تركيا تنتخب الأحد في استحقاق تشريعي يضع نظام الحكم على المحك

أيام قليلة وتجرى انتخابات البرلمان التركي التي تعد الأهم في تاريخ تركيا الحديث، على إثرها ستتحدد سياسة أنقرة الداخلية والخارجية بحسب متابعين. وتشير استطلاعات الرأي المتابعة للانتخابات البرلمانية التركية، المزمع إجراؤها داخل تركيا يوم 7 يونيو، فيما انتهى التصويت فيها بالخارج، إلى تراجع في شعبية حزب العدالة والتنمية، بما يجعله يفقد ميزة تحقيق الاكتساح البرلماني، على غرار جميع الانتخابات التي شارك فيها منذ 2002. وتتوقّع الاستطلاعات أن يبقى حزب العدالة والتنمية صاحب أكبر كتلة في البرلمان لكنه لن يصل إلى الأغلبية اللازمة لتجنب الدخول في ائتلاف، وبالتالي سيقف ذلك عائقا أمام الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يبحث عن الفوز بأغلبية قوية في الانتخابات حتى يعدل الدستور ويوسّع من سلطاته، وقد يقلب نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي.
الأربعاء 2015/06/03
هل يقبل رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو أن يكون مجرد ظل للرئيس أردوغان

أنقرة - بدأ العدّ التنازلي للانتخابات البرلمانية التركية، التي يقول خبراء إنها ستكون حاسمة لا فقط، بالنسبة إلى مستقبل حزب العدالة والتنمية، الحاكم في البلاد، ذات الطابع البرلماني منذ 13 سنة، بل ستكون مصيرية بقدر أكبر بالنسبة إلى الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان الذي يحلم بفوز حاسم يتيح له إدامة حكمه المثير للجدل في البلاد.

لكن هذه الانتخابات لن تكون مصيرية بالنسبة إلى رجب طيب أردوغان وحزبه فقط، بل أيضا يعتبرها روبرت بيرسن، السفير الأسبق للولايات المتحدة لدى تركيا، مصيرية لصديقه القديم وخليفته في رئاسة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الوزراء أحمد داوود أوغلو؛ حيث يدور في أروقة الساحة السياسية التركية، وخصوصا بين المعارضة، حديث عن توتر بين أردوغان وداوود أوغلو مردّه طموحات الرئيس “الدكتاتورية”.

يذكر أنه إلى غاية فوز أردوغان بمنصب رئيس الدولة في الانتخابات الرئاسية في تركيا التي جرت في أغسطس 2014، كان هذا المنصب منصبا رمزيا، في حين كان رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية الحقيقية في البلاد. ولكن بعد نصف سنة من تسلم أردوغان منصب رئيس الدولة، انقلبت الأمور وأصبح هو الرئيس الفعلي للبلاد، وهو الآن يعمل جاهدا من أجل إدخال تعديلات على دستور البلاد لتثبيت هذا الأمر دستوريا.

ورغم نفي أوغلو وجود خلافات بينه وبين رئيس الدولة، إلا أن كافة الدلائل تشير إلى وجود برودة ملحوظة في علاقاتهما. ويذكر المتابعون أن رئيس الوزراء غير مرتاح لتدخل رئيس الدولة في عمل الحكومة.

وتعلّق رئيسة قسم دراسات الشرقين الأدنى والأوسط في معهد دراسات الشرق، نتاليا أولتشينكو على ذلك قائلة “أوغلو شغل منصب وزير الخارجية في تركيا أكثر من خمس سنوات، وهو من رسم السياسة الخارجية لهذا البلد، ولديه طموحات كبيرة، أي من الصعب أن يكون منفذا لإرادة الآخرين”. ويذهب الكاتب المؤيد لنظام أردوغان عبدالقادر سلوي إلى القول أن البعض في معسكر الرئيس يشتكي من “تعجرفه”، مضيفا “في 8 يونيو من الممكن جدا أن تستيقظ تركيا على حكومة ائتلاف”.

