تركيا تشيطن الغرب لإحكام سيطرة "السلطان"

لم يعد خافيا أن السياسات التركية التي جاءت ردا على محاولة الانقلاب الفاشل في 15 يوليو الماضي هي مناورات متعمّدة ومدروسة، حيث تبرهن حملات الاعتقال والتطهير على المستوى الداخلي والابتعاد المقصود عن الغرب، وبالتحديد الولايات المتحدة، أن هناك أهدافا محددة تعمل تركيا على تحقيقها من ذلك تعزيز قاعدة الدعم المحلي والحلم مجددا بالدور الإقليمي النافذ والمؤثر.
الخميس 2016/09/15
فن توجيه المشاعر العامة

لندن – استغلت أنقرة محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة وقامت بتوظيفها على عدة مستويات، سياسية وعسكرية وأيديولوجية، وبطريقة تمكنها من فرض أمر واقع جديد داخل الجمهورية التركية “الأتاتوركية” لتنقلها إلى عصر العثمانية الجديدة.

ولم يقتصر التوجه نحو الداخل فقط بل شمل أيضا إعادة توجيه السياسة الخارجية بطريقة تدعم المرحلة الجديدة التي يطمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن يحقق من خلالها نفوذا إقليميا يتوسع بالتوازي مع توسع نفوذه الداخلي.

ويرى خبراء في الشأن التركي، أن أصحاب القرار في تركيا يتعمّدون “المظلومية” بالقول إن بلادهم تحت خطر مؤامرة يحيكها لهم الغرب الذي لا يرغب لتركيا في أن تنهض كدولة إسلامية ذات نفوذ دولي، ويغذون الجمهور التركي بأيديولوجيا تحيي وتمجّد المرحلة العثمانية وتدعو إلى عهد عثماني معاصر.

ونتيجة ذلك، يعتبر عدد كبير من الأتراك أن “الولايات المتحدة تريد إلحاق الضرر بأردوغان لأنه قائد قوي حوّل تركيا إلى قوة إقليمية”؛ فيما يشير متابعون إلى أن أغلب المشكلات التي تعاني منها تركيا الآن مع الدول الكبرى هي صنيعة الرئيس التركي الذي يرغب في التكبير من حجم هذه المشكلات وتوظيفها داخليا لإحكام سيطرة الرئيس/السلطان مطلق الصلاحيات.

ويشكّل تأجيج العداء للدول الغربية وسيلة فعّالة للتعامل استباقيا مع التدقيق الدولي المحتمل، فالموجة الأخيرة من مشاعر العداء للولايات المتحدة تهدف إلى تجريد أي قرار قد يصدر في المستقبل عن محاكم أميركية أو إيطالية من المصداقية ووضعه في خانة التدخّلات الأجنبية. ولا يبالي من يعملون على تأجيج هذه العداوة بأنه ليست لدى الولايات المتحدة، في الواقع، مصلحة استراتيجية في تقويض النفوذ التركي بواسطة انقلاب أو غير ذلك.

ويرى باحثون ومتابعون للشأن التركي أن تركيا تربط التغيّر الداخلي الجديد بعد محاولة الانقلاب بانعطافة في السياسة الخارجية لتظهر أن الرئيس التركي حقق نجاحات سريعة ولكنها في الواقع نجاحات وهمية ناتجة عن تنازلات.

ومن بين هؤلاء الباحثين قدير يلدريم، الذي نشر مؤخّرا دراسة على موقع مؤسسة كارنغي لدراسات السلام، يحلّل فيها التوجهات التركية بعد محاولة انقلاب 15 يوليو الفاشل، وكيف أن ابتعاد تركيا عن الغرب منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة هو تكتيك متعمّد لتعزيز قاعدة الدعم المحلي للحكومة التركية والاضطلاع بدور إقليمي تركي أقوى.

وقد صرّح قدير يلدريم لـ“العرب” بأن “المسؤولين الأتراك عمدوا إلى تشويه وتكبير الموقف الغربي تجاه تركيا بقولهم إنهم يدعمون الأكراد ضد تركيا، وإن الغرب كانت له اليد الطولى في محاولة الانقلاب، وكل هذا هو نوع من سياسة مدروسة لتقوية الحزب الحاكم وسلطات أردوغان المطلقة”.

المسار الجديد في السياسة الخارجية الذي تطمح إليه الحكومة التركية استغل محاولة الانقلاب لمصلحته

تشابك الداخلي مع الخارجي

في أعقاب المحاولة الانقلابية، ركّزت السياسة الخارجية التركية أنظارها نحو الشرق. ويعكس هذا التحول، خلافا للاعتقادات السابقة، خيارا متعمدا اتّخذته أنقرة، ويعود إلى ما قبل مرحلة 15 يوليو. ويظل الدافع وراء هذا التغيير هو الرغبة في تعزيز مكانة الحكومة داخليا واعتماد سياسة خارجية أكثر استقلالية وقوة.

