تركيا تعمد لوأد حرية الإعلام لتصفية قوى المعارضة

شهدت الأيام الأخيرة المزيد من الاضطرابات في المشهد الإعلامي التركي، كان آخر أحداثها غلق صحيفة “زمان عربي” التركية وقطع البث على عدد من محطات التلفزيون، وهو ما يعتبر نقطة تحول كبرى في تاريخ الصحافة والإعلام وحرية التعبير في تركيا من جهة، ومرحلة جديدة من تصعيد الصراع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدوه فتح الله كولن من جهة أخرى، في الحالتين تبدو أسس تركيا العلمانية المبنية على الحرية تشهد انتكاسة قوية.
الأربعاء 2016/03/09
لا حرية للصحافة المعارضة

أنقرة – قال رئيس تحرير صحيفة “زمان ألمانيا”، الاثنين، إن صحيفة “زمان” أوسع الصحف انتشارا في تركيا تعتزم مواصلة النشر كصحيفة يومية معارضة في ألمانيا بعد سيطرة الحكومة عليها داخل تركيا.

وكانت الشرطة التركية قد اقتحمت، الجمعة، مقر الصحيفة في إسطنبول واستخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لدخول مقرها لتنفيذ أمر قضائي بوضعها تحت الإدارة الحكومية. ويوم الأحد أصدرت صحيفة “زمان” التي عارضت الرئيس التركي وكانت الأكثر انتشارا في البلاد، أول عدد لها بعد سيطرة السلطات عليها، تميز بدعم واضح لسياسة الحكومة..

وبلغ توزيع الصحيفة قبل وضع اليد عليها نحو 650 ألف نسخة، وتتهم بأنها مرتبطة بشكل وثيق بعدو أردوغان الداعية الإسلامي فتح الله كولن المتهم بدوره بالسعي للإطاحة بالحكومة، وهو شخصية كاريزمية تحظى بنفوذ وتأييد واسعين في الداخل التركي رغم أنه يعيش خارجها.

وتتهم الحكومة والرئاسة التركية كولن بإدارة ما تصفه بمنظمة إرهابية متمثلة في حركة “حزمات” أو حركة “الخدمة”، كما تطلق على الحركة ومؤيديها تسمية الكيان الموازي الذي يسعى للإطاحة بالدولة وبالحكومة وبالرئيس أردوغان. ويعيش كولن في الولايات المتحدة منذ عام 1999 بعد فراره من اتهامات وجهتها له السلطات التركية، ومؤخرا، طلبت تركيا من الولايات المتحدة ترحيله، إلا أن واشنطن ترفض ذلك.

ويندرج فرض السيطرة على صحيفة زمان من قبل الحكومة التركية في إطار الحملة الموسعة التي يشنها أردوغان وحكومته ضد أنصار كولن، فيتهم كل مؤيد له بأنه منخرط في تنظيم إرهابي أو في الكيان الموازي الذي يخطط للانقلاب على السلطة وإلى زعزعة الأمن في البلاد والسعي للسيطرة على الحكم، وبمثل هذه التهم تقدم للمحاكم ملفات المتهمين مثل صحيفة زمان. ولم تقف تضييقات الحكومة التركية على الإعلام وخنقها لحرية التعبير عند هذا الحد، بل استمر مسلسل الانتهاكات.

وأثارت حادثة اقتحام صحيفة زمان قلقا دوليا إزاء حرية الصحافة في تركيا ، وقال وزير الخارجية الفرنسي إن قرار إخضاع زمان للوصاية القضائية “غير مقبول” ويتعارض مع القيم الأوروبية، كما انتقدت جماعات حقوقية ومسؤولون أوروبيون عملية الاستحواذ على الصحيفة، قائلين إن هذا ينتهك حرية الصحافة في بلد مرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وأعرب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتانماير عن قلق بلاده حيال إقدام تركيا على وضع صحيفة زمان واسعة الانتشار والمعارضة لتوجهات الرئيس أردوغان، تحت وصاية السلطات. من جهتها وصفت الخارجية الأميركية فرض الوصاية على إدارة صحيفة زمان بـ”الحلقة الأخيرة من العقوبات المقلقة المفروضة على الإعلام”.

