تركيا تصافح الرياض.. ليس أكثر من ذلك

الخميس 2015/12/31

دعونا نسترجع بعض الذكريات لكي لا يغيب عن أذهاننا من هو أردوغان وكيف يتعامل مع الأحداث التي تدور في الساحة القريبة منه. الأمر المؤكد أن تركيا برئاسته سعت إلى الإطاحة بنظام صديقه الشخصي والعائلي السابق بشار الأسد لأسباب غير مفهومة بالنسبة إليّ حتى الساعة. ولكنه مطلب عادل جدا لا يختلف معه عليه اثنان.

هذا موقف تتفق فيه السعودية معه بعد الأحداث الدامية التي مرت بسوريا ومقتل الشعب السوري الشقيق على يد ذلك الدكتاتور الذي قتل أكثر من ثلاثمئة ألف. ما حدث لاحقا من تركيا يصب في خانة العادة الإخوانية لا البراغماتية السياسية، فقد أصبحت تركيا هي المنفذ الوحيد الذي يتوجه إليه من كل دول العالم كل من يريد الدخول والانضمام للمقاومة السورية من الخارج أو أولئك المغرر بهم من المنضمين لداعش. وحينما نتحدث عن دعم تركي لداعش فنحن لا نتحدث عن القيادة التي صنعتها إيران، إنما نتحدث عن قيادات الجماعات الداعشية من المغرر بها والتي انضمت إلى داعش عن طريق البوابة التركية. وفيما كان الغرب يتهم تركيا بتسهيل دخول الراغبين بالانضمام إلى داعش كانت هي تهمهم بعدم التعاون الأمني معها، فإن من المعروف أن الهجوم على مدينة “عين العرب” السورية الذي قام به الدواعش كان من الجانب التركي، ولا يعني النفي الحكومي التركي لحدوث ذلك بأنه لم يحدث.

إضافة إلى الكثير من المؤشرات لذلك فإن اللقاء الذي أجراه مراسل صحيفة “ديرشبيغل” حسنين كاظم مع رئيس مكتب تجنيد داعش في تركيا، وإن كنت أشك في ذلك اللقاء إلا أن حدوثه معناه أن تواجد “أبو ستار”– وهو الشخصية التي تم معها اللقاء – في إسطنبول كان بمعرفة وإدراك من المخابرات التركية. وتنحصر مهمة هذا الداعشي في اختبار نوايا الراغبين في الالتحاق بداعش وإرسالهم إليها. هذا أمر لا يتم دون علم الاستخبارات التركية حتى لو كان ذلك اللقاء مفبركا وغير صحيح، لأن مسألة الالتحاق بداعش لا بد لها من وسيط.

كذلك الحال في ما فعله مركز “غلوبال ريسيرتش سنتر” الذي كشف عن توفير تركيا لحماية خطوط تموين داعش وتدفق مقاتليه، وأن التنظيم يحصل على التمويل المالي من خلال الرهائن التي تدفع له الفدية عبر الحدود التركية وكذلك المبالغ التي يحصل عليها من مرور الشاحنات من وإلى تركيا. هذه ازدواجية لا يمكن الثقة في من يمارسها. ويبدو هنا أن توماس فريدمان صادق في توقعاته حيال تردد الرئيس أوباما في ما يتعلق بسوريا وأن سبب ذلك أن عدوه “داعش” همجي وأن حلفاءه الإقليميين ومنهم “تركيا” ولا شك يمارسون الازدواجية وأن حلفاءه الأوروبيين غير مؤثرين.

التعامل التركي مع “داعش” في الداخل السوري لم يختلف عن تعامل التحالف أو التعامل الروسي حديثا. وقد بدأ ذلك التعامل بعد أن اعتقلت داعش نحو خمسين موظفا تركيا في القنصلية التركية بالموصل، وهو الأمر الذي سمح لأردوغان بأن يمنع استخدام قاعدة إنجرليك ضد داعش بحجة الخوف على مواطنيه. وبعد فترة أطلقت داعش سراحهم دون أي ضرر أصابهم وهي ليست من عادة داعش، وكانت تركيا قد رفضت الانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لضرب داعش بحجة وجود رهائن لديها ولم تشارك كذلك بعد الإفراج عنهم.

