تركيا تفتح باب التعاون الجامعي للتمدد في تونس

تسهيلات كبرى للطلبة لاستدراجهم نحو الجامعات التركية.
الثلاثاء 2019/05/07
الجامعات التركية تغري الطلبة الأجانب

على خطى الدراما التركية التي استطاعت جذب الشارع العربي، حيث تحوّل الفضاء التلفزيوني إلى مساحة للترويج للثقافة التركية، يراهن النظام التركي على التعليم كقوة ناعمة لاختراق المنطقة العربية، وعبر تكثيف التعاون الجامعي يسعى النظام التركي إلى التمدّد ثقافيا في تونس.

تونس - خسرت تركيا الكثير من أسلحتها الناعمة التي سعت من خلالها إلى اختراق عدد من الدول العربية، منها تونس، الأمر الذي يجعلها تضاعف الرهان على ما يمكن أن يحققه في مجال الاستثمار في التعليم، سواء من خلال افتتاح مدارس وجامعات خاصة لتعليم اللغة التركية في تلك الدول أو من خلال تكثيف التعاون الأكاديمي وفتح أبواب الجامعات التركية للطلاب تسهيلات كبيرة.

في البداية، لقيت مدارس ومراكز تعليم اللغة التركية، إقبالا كبيرا تأثرا بالنجاح الذي تحققه الدراما التركية. وبعد سنة 2011، وبعد ما شهدته تونس من تطورات سياسية، انكشف المشروع الحقيقي الكامن وراء هذه المدارس والمراكز، كما البعثات الطلابية وفتح أبواب الجماعات التركية للطلبة التونسيين.

وفي مسعى إلى استقطاب الطلاب، أدخل مجلس التعليم العالي التركي تعديلات في ما يخص نسبة قبول الطلاب الأجانب، في مختلف التخصصات الدراسية، بالجامعات الرسمية، وأصبحت غير مقيّدة عدديا، في خطوة مزدوجة الأهداف، فهي من جهة تفتح الأبواب أمام استقطاب الكثير من الطلبة الذين يمكن التأثير فيهم أيديولوجيّا، ويحصلون بنهاية سنوات تعليمهم على شهادات التخرج، كما على شهادات الانتماء الأيديولوجي لفكرة العدالة والتنمية ليعودوا إلى بلدانهم وقد تشربوا سياساته وأفكاره وسيحاولون تطبيقها هناك.

صلاح الدين الدريدي: تركيا تريد تمرير قيمها الثقافية وآراءها السياسية في تونس
صلاح الدين الدريدي: تركيا تريد تمرير قيمها الثقافية وآراءها السياسية في تونس

وتقول تركيا إن جامعاتها تقدّم فرصا لطلاب تونس لاستكمال تعليمهم. غير أن المراقبين والخبراء يشككون في المزاعم التركية. ويرى هؤلاء أن وراء استقطاب الطلبة التونسيين إلى الجامعات التركية غايات سياسية أيديولوجية، مذكرين بالسياسية السوفييتية وكيف ساهم استقطاب الطلبة إلى الجامعات الروسية في نشر الفكر الشيوعي. وتتبع تركيا نفس السياسة، خاصة بعد أن تمت تصفية الجامعات من موظفيها ومسؤوليها وأساتذتها الذين يحملون فكرا مغايرا لفكر حزب العدالة والتنمية، وتعويضهم بأساتذة موالين له.

مطلع مايو الجاري، أشرف سفير تركيا في تونس، عمر فاروق دوغان، على حفل توزيع جوائز لفائزين بمسابقة في اللغة التركية. نظم المسابقة المركز الثقافي التركي يونس إمره ومدرسة معارف والخطوط الجوية التركية. أثارت هذه الخطوة جدلا كبيرا في الشارع التونسي، الذي بدأ يستشعر غزوا تركيا ناعما يطال مختلف المجالات من قطاع الملابس إلى الأكل، وصولا إلى التعليم.

تمثّلت المسابقة في كتابة مقالات حول العلاقات العريقة والتاريخية بين البلدين، وتراوحت الجوائز بين تذاكر سفر إلى تركيا ولوحات ذكية وتراسيم مجانية بمدارس معارف.

ولم يخف دوغان، سعادته بالاستماع إلى قصائد وأغان تركية بأصوات تونسية. وقال “اللغة مهمة جدا لدعم التضامن والتقارب بين الشعوب، ومن شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين لرفع علميهما عاليا”.

لكن، خبراء يؤكدون أن الأمر قد يتحوّل إلى مسعى إلى السيطرة وكسب النفوذ، مشيرين إلى أن تعويل النظام التركي على اللغة التركية، والتعاون الثقافي والجامعي، جزء من مشروعها التوسعي في المنطقة الذي لا تكتفي فيه بالأسلحة السياسية والعسكرية، بل أيضا تراهن فيه على أدوات القوة الناعمة، والتعليم من أخطرها.