وفي هذا المستوى يرى يلدريم، الباحث في الشؤون التركية بمعهد باكر، أن التحاليل الراهنة للسياسة الخارجية التركية تحض الغرب على إظهار تضامن أكبر مع المسؤولين “المنتخبين” الأتراك والمواطنين الذين عارضوا التدخلات “غير الديمقراطية”.

وتشير هذه التحليلات إلى أن تركيا بحاجة إلى “أصدقاء منطقيين” في هذا الظرف، الذي شهد اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص ومحاكمتهم وتعذيبهم بتهمة التخطيط للانقلاب أو الإرهاب.

ويفترض المحللون أن الحكومة التركية تتّبع نمط البقاء عبر الاكتفاء بالاستجابة إلى التطورات المحلية والدولية. وفي حال خرجت تركيا من المدار الغربي، سوف يُلقى باللوم مباشرة على الغرب لإخفاقه في التجاوب مع المطالب التركية، كما جاء على لسان وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو.

وتغفل هذه التحاليل، وفق يلدريم، عن الطبيعة الحميمية والتفاعلية و”المتشابكة” للسياسات الخارجية والمحلية، فمثلما أن السياسة الخارجية قادرة على رسم اتجاه السياسة المحلية، فإن اعتبارات السياسة المحلية بإمكانها أن تطبع السياسة الخارجية بشكل حاسم. ويقول يلدريم في هذا الخصوص “اللغة الداخلية التي يستخدمها الرئيس أردوغان وحكومته مختلفة عن اللغة الخارجية، وهذا أمر كان ملموسا في اجتماع قمة العشرين”.

ويرى يلدريم أن المناورات التي تلجأ إليها تركيا في السياسة الخارجية ردا على المحاولة الانقلابية، ظلت متعمّدة ومدروسة وتأتي نتيجة خيار اتّخذه المعنيون، وهي ليست رد فعل أو قرارا عاطفيا، بحسب الاعتقاد الشائع.

ويخدم التعديل في توجُّه السياسة التركية أهدافا محلية ودولية على حد السواء، فعلى المستوى المحلي، يسعى هذا التعديل إلى تعزيز قاعدة الدعم للحكومة.

قدير يلدريم: معظم الجنرالات الذين جرى تسريحهم كانوا موالين لحلف شمال الأطلسي

ويؤكد يلدريم أن المحاولة الانقلابية ولّدت أجواء كاد الناس ينسون فيها مزاعم الفساد التي انتشرت على نطاق واسع اعتبارا من العام 2013 ضد شخصيات قيادية في حزب العدالة والتنمية، ومنهم الرئيس أردوغان.

لكنّ تدقيقا دوليا جديدا انطلق للبحث في اتهامات الفساد على خلفية تطوّرين اثنين، التطور الأول مرتبط باعتقال مواطن إيراني-تركي يدعى رضا زراب في ميامي بتهمة التهرب من العقوبات الإيرانية. وتشير وثائق صادرة سابقا عن المحكمة إلى أنه كانت تجمعه روابط عدة بمسؤولين أتراك كبار.

أما التطور الثاني فقد حصل في إيطاليا، حيث يخضع بلال، نجل الرئيس أردوغان، إلى التحقيق بتهمة “تبييض مبلغ قدره حوالي مليار يورو (1.12 مليار دولار أميركي)”. ويمكن أن تتسبّب هاتان القضيتان في خسارة الحكومة التركية للمكاسب التي حققتها لتثبيت شرعيتها في الداخل منذ العام 2013.

ويرى يلدريم أن الحكومة التركية أتقنت فنّ توجيه المشاعر العامة انطلاقا من اعتبارات قومية ودينية، وليست صدفة أن واشنطن أصبحت محط الشكوك في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو (إما بصورة مباشرة عبر اتهامها بتنظيم الانقلاب، وإما بصورة غير مباشرة عبر اتهامها بتحريض غولن).

ويقول يلدريم “أردوغان يمتلك سلطات وصلاحيات خارج الدستور التركي، فنظام الحكم في تركيا من الناحية النظرية هو نظام برلماني ولكن من الناحية العملية هو نظام رئاسي، فرئيس الوزراء صلاحياته محدودة أمام السلطة شبه المطلقة عند أردوغان”. ويضيف أن “أردوغان سيلجأ إلى تحويل نظام الحكم إلى رئاسي بشكل رسمي لتلافي هذه المشكلة”.

ومن شأن التحول في السياسة الخارجية أن يمنح تركيا استقلالية أكبر في تنفيذ تطلعاتها الإقليمية (الحافلة بالمغامرة على الأرجح)؛ فهو يعكس خيارا متعمدا من الجانب التركي. وفي هذا الإطار، ترتدي التغييرات الواسعة النطاق على مستوى كبار الضباط في الجيش منذ 15 يوليو، أهمّية محورية.