واعتبر المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي، أن السيطرة على إدارة الصحيفة من خلال توظيف جهاز القضاء من التطورات المقلقة باسم حرية الإعلام المعارض في تركيا.

جون كيربي: هذه الممارسات لا تنسجم مع الديمقراطية ولا مع الدستور التركي

وحذر كيربي من التدخل في سياسة النشر لمجموعة “فضالار” الإعلامية التي تعمل تحت مظلتها كل من صحيفة زمان وتوديز زمان ووكالة جيهان للأنباء ومجلة أكسيون الإخبارية التي شملها قرار المصارة أيضاً. وقال كيربي “إن هذه الممارسات كما أنها لا تنسجم مع القيم الديمقراطية ولا تتوافق مع الدستور التركي”.

لكن هذا الرفض الدولي لممارسات الحكومة التركية التي تحاول قمع الإعلام لم يجد آذانا صاغية من الجهات الرسمية بل فرضت السلطات التركية، الثلاثاء، الوصاية أيضا على وكالة الأنباء التركية جيهان، وذلك في خطوة جديدة للحملة على مؤيدي كولن.

وكانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد استغلت علاقاتها بالقمر الصناعي “توركسات”، وقامت في الأسابيع القليلة الماضية بقطع البث على عدد من محطات التلفزيون التي يوجد مقرها في تركيا في واحدة من أبرز انتهاكات القوانين المحلية.

ويعتبر كل من يتعاطف أو يؤيد بشكل مباشر أو غير مباشر الداعية الاسلامي فتح الله كولن وحركة الخدمة التي يديرها خصما شخصيا لأردوغان وحكومته، وتصدر الأحكام القضائية ضد هؤلاء بطرق لا تحترم معايير استقلالية القضاء، وتنفذ هذه الأحكام إما بفرض الوصاية أو السيطرة على وسائل الإعلام أو بالسجن أو مصادرة الأملاك أو الإيقاف عن العمل إن كان المتهم شخصا إما أكاديميا أو رجل أعمال أو ناشطا حقوقيا أو قاضيا أو رجل أمن، ومهما اختلفت المناصب والمقامات فإن الأهم بالنسبة للرئيس التركي هو السيطرة على كل حنجرة تصدح برأي يعارضها ويرفض سياساتها ويؤيد ولو ضمنيا الخصم الأول لأردوغان فتح الله كولن، ومهما كانت وجاهة التهم ومصداقية الأحكام فإن أولوية أردوغان تتمثل في القضاء على كل معارضيه وكل الطامحين للتمتع بالحرية وبالحقوق التي تتنافى وسياساته.

وكان كولن حليف أردوغان وقد وظف حركته وشعبيته لدعم نجاح الأخير في الارتقاء إلى أعلى المناصب في الدولة، ومنذ عام 2013 نشب خلاف بين الطرفين واتهم أردوغان حليف الأمس كولن بتكوين شبكة داخل أجهزة الشرطة والقضاء وبالوقوف وراء التحقيق واتهامات في شبهات فساد استهدفته وطالت أناس في دائرته المقربة في ديسمبر من عام 2013، بات على إثرها كولن عدوه الأول الذي أقام كيانا موازيا تغلغل في صلب أجهزة الدولة من أمن وشرطة وقضاء وإعلام في مؤامرة لتنحيته من السلطة.

ومنذ ذلك التاريخ وبعد فضائح الفساد التي هزت الرأي العام التركي، ضاعفت السلطات ما أسمته “عمليات التطهير”، والملاحقات بتهمة “الإرهاب” ضد المقربين من شبكة كولن ليصل الدور إلى الإعلام.

ما تمر به حرية الصحافة والإعلام في تركيا ليس إلا عينة مما أصاب الحريات في تركيا، خاصة حرية التعبير والتفكير والانتماء الفكري والسياسي، وذلك منذ صعود حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم، وازداد الأمر سوءا منذ تولي رجب طيب أردوغان الرئاسة لأن محاولاته في تصفية القوى والجهات التي يمكن أن تمثل بديلا له أو منافسا للحزب في معركة الحكم لم تتوقف ولا توجد مؤشرات على توقفها تلقائيا في المستقبل، فهو شخصية لا ترضى بوجود شركاء لها في السلطة.

12