين.

كما سأل استطلاع ميتروبول الناخبين عن الشخصية السياسية الأفضل لمواصلة إرث أردوغان. جاء وزير الداخلية سليمان صويلو في المقدمة، بنسبة 19 في المئة. وجاء في المرتبة الثانية بنسبة 13 في المئة وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، صهر أردوغان، الذي كان يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه مرشح الرئيس المفضل للخلافة.

لكن دانفورث قال إن الانتقادات واسعة النطاق لإدارة البيرق للاقتصاد، بالإضافة إلى الخطر الاقتصادي المستمر في تركيا والشائعات حول المشاكل الزوجية مع إسراء ابنة أردوغان، قوّضت بريقه.

وفي استطلاع ميتروبول، جاءت ثلاث شخصيات بارزة لها علاقات طويلة الأمد مع أردوغان لكنها انفصلت عن حزب العدالة والتنمية وهم الرئيس السابق عبدالله غول وقيصر الاقتصاد السابق علي باباجان، الذي أطلق حزبه الشهر الماضي، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي أطلق حزبه في نوفمبر.

ويتوقع دانفورث خلافة متنازعاً عليها بين هذه الشخصيات الرئيسية، وربما شخصيات أخرى، حينما يغادر أردوغان، وستؤدي الضجة لملء فراغ السلطة إلى خطاب سياسي أكثر تطرفاً قد يدفع تركيا بعيداً عن الغرب أكثر.

وقال دانفورث “بالنظر إلى مدى انتشار معاداة أميركا ومعاداة الغرب في تركيا، كلما كان لديك منازعات على القيادة وصراع للسيطرة على الدولة بعد أردوغان، ازدادت الصعوبة على أي شخص يأتي إلى السلطة يريد اتباع مسار عملي أو غير شعبوي لمحاولة التصالح مع الولايات المتحدة”.

6