تركيا تنتقل من دعم الميليشيات إلى قيادة الحرب ضد الجيش في ليبيا

دور أنقرة في معركة طرابلس تجاوز مساندة الميليشيات الإسلامية لتتحوّل إلى مقاتل بالنيابة عن حكومة المنطقة بعدما انخرطت بشكل أكبر في الصراع خلال الفترة الأخيرة.
السبت 2019/09/21
تركيا تلقي بثقلها لتكريس الانقسام في ليبيا

قدّمت تركيا دعما حاسما لحكومة الوفاق الوطني، التي تتخذ من طرابلس مقرا، حيث زوّدتها بطائرات مسيرة مسلحة نفذت سلسلة من الضربات الجوية ضد الجيش الليبي الذي يضرب حصارا.

طرابلس- لم يعد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر يواجه معركة مع ميليشيات في طرابلس وإنما حربا ضد العبث التركي الذي تعاظم خلال الفترة الأخيرة، ما يعكس إصرارا من قبل أنقرة على إدامة الفوضى في البلاد.

تجاوز دور أنقرة مساندة الميليشيات الإسلامية لتتحوّل إلى مقاتل بالنيابة عن حكومة طرابلس بعدما انخرطت بشكل أكبر في الصراع خلال الفترة الأخيرة. وبالإضافة إلى الدعم بالأسلحة والطائرات المسيرة، رغم حظر التسليح الدولي المفروض على ليبيا، يقود ضبّاط أتراك المعارك لمنع دخول الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر إلى العاصمة الليبية.

وكشف مصدر استخباراتي ليبي عن إفشال الجيش الوطني لمخطط تقوده المخابرات التركية لتصفية عدد كبير من ضباطه، إضافة إلى احتلال الهلال النفطي في الشرق بعد السيطرة على الجفرة. وقال المصدر “إن الاستخبارات الليبية توصّلت إلى معلومات تُفيد بوصول فرقة استخباراتية تركية للبلاد لتنفيذ اغتيالات لضباط الجيش الليبي”.

وأوضح لموقع “العين” الإماراتي أن الجيش ضبط قائمة تضم 150 اسما للضباط المشاركين في معارك “طوفان الكرامة” بحوزة الفرقة الاستخباراتية التركية، من بينهم القادة الثلاثة باللواء التاسع الذين تمت تصفيتهم بصاروخ استهدف سيارتهم، وهم يقاتلون في أحد المحاور جنوبي طرابلس، الأسبوع الماضي.

وكان المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري أعلن أن القوات المسلحة الليبية حصلت على وثائق سفر خاصة بجنود في جهاز الاستخبارات التركية يساندون الميليشيات والتنظيمات الإرهابية بطرابلس.

وأوضح أن الجيش الليبي رصد أسماء 19 ضابطا تركيّا دفع بهم الرئيس رجب طيب أردوغان لإدارة المعركة ضد الجيش الليبي. وتضمّنت قائمة الجنود الأتراك الفريق ثاني جوكسال كاهيا، نائب وكيل وزارة الدفاع التركية، وهو لا يزال عاملا في الجيش التركي، ويليه السكرتير العام للقوات المسلحة التركية عرفان أوزسارت، إضافة إلى الجنرال لفانت أرجون المتهم بجرائم قتل ضد عناصر حزب العمّال الكردستاني في بلدة نصيبين بولاية ماردين.

وأكدت دوائر عسكرية ليبية أن التدخل العسكري التركي في ليبيا تجاوز دور المساند لحكومة السراج وميليشياته، ليتطوّر إلى حرب مباشرة ضد ليبيا وعسكرييها وجنودها وجيشها الوطني.

وذكر العميد خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، أنّ القوات الجوية استهدفت حافلة كانت تقلّ ضباطا أتراكا، وقتلت منهم 6 ضباط، كما قصفت غرف عمليات ومعسكرات ودشم ذخائر في مدينة سرت كانت تعدّها الميليشيات والتنظيمات المسلحة بإشراف الأتراك لشنّ هجوم يستهدف قاعدة الجفرة مجددا.

ونفّذت طائرات مسيرة تركية الصنع من طراز بايراكتار تي.بي 2 سلسلة من الضربات الجوية بالنيابة عن حكومة الوفاق الوطني، وقدّمت الدعم الجوي لقواتها البرية التي تنفّذ هجمات مضادّة. وساعد هذا الإسناد الجوي تلك القوات بشكل ملحوظ في التصدّي لجيش الوطني الليبي، الذي يقوده حفتر، في مدينة غريان أواخر يونيو الماضي. وحتى ذلك الوقت، كانت المدينة مركزا لوجستيا رئيسا للحصار.

