تركيا تلوّح للبارزاني بخيار المصالحة للتراجع عن الاستفتاء

أنقرة التي رفعت سقف التصعيد عاليا ضدّ أكراد العراق على خلفية استفتاء الاستقلال الذي نظموه مؤخّرا، لا تقطع خطّ الرجعة بشكل نهائي عن حليفها القديم الذي ما يزال في حال تراجع عن الاستفتاء- الأجدر بالائتمان على مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية في شمال العراق.
الأربعاء 2017/10/04
الاندفاعة ثمنها باهظ جدا

أنقرة - لوّحت تركيا بخيار المصالحة مع حليفها القديم الزعيم الكردي مسعود البارزاني، بالتوازي مع خطاب التصعيد ضدّه على خلفية الاستفتاء الذي جرى مؤخرا على استقلال إقليم كردستان العراق.

وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الثلاثاء، إن “الوقت لم يفت بعدُ بخصوص استفتاء الانفصال الباطل الذي أجرته إدارة إقليم شمال العراق”، مؤكدا أن “التراجع عن هذا الخطأ يعيد العلاقات بين بلاده والإقليم إلى سابق عهدها”.

وبينما تنساق أطراف عراقية، لا سيما الشخصيات والأحزاب الشيعية الممسكة بزمام السلطة، نحو قدر من التصعيد ضدّ أكراد البلاد، يبدو متجاوزا لحدود المعقول في بعض ردود الفعل على الاستفتاء من تصريحات وإجراءات بدفع من إيران وتركيا، تبدو أنقرة حريصة على الحفاظ على المصالح الحيوية السياسية والاقتصادية التي ظلّ البارزاني طيلة السنوات الماضية يسهر على حمايتها وتأمينها للأتراك.

وتسهّل أربيل بقيادة البارزاني لأنقرة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني داخل أراضي الإقليم الكردي وتمدّها بالمعلومات الاستخبارية عن تحرّكاتهم.

كما تجمع بين الطرفين مصالح اقتصادية كبيرة، حيث تستفيد أنقرة من تصدير 550 ألف برميل من النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي وتحصل على حصّة من النفط بأسعار زهيدة.

كما أنّ قدرا كبيرا من المواد والسلع الاستهلاكية التركية المتنوعة تدخل إقليم كردسان العراق بشكل يومي، ويعبر الكثير منها باتجاه باقي مناطق العراق.

ورغم حدّة الخلاف الذي نشب بين البارزاني وتركيا بشأن استفتاء استقلال الأكراد الذي ترى فيه أنقرة خطرا داهما لا يمكن التهاون حياله، إلاّ أنّه سيكون من الصعب إيجاد حليف بحجم البارزاني بين أكراد العراق، لمواصلة إدارة الملف الكردي الشائك الذي تعرف القيادة التركية أنّ حسمه باستخدام القوة وحدها أمر بالغ الصعوبة.

ولوّح أوغلو بشكل صريح بإمكانية المصالحة مع رئيس إقليم كردستان العراق قائلا “إذا تراجعوا (الأكراد) عن هذا الخطأ (الاستفتاء) فإن علاقاتنا معهم ستعود إلى سابق عهدها”، مهدّدا في المقابل بـ”أنه في حال عدم التراجع عن هذا الخطأ فإن تركيا ستقدم على خطوات بالتنسيق مع بغداد”، ومعتبرا أنّ “البارزاني كان موقفه سيبدو أقوى على طاولة المفاوضات مع بغداد لو ألغى الاستفتاء”.

ولا يخلو الخطاب التركي بشأن الاستفتاء الكردي من هاجس البحث عن شريك عراقي في مواجهة حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابيا من قبل تركيا والذي تخوض ضدّه حربا استمرت لعقود رغم الجهود التركية الكبيرة لحسمها.

وأكثر ما تخشاه أنقرة أن يجد حزب العمال حاضنة له بين أكراد العراق. وانعكس هذا الهاجس مجدّدا في كلام وزير الخارجية التركي الذي لم يخف آمال بلاده في توظيف السلطة المركزية العراقية في التصدّي للحزب.

وأشار الوزير إلى إمكانية فتح معبر حدودي جديد مع العراق يخضع للحكومة العراقية المركزية، قائلا إنّ “فتح معبر أوفاجيك ممكن من الناحية الفنية لكن يتوجب على حكومة بغداد أولا تأمين جانب المعبر من جهتها وتهيئة ممر العبور”، لافتا إلى “أن أحد أسباب توغل حزب العمال في منطقة سنجار شمالي العراق هو ضعف إدارة البارزاني، وهذا يتم بدعم من بعض الأحزاب بما فيها حزب جلال الطالباني”.

وتراوح أنقرة بشكل واضح بين خطابي التهديد والاستمالة لأكراد العراق.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبيل توجهّه إلى إيران في زيارة لا تنفصل عن ملف الاستفتاء الكردي، إنّ بلاده مستعدة لاتخاذ المزيد من الخطوات ضد أكراد العراق، مشيرا إلى أن العقوبات لا تزال محدودة وأن تركيا مستعدة للتواصل مع السلطات الكردية في شمال العراق إذا ما غيروا مسارهم.

وجمعت بين طهران وأنقرة، بسبب الاستفتاء الكردي، حالة غير مألوفة من الوفاق بعد أن ظلّتا طيلة السنوات الماضية في علاقة أقرب إلى الخصومة بسبب الخلافات حول عدد من ملفات المنطقة على رأسها الملف السوري، وذلك نظرا للتهديد المباشر لهما والذي تنطوي عليه التوجهات الاستقلالية للأكراد الذين يمتدّ مجالهم على أجزاء من الأراضي التركية والإيرانية.

ودفعت تركيا وخصوصا إيران، حكومة بغداد المركزية والأحزاب والشخصيات القريبة منها إلى قدر كبير من التصعيد من شأنه أن يعمّق الشرخ داخل المجتمع العراقي وقد يزيد أكراده إصرارا على الاستقلال رغم العاصفة الإقليمية التي ثارت في وجوههم.

3