تركيا تواجه تحديات لا حل لها مع الاتحاد الأوروبي

صحافي تركي: لم نخسر الحلم الأوروبي فحسب، بل خسرنا حلم الديمقراطية.
الخميس 2019/11/21
المسافة تتسع بين بروكسل وأنقرة

زادت أنشطة تركيا الأخيرة، مثل التنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط وشراء نظام الدفاع الروسي رغم عضويتها في الناتو والعملية العسكرية على سوريا التي استهدفت الأكراد، من مسافة التباعد بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، وأوصلت العلاقات، وفق خبراء شاركوا في مؤتمر ببروكسل حول تحديات العلاقات الأوروبية التركية، إلى مستوى قياسي من التدهور.

بروكسل – لفت مؤتمر انعقد في البرلمان الأوروبي إلى حجم التحديات والصعوبات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي مع تركيا دون وجود حلول قابلة للتطبيق قريبا. ويأتي هذا المؤتمر، الذي شارك فيه عدد من الدبلوماسيين والباحثين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، في سياق التحولات الطارئة على العلاقات الأوروبية التركية، والتي سجّلت أعلى مستويات التوتر في السنوات الأخيرة نتيجة سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

واتفق المشاركون في المؤتمر على أن السياسة الخارجية الأوروبية دون الأداء المطلوب للتعامل مع تصرفات تركيا غير المرغوبة. كما تراجع الحوار الأوروبي التركي إلى أدنى درجاته، الأمر الذي عكسه كالن أيونات أنغور، رئيس قسم تركيا في مؤسسة الخدمات الخارجية الأوروبية، بقوله “في استعراض بسيط لوضع تركيا الجديد يظهر أن العلاقات الثنائية قد تستمر في التدهور، مما يتطلب تحركا سريعا من الطرفين لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

الحلم البعيد

تحدث جان دوندار، صحافي تركي، عن الحلم الأوروبي بالنسبة للأتراك. وقال “أسكن في القسم الآسيوي من إسطنبول وكنت أعمل في جريدة تقع في القسم الأوروبي، وكل يوم أذهب إلى العمل أعبر الجسر لأنتقل للشق الأوروبي لإسطنبول فأشعر بالتفاؤل بأننا في يوم ما سندخل الاتحاد الأوروبي”. لكن، هذا الحلم اليوم يكاد يكون مستحيلا.

على مدى عقود، عملت تركيا جاهدة للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وحاولت الإيفاء بكل الشروط وتجاوز العقبات التي كان الأوروبيون يضعونها أمام طلبها للانضمام إلى تكتّلهم، لكن عقود العمل والمحاولات ذهبت أدراج الرياح بسبب سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

لم يكتف أردوغان بإغلاق باب عضوية الاتحاد الأوروبي في وجه تركيا، بل تسبب أيضا في تحول السياسة الخارجية التركية من صفر مشاكل إلى صناعة المشاكل مع الجميع، ومن بنيهم الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر تركيا شريكا رئيسيا واستراتيجيا في قضايا مثل الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والاقتصاد، ولكنه لا يتوافق معها في مجالات الديمقراطية وسيادة القانون والحقوق الأساسية، والحريات.

وتحتل تركيا المرتبة 179 في مؤشر حرية الصحافة 2019، مع أكبر نسبة صحافيين مسجونين في العالم. ووصلت تركيا إلى هذه المرتبة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في يوليو 2016، حيث أعلن على إثرها أردوغان حالة الطوارئ التي سمحت له بتقويض حرية الصحافة والتعبير والتعددية السياسية واستقلال القضاء وحماية الأقليات.

وعلى الرغم من أن انتهاء حالة الطوارئ في يوليو 2018، استبدل النظام المزايا التي كانت توفرها بتشريع قانون مكافحة الإرهاب الذي زاد من تقويض سيادة القانون والحريات الأساسية.

بالإضافة إلى ذلك، أدت عوامل جديدة إلى توسيع المسافة الفاصلة بين تركيا والاتحاد الأوروبي وتركيا، من ذلك الانتخابات المحلية التي نظمت في 31 مارس وكشفت عن جانب آخر تركيا اليوم، التي لا تعترف بالديمقراطية، حيث رفض ائتلاف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الإقرار بهزيمته في إسطنبول، وادعى أن الانتصارات التي حققها بعض من مرشحي حزب الشعوب الديمقراطي باطلة.

وعُزل رؤساء البلديات المنتخبين الأكراد واحتجز المئات من الأشخاص في جنوب شرق تركيا في أغسطس، بسبب صلاتهم بالمتشددين الأكراد المشتبه بهم. وترى العواصم الأوروبية عدم احترام أنقرة للمعايير الديمقراطية التي يعتمدها التكتل. لذلك، لم تعد فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد واقعية.

أنشطة تستوجب عقوبات
أنشطة تستوجب عقوبات

في ظل هذه الأجواء، رأى السفير مارك أوتي، رئيس مركز بروكسل الدولي، أن تركيا تعاني من أزمات دبلوماسية مع عدة أطراف دولية، ومن عجز في إدارة الصراع في المنطقة في ظل الحكومة التركية الحالية.