ونجح الجيش الليبي مطلع أغسطس الماضي في تدمير أسطول حكومة الوفاق الوطني من الطائرات طراز بايراكتار من خلال شن غارات متتالية على قاعدتي معيتيقة ومصراتة الجويتين. ويبدو أن تركيا نجحت في تعويض تلك الخسائر من خلال إعادة تزويد حكومة الوفاق بطائرات جديدة في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في أواخر أغسطس، وفقا لتقارير.

تعاظم العبث التركي في ليبيا
تعاظم العبث التركي في ليبيا

وتتمركز طائرات حكومة الوفاق المسيرة في مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، وفي مصراتة شمال غربي ليبيا. وينفّذ الجيش الوطني الليبي معظم ضرباته الجوية من قاعدة الجفرة الجوية في وسط ليبيا.

وقال أرنود ديلالاندي، وهو خبير دفاع وأمن، إن “حكومة الوفاق الوطني حصلت على 12 طائرة من طراز بايراكتار تي.بي2 على دفعتين –أربع وثماني– خلال الفترة بين شهريْ مايو ويوليو. وأضاف أن “نصف هذه الطائرات على الأقل دُمّر خلال الضربات الجوية التي شنّها الجيش والدفعة الثانية التي تمّ تسليمها في يوليو كانت لتُعوّض الخسائر في الدفعة الأولى”. وتابع “يبدو أن دفعة ثالثة تم تسليمها في نهاية أغسطس، بعد خسائر جديدة خلال الصيف”.

وتُشير تقديرات ليفانت أوزغول، وهو محلل تركي متخصص في شؤون الدفاع، إلى أن “ثماني طائرات على الأقل من طراز بايراكتار تي.بي 2 جرى تسليمها لحكومة الوفاق الوطني وتتمركز في مصراتة”.

وقال أوليفر إمهوف، وهو باحث في الشأن الليبي لدى “اير وورز”، وهي منظمة غير ربحية تتخذ من المملكة المتحدة مقرّا، وتوثّق الضربات الجوية وخسائرها في الشرق الأوسط وليبيا، إن “حكومة الوفاق “تسلّمت دفعة جديدة من الطائرات المسيرة التركية في السابع والعشرين من أغسطس تقريبا”.

وأشار إلى أن “الرقم غير واضح في حقيقة الأمر، لكن بالنظر إلى حجم الضربات التي تنفّذها حكومة الوفاق الوطني في الوقت الحالي، فمن المفترض أن يكون الرقم قريبا من الست إلى ثماني طائرات مسيرة، التي كانت تنفّذ عمليات من قبل”.

وكان مراقبون توقّعوا وصول شحنة جديدة من الأسلحة التركية والطائرات المسيرة بعد الزيارة التي قام بها وزير الداخلية المحسوب على تنظيم الإخوان المسلمين فتحي باشاغا إلى تركيا في 26 من أغسطس الماضي.

وبينما لا يوجد رقم واضح لعدد الطائرات التي يستخدمها الجيش الليبي، يقول إمهوف إن الجانبين لديهما في ما يبدو قدرات متساوية، استنادا إلى عدد الضربات الجوية التي نفّذاها ضد بعضهما البعض.

وكان الجيش نجح بعد توجيه سلسلة ضربات على قاعدتيْ معيتيقة ومصراتة في السيطرة على المجال الجوي، لاسيما بعدما أسقط طائرتين حربيتين تابعتين لحكومة الوفاق إحداها كان يقودها طيار مرتزق أميركي.

ولا يستبعد مراقبون أن تكون تركيا قد ثبّتت دفاعات جوية في قاعدة مصراتة. وقال ديلالاندي إن الطائرات المسيرة التركية الموجودة في مصراتة تخضع في ما يبدو لنوع من “الحماية، فالجيش الليبي لم ينفّذ أي ضربات ثأرية، على الرغم من أن الطائرات المسيرة التركية قصفت رتلا تابعا له في ترهونة… قد يفسر هذا وجود نظام دفاع جوي في القاعدة خلال الآونة الأخيرة”.