بل على العكس فقد طالب أردوغان ولا زال يطالب بحظر الطيران فوق الشمال السوري وطالب ولا زال يطالب بمنطقة آمنة في الشمال السوري وهي المنطقة التي يتحرك فيها الدواعش بحرية. هذه المطالبة وإن كانت حقا من حقوق تركيا لضمان استقرار المنطقة الحدودية مما يساهم في تحقيق الأمن لتركيا، إلا أن الشمال السوري منطقة حرة للدواعش إضافة إلى أنها منطقة لتحرك قوافل الصهاريج للنفط الداعشي. وكانت السفارة الروسية في تركيا قد نشرت صورة لاستطلاع رأي في صحيفة “آكيت” قام به الصحفي التركي “ديليباك” وهو شخصية مقربة من الرئيس أردوغان واضطر لحذفه بعد أن صعقته النتيجة التي قالت إن 78 بالمئة من المصوتين بأن المشتري للنفط الداعشي هي الحكومة الأردوغانية وليست سوريا الأسدية أو روسيا البوتينية. وفجأة ودون أي مبررات قررت تركيا الانضمام للتحالف وفتحت قواعدها العسكرية بحجة مقتل جندي تركي ثم استغلت ذلك لتهاجم حزب العمال الكردستاني ولم تهاجم أي موقع لداعش أسوة بدول التحالف وروسيا لاحقا.

ورغم هذا التاريخ التركي التعاوني مع داعش، إلا أن هذا التنظيم واتباعا لتعليمات طهران استهدف تركيا بتفجير مزدوج أدى إلى مقتل نحو مئة شخص. ثم اكتشف الأمن التركي بعد فترة وجود ثمانية أشخاص من الانتحاريين الدواعش ينتمون إلى التنظيم وهم يتجولون في تركيا بحثا عن هدف مناسب. الحقيقة أن أردوغان تغير موقفه من داعش بعد التدخل الروسي في سوريا الذي كشف الدور التركي وعمليات بيع وشراء النفط الداعشي والصهاريج التي تدخل إلى تركيا وتخرج منها إلى داعش في الشمال السوري، إضافة إلى التهديد الروسي بالتعامل مع أي تدخل تركي في سوريا، وهو ما دعاه إلى أن يتحدث بكثرة في الفترة الماضية عن أضرار ومساوئ وجود الفرق والتنظيمات الإسلامية في سوريا أو غيرها، وهو ما يعيد التحذيرات السعودية من طهران وألاعيبها في المنطقة والتي لم تنتبه لها تركيا أو تهتم بها. ثم أتبع ذلك بظهور أردوغان في قناة العربية التي يتهمونها بالتصهين والتي ظلت لسنوات طويلة تحت نيران الإخوان المسلمين وتحديدا منذ نشأتها وحتى الآن.

المحادثات السعودية التركية ستتركز حول سوريا ومصر وروسيا ولن تخرج عن إطار الدول الثلاث. ورغم الاختلاف الكبير في سياسة الدولتين نحو تلك الدول واتفاقها حول تنحية الأسد، فإن الحاجة الآن تبدو ماسة إلى نوع من الاتفاق بين الدولتين. إضافة إلى ذلك فإن العامل الاقتصادي هام في هذه الزيارة، فقد قام الرئيس التركي بزيارة الشهر الماضي إلى قطر حيث وقع معها عددا من الاتفاقات لشراء الغاز، ثم زار أذربيجان لذات السبب واستقبل قيادات من شمال العراق لنفس السبب وها هو الآن يتوجه إلى السعودية وسيكون هذا الجانب من أهم النقاط التي سيبحثها الرئيس التركي مع العاهل السعودي.

فقط دعونا نؤكد أن أردوغان أكد في لقائه بأن العلاقات التركية السعودية تشهد تحسنا متسارعا على مختلف الأصعدة. وهي تصريحات سيتم التأكد من صحتها سعوديا عن طريق المجلس الاستراتيجي المشترك رفيع المستوى الذي اتفق الطرفان على إنشائه لبحث مختلف القضايا على الساحة. السعودية لا يمكنها أن تُخدع من نظام ينتمي إلى مجموعة تم تصنيفها بأنها مجموعة إرهابية، وفي نفس الوقت لا يمكنها أن ترفض اليد التي امتدت لمصافحتها، بل ستتعاون معها في إطار المجلس الاستراتيجي المشترك وليس أكثر من ذلك.

كاتب سعودي

8