تركيا تنتظر المزيد من المصاعب الاقتصادية بعد الانتخابات

لم يعد أمام الأتراك سوى ربط الأحزمة لمواجهة الأزمات حتى موعد الانتخابات المقبلة في عام 2023.
الجمعة 2019/03/29
اتساع جبهة الرفض لقبضة أردوغان الخانقة

يجمع المحللون على أن الانتخابات المحلية التركية الأحد ستكون مقدمة لمزيد من المصاعب الاقتصادية، بسبب استبعاد أن يحدث أي تغيير في الفريق الاقتصادي والسياسي، ما يعني انعدام الأمل بتخفيف الأزمات التي تتفاقم بسرعة خطيرة.

فقد انخفضت الليرة الجمعة الماضي بأكثر من 4 بالمئة مقابل الدولار في ترديد لأصداء أزمة العملة التي دمرت مستويات المعيشة وفرص العمل. كما انكمش الاقتصاد في النصف الثاني من العام بينما بلغت ثقة المستهلكين أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية قبل 10 سنوات.

ويدرك الأتراك أن انتخابات هذا الأسبوع لن تحقق أي تغيير في هرم السلطة بعد أن عزّز رجب طيب أردوغان سلطاته في يونيو الماضي، مما يجعل البرلمان بلا سلطة تقريبا ويهمّش المعارضة الضعيفة بالفعل، في وقت يقبع فيه أكثر المعارضين فعالية وهو صلاح الدين دميرطاش في السجن.

لا تستطيع تركيا التخلص من حزب أردوغان الحاكم ورئاسته التنفيذية القوية، شئنا أم أبينا.

ويقول تيم آش، كبير محلّلي الأسواق الناشئة في مؤسسة بلو باي لإدارة الأصول في لندن “خلال الأشهر الماضية، رأينا سياسات سيئة غير مواتية للسوق… فترة ما بعد الانتخابات تحتاج إلى تغيير ذلك وعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي وإلا سيصبح الأمر أكثر سوءا مرة أخرى”.

وبلغت المخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي والمالي ذروتها بعد أن فقدت الليرة العام الماضي ما يقرب ثلث قيمتها مقابل الدولار، في وقت يلقي فيه أردوغان وحكومته باللوم على القوى الأجنبية وحلفائها. ويبدو أن عددا متزايدا من الأتراك شرعوا بتصديق ذلك التبرير.

ومنذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، سمحت سياسات مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي للأسواق الناشئة مثل تركيا، بتعزيز اقتصاداتها بالائتمان الأجنبي الرخيص.

وفي حين استعدت دول أخرى لأوقات أكثر صعوبة، في إشارة مجلس الاحتياطي الاتحادي إلى قرب تشديد السياسة النقدية، سمحت أنقرة للشركات بمواصلة مراكمة الديون وتواصل الإنفاق الحكومي لرفع معدلات النموّ المفتعلة، وهو ما اتضحت خطورته الآن.

منذ عام 2013، فقدت الليرة 68 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، وهو أسوأ أداء بين الأسواق الناشئة الرئيسة بعد البيزو الأرجنتيني.

وبعد عام على محاولة الانقلاب ضد حكومته قدم أردوغان في 2017 تخفيضات ضريبية، وأعاد هيكلة حوالي 50 مليار دولار من القروض لنحو 300 ألف شركة للمساعدة في إصلاح مشاكل الاقتصاد في إطار استعداده للانتخابات الرئاسية.

وساعد ذلك على نموّ الاقتصاد بنسبة 7.4 بالمئة في ذلك العام. لكن بحلول بداية العام الماضي، بدأ المحللون يحذّرون السقوط في قبضة النموّ التضخّمي الشديد. وشرع المستثمرون في الفرار من البلاد، وبدأ الأتراك باتخاذ الإجراءات لمواجهة أزمة محتملة.

وفي 14 مايو 2018 فجّر أردوغان قلق المستثمرين حين قال في لندن إن ارتفاع أسعار الفائدة أدى لزيادة التضخّم، لأن ذلك يتعارض مع القواعد الاقتصادية الشائعة بشكل صارخ.

وفي محاولة لإعادة الاستقرار الاقتصادي قبل انتخابات 24 يونيو الماضي، أعلن أردوغان عن تدابير لمساعدة القطاع العقاري والسماح للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة. ورغم ذلك واصلت الليرة انحدارها السريع.

واستبدل أردوغان الخبير الاقتصادي محمد شيمشك بصهره براءت البيرق، الذي أصبح وزيرا للمالية والخزانة بعد دمجهما. كما بدأ أردوغان في إصدار مراسيم رئاسية شبه يومية بشأن السياسة الاقتصادية.

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات اقتصادية على تركيا في أغسطس الماضي، كان الاقتصاد يترنح بالفعل على شفا الانهيار. وانحدرت الثقة الاقتصادية إلى أدنى مستوياتها منذ محاولة الانقلاب وقالت غرفة صناعة إسطنبول إن ظروف التصنيع في البلاد كانت في أسوأ حالاتها منذ عام 2009.

ثم واصل أردوغان مفاقمة حالة عدم اليقين الاقتصادي. وسيطر في سبتمبر بشكل شخصي على صندوق الثروة السيادية. وبدأ باستخدام مصارف الدولة الخاضعة لسيطرته لتقديم أسعار أقل من السوق على القروض وإعادة هيكلة ديون المستهلكين والشركات.

ولا يزال من الصعب حتى الآن تقدير التكلفة المالية الباهظة لتلك السياسات، في وقت بدأت فيه وكالات التصنيف الائتماني بإصدار تحذيرات مقلقة بشأن الجدارة الائتمانية للمقرضين.

وأمعنت الحكومة في سياساتها بإحياء برنامج إعادة هيكلة القروض من أجل مساعدة الشركات المتعثرة، وكثير منها إمّا على وشك الإفلاس وإمّا يكافح من أجل سداد الديون. ثم جاء البرنامج الاقتصادي الذي تم الترويج له كثيرا، والذي أعلنه البيرق في سبتمبر الماضي خاليا من المضمون.

ويظهر المثال الأكثر وضوحا على السياسة الاقتصادية غير التقليدية في قيام الحكومة ببيع أغذية رخيصة في أكشاك تديرها الدولة في ساحات الأسواق هذا العام، في محاولة لكبح جماح التضخم الذي وصل إلى حوالي 20 بالمئة.

وتم تمديد التخفيضات الضريبية على سلع استهلاكية بينها السيارات وغسالات الملابس. ودفع ذلك صندوق النقد الدولي إلى التحذير الأسبوع الماضي من أن الحكومة بحاجة إلى الخروج بمجموعة متماسكة من السياسات لتصحيح مسار الاقتصاد.

ويعني تراجع الإيرادات الضريبية أن عجز الموازنة تضاعف أكثر من 8 أضعاف في فبراير بمقارنة سنوية ليصل إلى 3 مليارات دولار، بعد أن قفز الإنفاق الحكومي بنسبة 33 بالمئة على أساس سنوي.

وبالتزامن انخفضت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية مرة أخرى هذا الشهر. وتراجعت بنحو 6.3 مليار دولار إلى 28.5 مليار دولار في الأسبوعين المنتهيين في 15 مارس.

وحتى حلول موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في يونيو 2023، لا يبدو أن أمام الأتراك سوى ربط الأحزمة لمواجهة دوامة أزمات الاقتصاد المتفاقمة.

10