تركيا تعمل على خلط الأوراق مجددا في شمال سوريا

يعتبر توحيد صفوف فصائل المعارضة المسلحة في شمال سوريا ضمن هيكل موحد نظريا خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن عندما تأتي هذه الخطوة برعاية خارجية وعلى وجه الخصوص من تركيا فإنه يصبح مشكوكا في غاياتها وأهدافها.
الثلاثاء 2018/01/02
عود على بدء

دمشق - شكل إعلان الحكومة السورية المؤقتة عن تأسيس “جيش وطني” جديد دفعة معنوية قوية لمعارضي نظام الرئيس بشار الأسد، في ظل النكسات العسكرية المتوالية التي تعرضوا لها خلال السنة الماضية.

وقال معارضون إن الهدف من تشكيل هذا الجيش الذي أعلن عنه بعد اجتماع موسع السبت في أعزاز شمالي حلب وضم نحو 30 فصيلا، هو خلق حالة عسكرية جديدة تضع حدا لسلسلة الخسائر التي تعرضت لها الفصائل، والتي أدت إلى فقدانها أجزاء واسعة من مناطق سيطرتها.

ويرجح المعارضون أن يضم هذا الهيكل الجديد مجموعات مقاتلة أخرى، في ظل رهانات قوية عليه لتغيير المشهد الميداني، وإعادة البوصلة صوب الهدف الأساسي وهو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، الذي لم يعد محل إجماع دولي عليه، لعدة عوامل لعل في مقدمتها سوء إدارة قوى المعارضة بشقيها السياسي والعسكري للأزمة في ظل تشتتها، وتخندقها خلف قوى خارجية.

ويرى محللون أنه لا يمكن الجزم بفرضية أن يحرز هذا الجيش خرقا نوعيا لعدة عوامل لعل من بينها أن النظام والقوى الداعمة له في وضع قوي ميدانيا حيث أن الأخير نجح في استعادة السيطرة على معظم المحافظات والمناطق الاستراتيجية، وهو اليوم يملك خزانا بشريا هائلا يتصرف فيه وفقا لما تحتاجه الجبهات، وكان هذا غير متوفر له في السنوات الأولى من الحرب، أما العامل الثاني والأهم فهو أن العديد من الفصائل المنضوية في الجيش الجديد محسوبة على قوى خارجية، لها مصالح متضاربة.

وتعتبر تركيا الطرف الإقليمي الأبرز الداعم للجيش الوطني السوري، وقد احتضنت خلال الأشهر الأخيرة معظم الاجتماعات التحضيرية له، كما أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو الغطاء السياسي لهذا الجيش يتخذ من تركيا مقرا أساسيا وقد أظهر الائتلاف تماهيا واضحا مع الأجندة التركية، وأخيرا وليس آخرا أن معظم الفصائل المنضوية في هذا الجيش تنتمي إلى تحالف “درع الفرات” الذي شكلته أنقرة في العام 2015 لمواجهة المشروع الكردي.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن في فبراير الماضي عن إمكانية تحويل فصائل الجيش الحر التي تشكل ما يسمى بـ”درع الفرات” إلى جيش وطني.

ويخشى معارضون من أن يكون هذا الجيش الوليد أداة بأيدي تركيا لتكريس نفوذها في الشمال السوري، وأيضا لأن يكون قوتها الضاربة في مواجهة الأكراد، فيما مسألة إسقاط الأسد التي تتخذها قيادات هذا الجيش شعارا، ليس إلا ورقة للضغط على النظام وروسيا معا.

العديد من الفصائل المنضوية في "الجيش الوطني السوري" محسوبة على قوى خارجية لها مصالح متضاربة

وتشهد العلاقة بين تركيا وروسيا في الفترة الأخيرة توترا في ظل الموقف الروسي من الأكراد وعلى رأسهم الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب، الذي تصنفهما تركيا تنظيمين إرهابيين.

وتطالب أنقرة موسكو بعدم توجيه أي دعوة للاتحاد أو لشخصيات مقربة منه للمشاركة في مؤتمر الحوار السوري الذي تعد روسيا لعقده في مدينة سوتشي في نهاية الشهر الجاري، كما تطالبها بدعمها في القيام بعملية عسكرية في عفرين شمالي حلب التي يسيطر عليها الأكراد، وهذين الطلبين لا يبدو أن روسيا في وارد الاستجابة لهما.

وما يزيد من الاحتقان التركي هو المعطيات المتواترة عن تعاون بين النظام والأكراد في ريف حلب خاصة. وأدت هذه التطورات إلى عودة تركيا إلى تصعيدها ضد الرئيس السوري الذي وصفه نظيره التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا بـ”الإرهابي” مشددا على أنه لا يمكن القبول ببقائه في السلطة.

في مقابل ذلك صعد النظام السوري عسكريا وبضوء أخضر روسي من عملياته عند أطراف محافظة إدلب التي تعد الورقة القوية بيد تركيا، والتي تلوح بها عند كل مأزق. ويرى مراقبون أن أنقرة تريد من خلال تشكيل جيش جديد شمالي سوريا وفي هذا التوقيت بالذات، نسف الطموح الكردي بتشكيل حكم ذاتي على حدودها، وأيضا محاولة تعديل موازين القوى بين المعارضة والنظام السوري، لما لذلك من تأثير على العملية السياسية، خاصة وأن الرهان على التقارب مع روسيا في الملف السوري وفق المشهد القائم لن يكون مثمرا بالنسبة لها ولطموحاتها في سوريا.

ويشير هؤلاء إلى أن تركيا من الصعب أن تحقق أهدافها في ظل غياب الدعم الدولي والإقليمي، خاصة لجهة إجهاض المشروع الكردي الذي تسانده الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وحتى روسيا.

ومؤخرا وبالتوازي مع استكمال الأكراد للعملية الانتخابية التي بدأوها في نوفمبر الماضي لتركيز مؤسسات تعنى بإقليمهم الذي بات أمرا واقعا، بدأوا في إنشاء جيش متكامل تشرف عليه قوات أميركية في مناطق سيطرتهم لمواجهة أي قوى قد تغامر باستهدافهم وعلى رأسها تركيا.

وقال قائد التشكيل العسكري الجديد سيابند ولات “بعد الآن لن يكون بإمكان تركيا أو سوريا أو أي بلد آخر أن يتجاوز أراضينا”.

ويستبعد محللون أن تستطيع المعارضة السورية تحقيق مشروعها وهو إسقاط النظام، عبر رهانها على تركيا، التي تتحرك وفق مصالحها، ومزاجية نظامها، مشيرين إلى المرات التي خذلت فيها تركيا حلفاءها.

2