تركيا: تطويق المشكلات بدلا من تصفيرها

السبت 2016/03/12

مع اندلاع ثورات الربيع العربي في العام 2011، دخلت تركيا بصورة تدريجية في دوامة من الإشكالات والخصومات، لتعيش، لسنوات لاحقة، حالة من التخبط، هددت أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة بفقدان الحزب الحاكم للسلطة، الأمر الذي شجع أنقرة على العودة إلى مواقعها السابقة للعام 2011.

وإذا كانت العودة من جديد إلى سياسة حزب العدالة والتنمية المعروفة بسياسة “تصفير المشكلات” تبدو مستحيلة اليوم في ظل تورط تركيا بعدد لا يحصى من الأزمات الداخلية والخارجية، فإن العمل على احتواء تلك الأزمات وتطويقها يبدو أنه بات على رأس أولويات أنقرة في هذه المرحلة.

السياسة التركية في هذا الإطار تحكمها البراغماتية، وهو ما يجعلها مرنة إلى حد كبير. فقبل اندلاع الثورات العربية، عملت أنقرة على إطلاق سياسات هادئة تجاه الدول العربية ودول الجوار. كان اليأس قد نال من حكومة رجب طيب أردوغان بما يخص تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وصولا إلى قبول عضوية تركيا في الاتحاد. لهذا، اتجهت تركيا نحو محيطها العربي من جهة، ونحو إيران وروسيا من جهة أخرى. وكان العداء لإسرائيل بوابة العبور لإيصال المنتجات والشركات التركية إلى قلب العالم الجديد.

وجدت البراغماتية التركية في الثورات العربية فرصة لتسريع التوغل في العالم العربي. لكن الأمور لم تجر كما تشتهي رياح أنقرة، بل إنها جرت بصورة معاكسة للمخطط النظري الذي علقت عليه آمالها. وكانت النتيجة هي انتقال حزب العدالة والتنمية من سياسة المهادنة وتصفير المشكلات، إلى سياسة فيها من الرعونة ما يكفي لإفساد علاقات تركيا مع معظم أصدقائها. وجدت تركيا نفسها معزولة بصورة متزايدة، فرغم عدائها لإيران وروسيا، والتوتر الشديد الذي نجم عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية، لم تتمكن من بناء علاقات جيدة مع أميركا وأوروبا أو مع الدول العربية.

من هنا، انطلقت تركيا مؤخرا نحو تصحيح ما أمكن من علاقاتها السابقة ونسج علاقات جديدة مع دول طالما ناصبتها العداء. كان ذلك واضحاً في زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو لطهران الأسبوع الماضي، إذ لم يتردد الطرف الإيراني بالبوح بجديد اللقاء، وهو “كلام جديد” صدر عن داوود أوغلو لم تكن طهران قد اعتادت سماعه ويفيد بالتهدئة على مختلف المستويات، فضلاً عن دفعها للتوسط مع روسيا لتخفيف حدة التوتر بين البلدين.

قبل ذلك، كانت أنقرة قد استعادت العلاقات مع المملكة العربية السعودية بعد سنوات من التوتر الناجم عن الدعم التركي للإخوان المسلمين في جميع الدول العربية. خلال الأشهر الماضية، وسع الطرفان السعودي والتركي العلاقات التجارية بينهما، وفتحا أفقا للتعاون العسكري.

البراغماتية التركية ذهبت أبعد من ذلك، وهي تعمل منذ أشهر على استعادة العلاقات مع إسرائيل. وكانت العلاقات بين الطرفين قد توترت بشدة في أعقاب حادثة اعتراض البحرية الإسرائيلية لسفينة “مرمرة” التركية التي كانت متوجهة ضمن ما عرف بـ”أسطول الحرية” لكسر الحصار عن قطاع غزة. اليوم، وبعد خمس سنوات على الهجوم الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل نحو عشرة مدنيين أتراك، تحاول أنقرة طي صفحة الخلاف وفتح صفحة جديدة. فإذا كان التصعيد مع إسرائيل ضروريا في لحظة ما من أجل كسب تعاطف قطاعات شعبية من العالم العربي، فقد انتهت تلك اللحظة اليوم، كما تجد تركيا نفسها معزولة عن الدول التي عادت إسرائيل من أجل التقرب منها، أي سوريا وإيران.

كما فتحت تركيا قنوات اتصال جديدة مع الاتحاد الأوروبي الذي يبدو في حاجة إلى الجهود التركية من أجل تطويق أزمة اللاجئين الذين يتدفقون إلى أوروبا عبر الشواطئ التركية. كانت البراغماتية التركية حاضرة الأسبوع الماضي عندما رفعت أنقرة من شروطها مطالبة بـ3 مليار دولار إضافية، فضلا عن إلغاء تأشيرة دخول الأتراك إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وسيستخدم حزب العدالة والتنمية تلك “الإنجازات”، في حال تحققت، لتعزيز شعبيته.

البراغماتية التركية حاضرة بقوة وإن كانت الشخصية العنيدة للرئيس التركي أردوغان تقيدها إلى حد كبير. لكن النظام السياسي التركي يبقى مرنا، وليس اندفاعه عام 2011 للتورط بالأزمات بعد عشر سنوات من الهدوء إلا دليل على المرونة الكبيرة التي يتمتع بها، والتي لا تقف في طريقها سوى شخصية الرئيس التركي الصدامية والمثيرة للجدل.

كاتب فلسطيني سوري

9