وتحدثت فريديريكا ريس، عضو البرلمان الأوروبي ونائبة رئيس مجموعة تجديد أوروبا، عن الدعم السابق الذي قدمه الاتحاد الأوروبي رجب طيب أردوغان في بدايات حكم حزب العدالة والتنمية، عندما طالب بأن تكون الديمقراطية والتعددية حجر أساس للحكم في تركيا، بينما اليوم مواقف الزعيم التركي تغيرت نحو الاتجاه المعاكس.

وقالت ريس إن “الحريات وحقوق الإنسان في أدنى مراتبها بعد فرض تضييقات غير محدودة على الإعلام وحرية التعبير وسيادة القانون أصبحت في وضع لا يرثى له”.

وبالإضافة إلى تدهور الوضع الداخلي في تركيا، أشارت ريس إلى تفاقم الوضع مع الاجتياح التركي لشمال سوريا ضد الأكراد. لكنها اعتبرت أن هناك فرصا للحل قد تكون نابعة من البعد الاقتصادي، قائلة “بالرغم من الوضع السياسي المتدني، فإن العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي تحافظ على مستوى متقدم من التبادل التجاري والاستثمار”.

إلى جانب إضعاف النظام القانوني الداخلي، تنتهك تركيا القانون الدولي لحقوق الإنسان إذا طردت اللاجئين السوريين ورحلتهم قسرا إلى بلادهم التي هربوا منها، في خطوة تعدّ انتهاكا لمبدأ عدم الإعادة القسرية للاجئين.

كما يبرز تجاهل تركيا التام للقانون الدولي من خلال أنشطتها التي تشمل التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط. فعلى الرغم من العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي، زعم أردوغان أن حدود قبرص البحرية غير موجودة بالنسبة لأنقرة.

وأكد كيم فريدبرغ، مدير مجلس الاتحاد الأوروبي، على صعوبة الحل لأزمات تركيا مع الاتحاد الأوروبي. وقال “من السهل استعراض التحديات التي تواجها تركيا كونها غير محدودة، ولكن من الصعب تقديم مقترحات لحل هذه الصعوبات المتراكمة”.

تحديات كثيرة

خرق للقوانين الأوروبية
خرق للقوانين الأوروبية

قال فريدبرغ “نرى التحديات لكننا لا نعلم إن كنّا نستطيع التقدّم في الحوار”، مضيفا أن “تركيا تبتعد عن مبادئ الإتحاد الأوروبي وحرية الصحافة… والعقوبات لا تستطيع أن تشكّل سياسات بمفردها”.

وأشار فريدبرغ إلى أبرز التحديات الملحة:

على الصعيد الداخلي: تحوّلت تركيا إلى دولة بعيدة عن القيم الرئيسية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي مما جعلها في وضع من الصعب الحديث عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى مشكلة اللاجئين وانعكاسات ذلك على الاتحاد الأوروبي. مما عزز التوجه العام لتركيا في ظل قيادة أردوغان نحو دولة استبدادية أحادية القيادة.

على الصعيد الخارجي: الهجوم على شمال سوريا كشف عن حجم الانتهاكات ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مما تطلب تجميد صادرات الأسلحة الأوروبية. والتنقيب في شواطئ قبرص وما نتج عنه من مواقف أوروبية، وخصوصا البنك الأوروبي تجاه الاستثمار في تركيا.

بالإضافة إلى التوجه العسكري التركي نحو روسيا مع الابتعاد عن حلفائها في الناتو.

على الصعيد الأوروبي: لا يوجد إجماع أوروبي على قبول تركيا كعضو أو شريك للاتحاد الأوروبي، وهذا يشكّل تحديا كبيرا على مستقبل العلاقات مع تركيا وخصوصا الجانب التجاري والاستثماري على المدى المتوسط.

وقالت أماندا بول، محللة السياسات في مركز السياسة الأوروبية، إن الطموحات تجاه تركيا كانت أكبر من المتوقع، مضيفة “دخلنا في مرحلة صعبة وغامضة من العلاقة مع تركيا بعد حوالي 20 عاما من الطموحات الكبيرة”.

يتفهم جان دوندار تردد الاتحاد الأوروبي في ضم تركيا نظرا إلى وجود حكم استبدادي. وذكّر دوندار الجمهور الأوروبي بمقولة أردوغان “الديمقراطية هي قطار ينقلنا من محطة إلى أخرى وعندما نصل إلى هدفنا نتخلى عنها”.

لكنه لفت إلى أن سياسة أردوغان، الذي يحكم قبضته على كل شيء من الجيش والأمن والجامعات والإعلام والجمعيات والمؤسسات المدنية، تهدد المواطن التركي، “إما أن نحكمكم وإما أن تنتشر الفوضى”. وقال “هناك العديد من الصحافيين في السجون وهناك العديد من رؤساء البلديات وأعضاء البرلمان في السجون، في تركيا فقدنا حلمنا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لا تدعونا نفقد الحلم بحقوق الإنسان”.

7