وهذا الخلاف الخفيّ، من بين أسباب تراجع شعبية الحزب الحاكم في تركيا، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن العدالة والتنمية لن يحقق مكاسب كتلك التي حقّقها في جميع الانتخابات التي خاضها منذ 2002، فقد خسر اليوم مكانته نتيجة تدهور الاقتصاد وتصاعد الانتقادات في تركيا والخارج بخصوص نزعته السلطوية.

وتحول الاستحقاق إلى استفتاء حول شخص واحد بالإضافة إلى خطاب الرئيس المنحاز الذي يزداد حدة ضد خصومه ووسائل الاعلام، ليست عوامل مطمئنة بالنسبة إلى أنصاره، مع التذكير بفضيحة الفساد، التي تفجرت يوم 17 ديسمبر الماضي، باعتقال رجال أعمال من دائرة أردوغان وأبناء ثلاثة وزراء من حزبه، وتحولت إلى واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها حكمه المستمر منذ 11 عاما. كما أثّرت مُخلّفاتها على اقتصاد البلاد، إذ انخفضت اللّيرة إلى أدنى مستوى لها في أواخر يناير، وأيضا تم تسجيل تراجع تركيا على مؤشّر الفساد في العالم.

خطاب الرئيس الذي يزداد حدة ضد خصومه ليس عاملا مطمئنا بالنسبة إلى أنصار رجب طيب أردوغان

دكتاتورية دستورية

انتخب أردوغان، في أغسطس الماضي، رئيسا للبلاد وسلّم على الورق مقاليد السلطة التنفيذية التي ترّأسها طيلة 11 عاما والحزب إلى خلفه أحمد داوود أوغلو. لكن أردوغان مصمّم على التمسّك بقيادة البلاد، وينشط مذاك من أجل “إعادة السلطة إلى الرئيس″ في النظام جاعلا من استحقاق 7 يونيو نوعا من الاستفتاء على طموحاته.

وأردوغان ليس أول من طرح قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، فقد سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين تورغوت أوزال وسليمان ديميريل، لكن أردوغان هو الوحيد الذي أمر بتشكيل لجنة برلمانية مهمتها إعداد دستور جديد يسهل عملية الانتقال إلى النظام الرئاسي.

وخرق رئيس الجمهورية روح الدستور الذي يمنحه دورا “يتجاوز الأحزاب”، وبدأ يقود معسكره في حملة مفتوحة شملت عدة خطابات يومية من أجل تغيير الدستور. ويكرر في خطاباته مقولة أن النظام الحالي “عقبة أمام التغيير”، مؤكدا على “ضرورة منح الحزب الذي يدافع عن النظام الرئاسي 400 نائب”.

ومن أجل نجاح مساعيه يحتاج أردوغان إلى فوز كاسح، يقضي بفوز العدالة والتنمية بثلثي (367) مقاعد النواب (550) ، بحيث يمكنه أن يقر منفردا التعديلات التشريعية التي تعزز سلطات الرئيس. وإن حصل على 330 مقعدا فيمكنه طرح المسألة في استفتاء، وإلا فلن يتمكن من تحقيق طموحاته.

في هذا السباق لجمع الأصوات تشكّل النتيجة التي سيحرزها الحزب الكردي الرئيسي وهو حزب الشعوب الديمقراطي، العنصر المحوري في استحقاق يشترط على أي حزب الحصول على أكثر من 10 بالمئة من الأصوات في البلاد لدخول البرلمان.

5 بالمئة نسبة الأتراك المقيمين بالخارج ممن لهم حق التصويت

وأوضح سولي أوزيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قادر هاس في إسطنبول، إذا “تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي هذه النسبة فسيكون مستحيلا للحزب الحاكم إحراز 330 مقعدا. إن لم يتجاوزها فسيعاد توزيع الأصوات وسينال العدالة والتنمية أكثرية واسعة”. وأضاف أن “حزب الشعب الجمهوري لاعب لا يمكن تفاديه”.

وقد تفضل الأقلية الكردية، التي تشمل 20 بالمئة من سكان البلاد وكانت حتى الآن تمنح الكثير من الأصوات إلى حزب العدالة والتنمية، أن تختار التصويت هذه المرة لحزب الشعوب الديمقراطي.

