تركيا تقبل ببقاء الأسد من أجل مواجهة مشتركة للأكراد

الأحد 2016/08/21
تركيا تنقلب على نفسها

إسطنبول - بدأت تركيا تُخرج إلى العلن التعهدات التي قطعها على نفسه الرئيس رجب طيب أردوغان لموسكو في لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من أغسطس، وأهم تلك التعهدات القبول باستمرار الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة مقابل بناء تحالف ثلاثي مع إيران وروسيا لمواجهة تمدّد الأكراد.

وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم السبت أنه يمكن أن يكون للأسد دور في القيادة الانتقالية لسوريا، مشيرا إلى أن أنقرة ستضطلع بدور أكثر فعالية في التعامل مع الصراع في سوريا في الأشهر الستة القادمة حتى لا تنقسم البلاد على أسس عرقية.

وقال مراقبون إن هذا التصريح أخرج إلى العلن ما يتم الحديث عنه سرا بخصوص “مراجعات مؤلمة” ستتخذها تركيا تجاه الملف السوري بما يسمح لها أن تكون في الحلف المقابل للولايات المتحدة التي تتمسك بإغاظة أردوغان بدعم الوحدات العسكرية الكردية والرهان عليها في طرد داعش من شمال سوريا.

وأشار المراقبون إلى أن الاعتراف ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، التي لا أحد يعرف متى يبدأ تطبيقها، يتطلب من الرئيس التركي خطوات إضافية بينها تنفيذ أهم شرط لروسيا وهو وقف تسلل المقاتلين والأسلحة عبر الحدود التركية باتجاه سوريا، أي وقف الدعم التركي للمعارضة المسلحة مثل جيش الفتح.

وينتظر أن تبدأ أنقرة بالضغط على المعارضة السورية الموجودة على أراضيها لقبول فكرة استمرار الأسد لفترة انتقالية، وتهيئتها للحوار مع ممثلي الرئيس السوري، وربما هذا هو الدور الذي تحدث عنه رئيس الوزراء التركي.

وقال يلدريم “سيكون لتركيا دور أكثر فعالية في القضية السورية في الأشهر الستة القادمة بوصفها لاعبة إقليمية. معنى هذا عدم السماح بتقسيم سوريا على أيّ أساس عرقي وهذا أمر حاسم بالنسبة إلى تركيا”.

ومن شأن هذه الضغوط أن تقسّم المعارضة وتدفع بعضها إلى التفكير بمغادرة تركيا، وقد تدفع جماعات مثل النصرة وجيش الفتح إلى تنفيذ عمليات انتقامية من حليفها أردوغان مثلما فعل داعش قبل ذلك.

وتخشى تركيا من أن يؤدي اكتساب الجماعات المسلحة الكردية في سوريا المزيد من القوة إلى تشجيع حركة التمرد الكردية في تركيا التي استأنفت نشاطها بعد انهيار وقف لإطلاق النار بين المسلحين والحكومة العام الماضي.

وكان تمدد نفوذ أكراد سوريا السبب الرئيسي للتوتر بين أنقرة وواشنطن التي رفضت دعوات تركية لوقف تسليح المقاتلين الأكراد، ما حدا بأردوغان إلى البحث عن تحالف مع إيران لوقف هذا التمدد. ثم انضم الأسد لهذا التحالف لاحقا وبدأ بتنفيذ هجمات مركزة على المواقع الكردية متحديا التحذيرات الأميركية التي صدرت الجمعة.

ويعتقد محللون أتراك أن قصف الطيران السوري لمدينة الحسكة ساعد رئيس الوزراء التركي على إعلان القبول باستمرار الأسد في السلطة، وكأن ثمة ترتيبا مسبقا حول الخطوات المتبادلة.

واعتبر يلدريم ان دمشق “فهمت” أن الأكراد أصبحوا “تهديدا لسوريا أيضا”.

وقال متحدثا عن تطلع الأكراد إلى وصل المناطق التي يسيطرون عليها في الجانب الآخر من الحدود التركية “انه وضع جديد” و”من الواضح أن النظام (السوري) فهم أن البنية التي يحاول الأكراد تشكيلها في شمال (سوريا) بدأت تشكل تهديدا لسوريا أيضا”.

ويشير المحللون إلى أنه لا يوجد في العلاقات الدولية صديق أو عدو دائم بل المصالح هي المحددة، فمصلحة أردوغان تغيرت من المطالبة برحيل الأسد إلى التركيز على محاربة الأكراد خشية من تكرار تجربة العراق التي تكاد تحدث في سوريا ولا سيما بعد أن تمكّن الأكراد من إقامة مؤسساتهم ونشر قواتهم على طول أغلب الشمال السوري.

ويقول المحلل السياسي الكردي الإيراني أمجد رستمي لـ”العرب”، “في ما يتعلق بالتقارب التركي والسوري والإيراني بالقضية الكردية في شمال سوريا كانت الحكومة التركية تطلب دائماً بإسقاط النظام السوري وعدم الموافقة على بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، واليوم كل هذا تغير”.

ويؤكد أمجد رستمي أن “النظام السوري تعاون مع الأكراد سابقا ليستخدم هذا الموضوع كورقة لتهديد تركيا، ونجح في ذلك”.

ويضيف رستمي “كانت المواجهة الأخيرة بين قوات النظام ووحدات كردية رسالة من إيران إلي تركيا، تقول فيها إذا غيرت سياساتك تجاه الأسد، فبإمكاننا محاربة الأكراد سوياً وإزالة الخطر عن حدودك”.

ويرى أكراد إيرانيون أن هجوم الأسد على الأكراد جاء بتوجيه إيراني لمواجهة الخطر الأكبر المهدد لطهران وأنقرة والقلق من انتقال عدوى التقسيم إلى أراضيهما.

ويقول المحلل السياسي التركي أوكتاي يلماز لـ”العرب” إن “نظام الأسد أراد مغازلة تركيا بمحاربة الأكراد وإرسال بوادر حسن نية للتقارب معها وفق رغبة إيران التي تنسق مع تركيا للحل في سوريا، وفي المقابل ردت تركيا على ذلك بقبول الأسد في المرحلة الانتقالية”.

وكان مصدر حكومي محلي سوري أكد الخميس أن عمليات القصف كانت بمثابة "رسالة للأكراد للكف عن مطالبات (جغرافية) مماثلة من شأنها أن تمس بالسيادة الوطنية" في وقت أعلن فيه الأكراد "منطقة فدرالية" في مارس الماضي.

واتهم الجيش السوري في بيان "الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني بتطويق مدينة الحسكة وقصفها بالمدفعية والدبابات واستهداف مواقع الجيش العربي السوري بداخلها"، متهما القوات الكردية "بالاستمرار في ارتكاب جرائمها بهدف السيطرة على مدينة الحسكة".

وتعتبر واشنطن وحدات حماية الشعب الكردية قوة قتالية فعالة في محاربة داعش، لكن أنقرة تعتبرها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

1