تركيا تكمم أفواه "الأراجوز" بعد قرون من الكلام المباح

يعد الأراجوز وسيلة الترفية الشعبية في تركيا وفي مناطق أخرى من العالم سواء للأطفال أو الكبار، حيث كان له القدرة على إضحاك الأطفال بمنهجية تعليمية، لكنه كان قادرا على التعبير عن المقهورين في مواجهة الظلم الاجتماعي السياسي، ما أقلق السلطات التركية في الفترة الأخيرة التي تسعى إلى تحويل وجهته بعيدا عن نقد السلطات، ليتركوه بلا جدوى إلّا من تسلية الأطفال بحكايات ساذجة.
الخميس 2016/12/08
الأراجوز لم يعد للكبار

بورصة ( تركيا) - يلتقط إركان أكساكال بعناية الدمية الملونة المستخدمة في “مسرح الظل” ويتفحص جودة الصنعة بعين الخبير، وقد تمّ إعدادها نموذجا لتقوم بالدور الرئيسي في عرض الأراجوز أو “القراقوز”، الذي يعني اسمه باللغة التركية “العين السوداء” حيث أنه كان يظهر في عروض مسرح خيال الظل التركي بعين سوداء، وهو فن انتشر في تركيا وفي مناطق أخرى من العالم بغرض الترفيه عن الجمهور وإدخال السرور عليه.

وكان الأراجوز الذي يعدّ شخصية خيالية ماكرة وغير مهذبة ومعبرة عن عامة الناس، أيضا هدفا مفضلا للمسؤولين عن الرقابة أيام الدولة العثمانية منذ قرون، والآن مع تزايد الاتجاه الشمولي في تركيا أصبح يتعين على من يقوم بدور الأراجوز أن ينتبه إلى ما يصدر عنه من كلام.

ويقول أكساكال الذي يشغل منصب مدير متحف الأراجوز بمدينة بورصة الكائنة في غربي تركيا، وهو أيضا أستاذ في صناعة الدمى التي تستخدم في مسرح الظل، كما يقوم كذلك بتحريك العرائس “يمكن رؤية الحالة المزاجية لكل صانع للدمى في كل دمية يصنعها، وهذه الدمية الموجودة أمامنا تبدو عليها علامات الحزن”.

وتوجد لفائف من الجلد المصقول والمقوى موضوعة فوق طاولة أمامه، وهو يقص من الجلد شخصيات مسطحة، لكنها ذات تفاصيل معبرة لتعرض على مسرح خيال الظل الخاص به، فتقع ظلال الدمى على شاشة مضاءة من الخلف يشاهدها المتفرجون من الناحية الأخرى.

لقد حظي مسرح الظل بشعبية واسعة وإقبال الجمهور عليه كنوع من الترفيه الشعبي في زمن الإمبراطورية العثمانية، وهي الإمبراطورية التركية السابقة التي ضمت أجزاء من أوروبا وآسيا وأفريقيا، واستمرت من أواخر القرن الثالث عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان يتم تقديم عروض هذا النوع من المسرح في أماكن مختلفة بدءا من القصور الملكية إلى المقاهي الشعبية.

حاجيفاد نقيض الأراجوز

نقيض شخصية الأراجوز في المسرحيات هو جاره المتغطرس والمهتم بمصلحته الشخصية حاجيفاد (الحاج فاد بالتركية)، والذي ينتمي إلى الطبقة المتعلمة بعكس الأراجوز الذي ينتمي إلى العوام.

أحد أشهر خبراء صناعة دمى خيال الظل يعرب عن أسفه لأن مسرحيات فن الأراجوز تعرض الآن للأطفال فقط

ويوضح أكساكال قائلا “إن هذه النوعية من المسرح تطرح شخصيات كاريكاتيرية، بحيث تمثل قطاعات من المجتمع العثماني في إسطنبول”، التي كانت عاصمة للإمبراطورية العثمانية وتعرف وقتها باسم القسطنطينية.

ومن بين الشخصيات الكثيرة التي كانت تعرض في مسرح الظل وقتذاك المتأنق ومتعاطي الأفيون واليوناني، إلى جانب شخصيات خيالية وشياطين.

وتعرف أكساكال الذي ولد وشب في قرية تقع على ساحل البحر الأسود، على فن الأراجوز من خلال المسرحيات التي كانت تبثها الإذاعة، إذ لم يكن يستطيع مشاهدة هذه المسرحيات في عروض حية سوى سكان المدن.

ويضحك أكساكال وهو يقول “كان لدينا مذياع ترانزيستور أرسلته عمتي إلينا من ألمانيا، وكان والدي يستشيط غضبا على الدوام عندما يكتشف أن بطاريات المذياع لم تعد صالحة من كثرة استخدامي له في الاستماع إلى المسرحيات سرا، وأصبح كل من الأراجوز ونقيضه حاجيفاد جزءا من حياتي منذ ذلك الحين”.

