تركيا تنفض يديها من الإرهاب بالسير في جنازة القتيل

الأربعاء 2015/01/14
دعم الإرهاب والتنديد به سياسة تعتقد أنقرة في نجاعتها

أنقرة – الإرهاب ليس الصفة التي تفضّل الحكومة التركية أن تطلقها على الجماعات التي تدعمها في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، لكن حينما تقوم هذه الجماعات باستهداف حليف رئيس كفرنسا فإن الأمر يتحول في أنقرة إلى النقيض، ويعلو صوت التنديد وتظهر أخلاق المساندة والدعم، وتخرج ورقة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مرة أخرى.

تسعى الحكومة الإسلامية في تركيا إلى الظهور في شكل معتدل يدحض الاتهامات التي توجه إليها بين الحين والأخر بأنها ضمن الداعمين الرئيسيين للتنظيمات الجهادية والمتشددة التي تقاتل لإسقاط الرئيس بشار الأسد في سوريا.

ومشاركة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي في مسيرة “الجمهورية” التي دعا إليها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ردا على الهجوم على مقر مجلة “تشارلي إبدو” الساخرة تعكس رغبة جامحة من أنقرة للخروج من العزلة.

وتعاني تركيا في الآونة الأخيرة من عزلة قاسية على المستويين الإقليمي والدولي نتيجة لمواقفها من قضايا إقليمية تشغل حيزا مهما في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك بسبب تقاعسها عن المشاركة في الحرب على تنظيم داعش في سوريا.

وكان موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الثورة التي قامت في مصر في 30 يونيو 2013 وخلع الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين مدخلا لتوتر العلاقات مع القاهرة ودول الخليج العربية.

واعتادت أنقرة منذ ذلك الوقت توجيه إساءات إلى النظام المصري والرئيس عبدالفتاح السيسي خفت حدتها بعد التقارب الذي شهدته العلاقة بين مصر وقطر.

سامح شكري: العلاقة مع قطر العربية تختلف عن العلاقة مع تركيا

وعلق وزير الخارجية سامح شكري في وقت سابق على هذا التقارب بأن العلاقات “العربية-العربية” علاقات خاصة هدفها التواصل بين الشعوب والتقدير المتبادل وأهمية الحفاظ على الأمن العربي والحفاظ على هذه التحديات.

وجاء ذلك ردا على المساعي السعودية للمصالحة المصرية القطرية، وقال “شكري” إن العلاقات مع قطر تختلف عنها مع تركيا، لأن العلاقات العربية تتخطى علاقة المصالح.

وشهدت العلاقات المصرية القطرية تحسنا كبيرا في الأيام الماضية بعد أن دعا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في شهر نوفمبر الماضي مصر لدعم اتفاق توصلت إليه السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين لإنهاء نزاع دبلوماسي استمر ثمانية أشهر مع قطر حول دعمها للإخوان المسلمين وتشجيع ثورات “الربيع العربي”.

وكان تجاوب قطر مع المطالب الخليجية بضرورة قطع العلاقات مع الإخوان المسلمين والتنازل عن تقديم الدعم لهم، دفع بتركيا إلى لعب دور المنقذ الصريح لمصالح الإخوان، بغاية كسب ورقة ضغط في المنطقة يراها كثيرون لم تعد تجدي نفعا في ظل الإجماع الدولي على تناقض السياسة الخارجية التركية وعدم تماشيها مع المتطلبات الدولية المناهضة للإرهاب.

لكن عملية شارلي إبدو التي راح ضحيتها عشرة صحفيين ورجلا أمن، بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية التي أعقبتها كانت الطريق المعبد أمام أنقرة في محاولتها لإعادة الاندماج مع محيطها الأوروبي مرة أخرى.

وقال أوغلو “سنواصل رفع صوتنا عاليًا، في وجه العمليات الإرهابية في أية بقعة من العالم، باعتبارنا دولة عانت كثيرًا من الإرهاب في الماضي”.

وأكد رئيس الوزراء التركي “وسنواصل رفع صوتنا أيضا ضد إرهاب الدولة بحق شعبها في أي مكان، أو حيال الذين يمارسون الضغوطات والظلم، مثلما يحدث بحق الفلسطينيين، وسنستمر في الاعتراض على ما يجري في فلسطين، وسوريا، أو في دول أخرى”.

لكن أوغلو وجه اللوم أيضا إلى الأوروبيين الذي لفظوا بلاده ورفضوا انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قائلا “لو لم توضع العراقيل أمام تركيا واندمجت مع الاتحاد الأوروبي، عقب استفتاء قبرص عام 2004، لما شاهدنا هذا المستوى من التوترات الثقافية اليوم، ولكن مع الأسف بتنا نشاهد في الآونة الأخيرة من يبني سياساته في أوروبا على هذه التوترات والتناقضات الثقافية، وهنا مكمن المشكلة”.

على تركيا عمل الكثير في الفترة المقبلة حتى تتزحزح من مقعدها الملاصق لمقعد المتشددين

وتعترض دول عدة بين صفوف الاتحاد على انضمام تركيا إليه بالنظر على التدهور العميق الذي تشهده عدة ملفات في إدارة الدولة، وعلى رأسها ملف الحريات.

كما تتحفظ دول الاتحاد على تحركات تركيا في المياه الإقليمية القبرصية، والتنقيب على الغاز بالقرب من سواحلها، وهو ما اشتكت منه قبرص كثيرا وهددت باستخدام حق الفيتو لمنع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد.

لكن يبدو أن هناك بصيصا من أمل في تركيا لفك هذه العزلة. ويدرك الأتراك أن ألمانيا مازالت هي من يملك التأثير الأكبر في عملية صنع القرار الأوروبي، وهو الاعتقاد الذي يقف وراء قرار أوغلو بالتوجه إلى برلين عقب مشاركته في مسيرة باريس.

لكن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لطالما أعربت عن امتعاضها لسعي أردوغان الدائم إلى تكميم الأفواه والسيطرة على القضاء وأجهزة الدولة.

وتلقت طموحات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ضربة قاسية مع حملة التوقيفات الأخيرة التي نفذتها الشرطة في صفوف الصحافة المعارضة المرتبطة بفتح الله غولن العدو اللدود للرئيس اردوغان، ما أدى إلى تبادل تصريحات شديدة اللهجة بين أنقرة وبروكسل.

والانتقادات في تركيا وخارجها اتهمت أردوغان بتوطيد موقعه ضد معارضيه المحليين والدوليين وقد وصفته صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا بأنه “زعيم متسلط يعيش في عالم مواز. لكن الانتقادات أيضا شملت دعم النظام التركي للجماعات التكفيرية والراديكالية التي تقاتل في سوريا، وعلى رأسها جبهة النصرة وتنظيم أحرار الشام، كما تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورا تظهر سماح السلطات التركية لمقاتلين في تنظيم داعش بتلقي العلاج على أراضيها بعد تعرضهم لإصـابات في المعارك الجارية في مدن الشمال السوري، الى جـانب التـأكيدات على سماح أنقرة بمرور المقاتلين إلى سـوريا.

ومشاركة رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركيين محاولة من النظام في انقرة الذي يدرك ان مقعده في نظر المجتمع الدولي بات ملاصقا على الطاولة لذلك المخصص للجماعات الارهابية والمتشددة لتبييض وجهه، لكن عليه ان يفعل الكثير في الاشهر القليلة المقبلة حتى يتزحزح من هذا المكان الذي احتله لسنوات.

12