وركزت المعارضة حتى الآن هجماتها على “السلطان” أردوغان ومشاريعه الإصلاحية التي اعتبرتها بمثابة “دكتاتورية دستورية”. وعلى غرار حزب الشعوب الديمقراطي شدّد الحزبان المعارضان الكبيران الآخران، حزب الشعب الجمهوري (اجتماعي ديمقراطي) وحزب العمل القومي (يمين) على تباطؤ الاقتصاد التركي مؤخرا.

الاقتصاد طريق النجاح والفشل

يبدو أن صفحة “المعجزة” التركية طويت اليوم، حيث بلغت البطالة أعلى مستوياتها منذ خمس سنوات وازداد التضخم، وضعفت العملة أمام الدولار واليورو وتوقف النمو على أقل من 3 بالمئة، بعيدا عن سنوات النمو “على الطراز الصيني” التي فاقت 8 بالمئة.

وصرح الاقتصادي سيف الدين غورسيل، “طوال عشر سنوات شهدت تركيا نموا مرتفعا (…) تمت مشاطرته”، أما “اليوم دخلنا حلقة نمو ضعيف لم تعد تجيز تقليص التفاوت الاجتماعي… ومن الواضح أن العدالة والتنمية سيخسر ناخبين”.

فوز العدالة والتنمية في انتخابات البرلمان بالأغلبية أمر صعب دون صفقة مع حزب الأكراد

ويتحدّث السفير الأميركي الأسبق في تركيا روبرت بيرسن، في تحليل عن معهد الشرق الأوسط للدراسات، عن النمو الاقتصادي الباهر الذي حققته تركيا في السنوات الماضية، لكنّه اليوم يمرّ بمرحلة خطرة بعد أن أحاطت به رياح متعاكسة من السياسات الاقتصادية والصراع السياسي.

ويركّز بيرسن على الاقتصاد باعتباره الطريق التي قادت في السابق حزب العدالة والتنمية إلى الفوز، حيث قام الحزب، منذ سنة 2002، بصنع معجزة من النمو الاقتصادي في تركيا، إذ ارتفع الدخل الفردي للأتراك من 3500 دولار في سنة 2002 إلى قرابة 11 ألف دولار في سنة 2013، أي بزيادة قدرها 300 بالمئة. وفي سنة 2014، لم ير الناخبون الأتراك أحسن من البرنامج الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية وخشوا العودة إلى فوضى الحكومات الائتلافية إذا خسر هذا الحزب. لكن، تسبب الصراع حول استقلالية البنك المركزي ومستويات أسعار الفائدة في إضعاف العملة التركية وتعكير أجواء حزب العدالة والتنمية. كما أدى فقدان الثقة إلى تخفيض قسط تركيا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة للأسواق الصاعدة إلى مستويات سنة 1988، ومازالت بعض الخطوات الضرورية جدا لتحسين اتحاد الجمارك التركي الأوروبي معلقة.

زيادة على ذلك تقف الإخفاقات الحاسمة في إجراء إصلاحات مؤسساتية في ما يتعلق بشفافية الحكم والمساءلة وحكم القانون ونزاهة القضاء وغيرها عائقا في طريق تركيا إلى تحقيق المزيد من الازدهار.

ويرى بيرسن أن اهتمام القيادة التركية مركز، منذ ديسمبر 2013، على صراع داخلي على السلطة، أولا بين طائفتين من الشركاء في الحكومة، والآن بين مختلف طوائف حزب العدالة والتنمية نفسها. فهل يفهم الزعماء الذين ارتكزت شهرتهم في معظمها على الإنجازات الاقتصادية ما الذي يراهنون عليه إذا بدأ تناحرهم الداخلي في تدمير الاقتصاد قبل تدمير بعضهم البعض؟ ويختم قائلا إن الحكومة التركية، ليس بوسعها تنمية الاقتصاد بالكلام.

وفي ظل الأزمة الحالية والارتباك في السياسة الاقتصادية لا يبدو أن حزب العدالة والتنمية سيواصل السير في درب الامتياز، وحتى ولو فاز في الانتخابات البرلمانية، فإن فوزه سيغلب عليه طعم الخسارة.

6