وتمتلئ ورشة أكساكال الصغيرة بجميع الأدوات اللازمة لصناعة العرائس، التي ترتبط بشكل خاص بسكين لتشكيل الجلود، ويشير إلى أن هذه النوعية من السكاكين تباع في مدينة بورصة، مؤكدا على أن هذه النوعية من السكاكين لم تعد تصنع بكميات كبيرة، بعد تراجع عدد صناع عرائس خيال الظل المحترفين.

وللحفاظ على هذا الفن القديم من التلاشي، تقوم وزارة الثقافة التركية حاليا بتمويل دورات تدريبية للراغبين في أن يصبحوا صانعي عرائس لخيال الظل، ولقيت هذه الدورات إقبالا كبيرا.

وفي هذا الصدد يقول أكساكال “في كل دورة دراسية يتم استيعاب 15 متدربا من بين 60 شخصا يتقدمون إليها”.

وينظر صبي بخجل داخل ورشة العمل، فينتهز المدرب على صناعة الدمى الفرصة ليتعرف على رأي الصبي، ويسأله “هل يمكنني أن أريك الشخصية الجديدة التي ابتكرتها؟”. ويشرح له المدرب أنه يعمل على صناعة دمية تمثل شبحا ولكنه يريد التأكد من أنها لا تثير الرعب في القلوب.

يقول أكساكال “إنني أحاول أن أبتكر شخصيات مسرحياتي بالاشتراك مع الأطفال، لأنهم في نهاية الأمر يجب أن يحبوها، ومسرح خيال الظل يعتمد كثيرا على جمهوره.. ففي هذا الفن الأستاذ الذي لا يستطيع أن يبهج جمهوره لن يكون أستاذا حقيقيا”.

أراجوز بلا سياسة

يعرب سيناسي تشليكول وهو أحد أشهر خبراء صناعة دمى خيال الظل عن أسفه لأن مسرحيات فن الأراجوز تعرض الآن للأطفال فقط. ويوضح تشليكول وجهة نظره قائلا إن “فن الأراجوز يهدف إلى أن يضع مرآة في مكان عال لتعكس ما يعتمل في المجتمع من اتجاهات، وأن يسمح له بقول كل ما يخطر على باله وأن ينتقد أي شيء، ومسرحيات خيال الظل تعطي الناس الفرصة للتنفيس عن غضبهم، وكأن الأراجوز هو المعبر عنهم، فهو يستطيع بالنيابة عنهم أن يعبّر عما يجول في خاطرهم لأصحاب النفوذ”.

وبالإضافة إلى السخرية وانتقاد المسؤولين، نجد أن المناظر ذات الإيحاءات الجنسية تكون جزءا لا يتجزأ من مسرح خيال الظل.

حكايات تزعج السلطان

وكانت نصوص المسرحيات تنتقل أبا عن جدّ مشافهة، غير أنها أصبحت تكتب بشكل متزايد اعتبارا من منتصف القرن التاسع عشر، مما سهل على أجهزة الرقابة في العهد العثماني حذف عبارات التهكم والسخرية والانتقاد. ومع ذلك فالأراجوز، ذلك الرجل الضعيف الذي يعبر عن مشاغل العامة والذي يرفض أن يغلق فمه، استطاع الاستمرار في الحياة.

والآن ارتفعت هامة الرقابة مرة أخرى، كما يقول أحد أساتذة فن الأراجوز المشهورين، والذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه خوفا من تعرضه للمساءلة، مشيرا إلى العديد من الدعاوى القضائية التي أقيمت لتوجيه التهم إلى أشخاص بتشويه سمعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إنني أضع قيودا على ما سأقوله أثناء العروض، لأنك لا تعرف إن كان هناك شخص بين المتفرجين سيشي بك لدى السلطات”، وأضاف “إنه رقيب أشدّ سوءا من السلاطين العثمانيين”.

بعد إعلان الجمهورية التركية عام 1923، حاولت الحكومة أن تستخدم أسلوبا آخر لتدجين الأراجوز الذي كانت ترى أنه يلعب دورا هداما، حيث حولته إلى نموذج صالح يبشر بتحديث تركيا، ولكن ذلك لم يكن ذا جدوى.

ويرى كنجيز أوزيك مدير مهرجان إسطنبول الدولي لمسرح العرائس والذي يحظى بشهرة دولية واسعة كأستاذ في فن العرائس أن “الأراجوز لا يهدف إلى التلاعب بالناس، ولكن إلى الترفيه عنهم وإمتاعهم”.

وسيحتفل مسرح خيال الظل في تركيا العام المقبل بمرور خمسة قرون على تأسيسه، حيث أقيم أول عرض له عام 1517 في القسطنطينية.

ورغم انتشار التلفاز والإنترنت اللذين أدّيا إلى تراجع الاهتمام بمسرح الظل، فإن أوزيك يعرب عن أمله في إقامة احتفال لائق بمناسبة ذكرى نشأته.

ويقول “إن مسرح الظل يؤلف بين قلوب الناس، وهل هناك شيء أفضل من ذلك؟”.

20