وأضاف “يبدو أن تركيا نصبت هوائيات في شهر يوليو لزيادة نطاق طائراتها المسيرة، بهدف توجيه ضربة للجفرة وتدمير طائرتيْ نقل عسكري من طراز إليوشن آي.إل-76 تابعتين للجيش الوطني الليبي”.

كل هذا يوضح أن تركيا لا تنكر فقط التفوق الجوي للجيش الوطني الليبي وإنما تُثبت قدرتها الفائقة على مهاجمته نيابة عن حكومة طرابلس. في الوقت ذاته، يبدو أن أيا من الجانبين غير قادر على التغلب على الآخر الآن.

وقال أوزغول إن تدفق المزيد من السلاح التركي قد يرجح كفة حكومة الوفاق الوطني في ميزان الصراع مع الجيش الوطني الليبي. وأشار إلى أن “تركيا قد تحاول إرسال طائرات مسيرة قادرة على الطيران على ارتفاع متوسط من طراز تي.ايه.آي أنكا الأكبر حجما والمسلحة… غير أن تسيير مثل تلك الطائرات الأكبر حجما وصيانتها قد يكونان أكثر تعقيدا من الطائرات الصغيرة والمؤثرة من طراز تي.بي 2”.

وقال أوزغول إن الطائرات المسيرة التركية “هي بشكل عام أقوى وأكثر صلابة، وسهلة الاستخدام، ومؤثرة للغاية، وتتميّز ذخيرتها الصغيرة (إم.ايه.إم-إل وإم.ايه.إم-سي) بدقتها البالغة”. وتوقّع أن تستمر تركيا في إمداد حكومة الوفاق الوطني بمثل هذه المعدّات.

القوات المسلحة الليبية حصلت على وثائق سفر خاصة بجنود في جهاز الاستخبارات التركية يساندون الميليشيات 

لكن الشحنات التركية من مثل هذه المعدّات من الممكن أن تكون غير حصينة. فالقوات الجوية في مصر والسودان على سبيل المثال، يمكنها اعتراض طائرات الشحن بسهولة، بينما يمكن للقوات البحرية المصرية واليونانية قطع الطريق على السفن المتجهة إلى ليبيا.

والدولة الرئيسة التي يمكنها تعطيل جهود الإمداد التركية هي مصر. وقال أوزغول “إذا قررت القوات المصرية اعتراض طريق هذه الشحنات، فإنها يمكنها أن تفعل هذا بسهولة”.

ويشك سيباستيان روبلين، وهو صحافي متخصص في شؤون الدفاع يكتب لمجلة “ذا ناشيونال إنترست”، أن يكون أي من الطرفين، في أن الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، “قادران على الخروج من المأزق الحالي من خلال حملة الضربات الجوية، التي من المحتمل أن تضرب المدنيين بقدر ما تضرب الأهداف العسكرية في أقل تقدير”.

وقال روبلين “يخلق هذا انطباعا لدى المتابع للمشهد بأن الجيش الليبي، على كل هذا الاتساع الجغرافي الذي يحظى به، ليس لديه الآن ما يكفي من الدعم لكسر سيطرة حكومة الوفاق الوطني على طرابلس ومصراتة”.

ومنذ أن دخلت ليبيا في حالة فوضى بعد بداية الربيع العربي بقليل في عام 2011، ظهرت أسلحة جرى تهريبها من البلاد في مناطق حرب أخرى مثل مالي وحتى سوريا.

ويتخوّف إمهوف من إمكانية تكرار هذا الأمر، مع الطائرات من طراز بايراكتار التي لدى حكومة الوفاق الوطني.

وقال “بينما نرى المزيد من الدول التي تنتج طائرات مسيّرة مسلحة أو غير مسلحة، مثل الصين أو تركيا، في وجود القليل من القيود على نشر تلك الطائرات، فإن هناك بالتأكيد فرصة لوصول تلك الأسلحة إلى أيدي لاعبين من غير الدول… لكن الطائرات المسيرة، وعلى الرغم من أنها غالبا ما تُقارن بألعاب الفيديو، لا يمكن استخدامها بهذه السهولة”.

وذَكَر مثال حكومة الوفاق الوطني، التي “ما زالت تعتمد بشدة على الدعم التركي لإطلاق طائراتها… قد يمثّل هذا عقبة أمام اللاعبين الآخرين الذين ليسوا بدول، نظرا إلى ضعف إمكانياتهم”.

6