ولا توجد حتى الآن صورة واضحة عما حدث يوم 15 يوليو، لكن معلوم أن معظم الجنرالات الذين جرى تسريحهم كانوا من الموالين لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وقد اشتكى الجنرالات الأميركيون من تسريحهم، معربين عن مخاوفهم من “التأثيرات التي يمكن أن يمارسها الانقلاب الفاشل في المدى البعيد على عمليات مكافحة الإرهاب”.

وبسؤاله حول نقطة أساسية تخص الجيش التركي، الذي سيملأ الفراغ داخله عبر تعيين جنرالات مقرّبين من “المواقف الأوراسية والمؤيدة لعدم الانحياز”، مما قد يُحدث تحولا في “الثقافة الاستراتيجية” للمؤسسة العسكرية، وهو تحول لن يكون عاديا، يجيب يلدريم بالقول “المسؤولون في تركيا يسعون إلى أسلمة الدولة بشكل كامل كما هو الحال في إيران، ولكن ذلك صعبة التحقق، إلا إذا أعطيت للحزب الحاكم والرئيس أردوغان فترة طويلة، أكثر من عقد مثلا، عندها تكون الدولة التركية قد دخلت مرحلة الخطر”. وشكّل الجيش التركي، لا سيما القيادة الموالية للناتو، الآلية الوحيدة التي تحول دون وضع سياسة خارجية هشّة في الأعوام الأخيرة. وخير مثال على ذلك السياسة التركية في الملف السوري؛ وتسريح نحو 45 بالمئة من الجنرالات، هي خطوة كبيرة بكل المقاييس، وتؤشّر على تخطيط متأنّ لإعادة تكوين الجيش وهيكليته.

يبدو التطلع التركي لتأدية دور أكبر بالمنطقة متجذّرا في الرغبة في إعادة إحياء المنظومة “النيوعثمانية”، حيث تؤدّي تركيا من خلالها دورا قياديا في الشرق الأوسط

سوريا تقلب الموازين

يبدو التطلع التركي لتأدية دور أكبر بالمنطقة متجذّرا في الرغبة في إعادة إحياء المنظومة “النيوعثمانية”، حيث تؤدّي تركيا من خلالها دورا قياديا في الشرق الأوسط. وقد سعت أنقرة، قبل بدء “الفوضى السورية” إلى تحقيق هذا الهدف استنادا إلى اقتصادها المزدهر وإنشاء مناطق نفوذ في المنطقة عبر السياسة الخيالية التي وضعها رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو تحت عنوان “صفر مشاكل”.

لكن هذه المقاربة فشلت منذ أن تفكّكت سوريا، واعتمدت الحكومة الحالية، بدلا منها، سياسة “الردع العسكري”. ويتسبب التزام تركيا بحلف الناتو والجنرالات الموالون لهذا الحلف في صفوف الجيش، في عرقلة السعي إلى تطبيق هذه السياسة الخارجية الجديدة المستقلة، حيث تؤدّي حملة التطهير التي طالت الجيش التركي دورا مصيريا في هذا السياق.

ويقول يلدريم “الانعطافة التركية في سوريا تعود إلى وجود تفاهمات بين أردوغان وبوتين ولا سيما بعد اللقاء الشهير في موسكو، ولذلك غيرت تركيا لهجتها من أجل القبول ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية”.

ويؤكد لـ“العرب” على أنه “لولا محاولة الانقلاب لما استطاع أردوغان التدخل العسكري في سوريا، نظرا إلى طرده لأغلب الجنرالات الذين كانوا يعارضون الانخراط العسكري في المنطقة”. ويضيف “التدخل العسكري في سوريا هو لمواجهة التوسع الكردي ومنع ظهور كردستان سوريا وليس من أجل محاربة داعش بالدرجة الأولى”.

واقع الحال هو أن المسار الجديد في السياسة الخارجية الذي تطمح إليه الحكومة التركية استغلّ محاولة الانقلاب لمصلحته. فعبر الإشارة بأصابع الاتهام إلى الغرب ووصفه بأنه ساعد على تنفيذ محاولة الانقلاب، جرى اختلاق تبرير لفتح صفحة جديدة في السياسة الخارجية من أجل ضمان الاستقرار في الداخل. وعبر تصوير الانقلاب الفاشل على أنه مدعوم من الغرب ويشكّل بالتالي تهديدا للأمن القومي، جرى فرض مجموعة كاملة من السياسات التقييدية فضلا عن اللجوء إلى التعذيب وقمع المعارضين وحظي ذلك كله بدعم شعبي واسع. وبناء عليه، لا يمكن فهم أبعاد التطور السريع في السياسة التركية من دون الإقرار بوجود رابط قوي بين السياسات المحلية والخارجية.

ويختم يلدريم مؤكدا على أن “التغير في السياسة الخارجية وتغيير أدواتها بالعودة إلى القوة الناعمة من جديد هما لتمكين نفوذ الرئيس التركي داخليا وتمكين تركيا خارجيا من أجل لعب دور أكبر في الشرق الأوسط”.

6