ويقول الأكاديمي التونسي صلاح الدين الدريدي إن اللغات وسيلة من وسائل التأثير باستعمالها كقوة ناعمة. ويضيف في تصريح لـ”العرب”، أن “تركيا تسعى إلى نشر لغتها تماما كما هي تسعى إلى نشر مسلسلاتها ومن خلالها تنشر قيمها الثقافية والتاريخية وبالتالي تمرير آرائها السياسية”.

وفي عام 2016 أنشأت تركيا وقف معارف، ليتولى إدارة المدارس في الخارج. كما تقوم بإنشاء مدارس ومراكز تعليمية في الخارج. واستطاع الوقف خلال فترة وجيزة، التواصل مع 70 دولة حول العالم، وأسس ممثليات في 34 بلدا من بينها تونس، ويمتلك حاليا قرابة 100 مدرسة لمختلف المراحل التعليمية في 20 دولة.

وزاد نشاط مؤسسة معارف بشكل لافت في تونس مؤخرا في خطوة تكشف رغبة النظام التركي في الانفتاح الثقافي على تونس وأفريقيا تمهيدا لتكون موطئ نفوذها الجديد بعد انتكاستها في الشرق الأوسط. ونظمت المؤسسة مؤخرا معرضا للتعليم الجامعي التركي، بمشاركة 16 جامعة تركية، في العاصمة تونس في أبريل الماضي.

وافتتح عمر فاروق دوغان وسفير وقف “معارف” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حسن ياووز المعرض، بحضور عدد مهم من ممثلي الجامعات التركية والزوار من الطلبة التونسيين وعائلاتهم.

وتعكف تركيا على تنظيم مثل هذه المعارض الدولية للتعليم في العديد من الدول على غرار مالي وموريتانيا والعراق وباكستان وألبانيا. ويأتي تنظيم هذا المعرض في إطار تصوّر لإظهار قدرات وخبرات تركيا في مجال التعليم الجامعي وهدفه أساسا استقطاب الطلبة نحو الجامعات التركية.

أدخل مجلس التعليم العالي التركي تعديلات في ما يخص نسبة قبول الطلاب الأجانب، في مختلف التخصصات الدراسية، لاستقطابهم نحو الجامعات التركية
أدخل مجلس التعليم العالي التركي تعديلات في ما يخص نسبة قبول الطلاب الأجانب، في مختلف التخصصات الدراسية، لاستقطابهم نحو الجامعات التركية

وتحدث ياووز عن المزايا التي يقدّمها التعليم التركي لجلب الطلبة التونسيين للدراسة في تركيا عوضا عن الذهاب إلى الجامعات الأوروبية، وهو ما يشير بدوره إلى تنافس تركي أوروبي على استدراج الطلبة التونسيين. وتعي تركيا بقيمة ودور التعليم في التأثير على الشباب، وبالتالي استمالتهم نحو أفكارها وتوجهاتها السياسية.

 ويعلل ياووز بالتقارب الثقافي والعلاقات العائلية عبر التصاهر المتبادل بين الأتراك والتونسيين، لاختيار الطلبة التونسيين للتعلم في تركيا، مؤكدا أن “علاقات ثقافية كبيرة تجمع الشعبين منذ قرون”. ويقول ياووز “لدينا عدة مؤسسات تعليمية في تونس، وهذا يعتبر قاعدة صلبة لتطوير التعاون بين حكومتيٍ البلدين ولتطوير التبادل الثقافي بين شعبينا”.

ويشير عبدالستار السحباني الناشط في المجتمع المدني لـ”العرب” إلى أن “المساعي التركية إلى استقطاب الطلبة التونسيين وجدت زخمها في فترة حكم النهضة”.

وهناك قرابة 300 طالب تونسي في الجامعات التركية أما عدد الطلبة الأتراك في تونس فهو في حدود 40 طالبا، من المسجلين في مستوى الإجازة والماجستير بفضل مجهود مؤسسة المعارف. ويقول حسن ياووز إنه “عدد قليل أيضاً ويجب ترفيعه”.

وعلى مستوى داخلي تكثّف تركيا جهودها لإغراء الطلبة الأجانب للتعليم في جامعاتها. وتقدّم مدرسة السلطان محمد الفاتح الدولية للأئمة والخطباء في مدينة إسطنبول، خدماتها التعليمية لـ402 طالب من 64 بلدا. ووصل عدد الأجانب في المدرسة 130 طالبا من 34 دولة عام 2012، في حين ارتفع العدد إلى 216 طالبا من 56 دولة عام 2018.

وتعدّ التركية اللغة الأساسية المعتمدة في المدرسة، حيث يخضع الطلاب الأجانب لدروس مكثفة فيها بالفصل الدراسي الأول من الصف التاسع، كما يتلقون اعتبارا من الفصل الأول دروسا في اللغة العربية والقرآن الكريم ومعلومات دينية أساسية.

17