تركيا تَحشد.. تمهِل.. ثمّ تقدّم التّنازلات

تركيا راهنت مع بداية الاحتجاجات السورية، ثم التصعيد العسكري، على دعم المعارضة في إسقاط النظام لكنها لمست أنها غير مرغوب فيها دولياً وإقليمياً، مع تشكيل دول "أصدقاء سوريا".
الأحد 2020/02/16
أهمية إدلب تختلف بالنسبة إلى روسيا

كانت أنقرة قد أرسلت إلى الداخل السوري أكثر من خمسة آلاف جندي تركي، حين قصفت قوات النظام السوري النقطة التركية في ريف إدلب، ما تسبب بمقتل 14 جنديا تركيا.

كان من المفترض بقيادة الجيش التركي أن تصعّد عسكرياً رداً على الحادثة، لكنها اكتفت بالتصعيد الخطابي للمسؤولين الأتراك ضد انتهاكات النظام والروس، واحتفظت بحق الردّ إلى ما بعد فبراير، وفق مهلة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التي أعطاها للنظام السوري، للعودة إلى ما وراء نقاط المراقبة التركية.

في حين أن إسقاط مروحيتي النظام، الثلاثاء ثم الجمعة، من قبل الفصائل المعارضة، يعتبر رداً تركياً خجولاً على قتل جنود أتراك، بالنسبة إلى دولة إقليمية كتركيا تقول إنها ستفرض أجندتها على روسيا، الدولة العظمى، إذا لم ترضخ الأخيرة للشروط التركية.

هذا الرضوخ التركي، وتأجيل المعركة مع النظام، وبالتالي داعميه الروس، ينبئ بأن تلك المواجهة لن تحصل؛ فلا قدرة لأنقرة على حرب مفتوحة مع موسكو ودمشق، إلا إذا حصلت على دعم من الولايات المتحدة ومن حلف شمال الأطلسي، وهذا مستبعد جداً.

حصلت أنقرة على تعاطف واشنطن بعد الحادثة، والأخيرة استغلت الفرصة لتأجيج خلاف تركي – روسي، فأرسلت المبعوث جيمس جيفري إلى تركيا، ليتحدّث، باللغة التركية، عن دعم استخباراتي وعسكري لأنقرة، واصفاً الجنود الأتراك الذين قضوا في الحادثة بالشهداء.

تعلم أنقرة أن واشنطن ليست في وارد تقديم الدعم لتركيا في ملف إدلب وعموم الملف السوري؛ فتركيا شريك غير محبّب في سوريا لواشنطن وإسرائيل، ولدول عربية تنوي الحصول على نفوذ مستقبلي في سوريا بدعم أميركي، بل وروسي أيضاً.

في حين أن دول حلف الناتو بالأصل لديها مشاكل مع تركيا، ازدادت مؤخراً مع التفاهمات والاتفاقات الروسية – التركية بما يتعلق بتقديم موسكو منظومات دفاعية لأنقرة، وبالعلاقات التجارية والمشاريع الاقتصادية. وكذلك دول الناتو مستاءة من الطموح التركي للنفوذ في شرق البحر المتوسط، وخاصة الحصول على مصادر الطاقة قرب قبرص، والوصول إلى السواحل الليبية مؤخراً.

تفضّل أنقرة اختيار الاستمرار بشراكة موسكو في سوريا، رغم أنها تعلم أنها شراكة مؤقتة، وفيها الكثير من التنازلات التركية لدولة عظمى تعتبر سوريا كلها منطقة نفوذ لها، وأن توزيع بعض الحصص الصغيرة لحلفائها ينبغي أن يتم بإشرافها، ودون أن يؤثر على أجندتها المستقبلية في سوريا.

لذلك فإن التصعيد الخطابي، الانفعالي، التركي، يأتي في سياق محاولة الحصول على بعض المكاسب، خاصة ما يتعلق بمنطقة آمنة على حدودها مع سوريا لإيواء النازحين من العمليات العسكرية، والبالغ عددهم منذ بدء العملية العسكرية للنظام في ديسمبر الماضي قرابة الـ980 ألف مدني، الفارّين من ريفي إدلب وحلب.

فلو كانت تركيا، اليوم، مهتمّة بنفوذها ضمن مناطق المعارضة لما كانت قبلت باتفاقات خفض التصعيد مع روسيا، ضمن مسار أستانة، وما تلاها من هدن وتسليم مناطق حلب الشرقية وغوطة دمشق والجنوب السوري وريف حمص الشمالي، تباعاً إلى روسيا، مقابل نفوذها ببعض المناطق الحدودية في ريف حلب (عفرين وجرابلس والباب)، وهي استراتيجية بالنسبة إليها، كونها تقطع على الوحدات الكردية وداعمها حزب الـ”بي كي كي” فكرة الانفصال بدولة كردية تمتد غرباً.

لا قدرة لأنقرة على حرب مفتوحة مع موسكو ودمشق
لا قدرة لأنقرة على حرب مفتوحة مع موسكو ودمشق

ليس في إدلب ثروات نفطية، وليست منطقة صناعية أو فيها كتل عمرانية هامة؛ بل فيها تتجمع المعارضة السورية المسلحة، من سكانها، ومن القادمين من مناطق خفض التصعيد الباقية، وفيها أيضاً يتجمّع جهاديو هيئة تحرير الشام وسلفيّوها، وما يقع على يمينها من تنظيمات متشددة غير سورية، مثل “حراس الدين” الحزب الإسلامي التركستاني، وغيره..

وبالتالي إدلب ليست مكسباً تركياً، بل إن ترتيب وضعها الداخلي مهمة صعبة، لطالما تهرّب منها الأتراك، وأجّلوها، خاصة ما يتعلّق بحل المعضلة الجهادية فيها. فيما حصلوا على مكسبهم منها بإخضاع آلاف المقاتلين من الفصائل المعتدلة إلى إمرتها، وهو ما اتضح مع تكرار انسحاب تلك الفصائل من خان شيخون، ثم معرة النعمان، ثم سراقب، وتوحيدها ضمن الجيش الوطني المدعوم من تركيا، وترك تلك المدن والبلدات لمقاتلين محليين من أهلها، إضافة إلى بعض الجهاديين الذين كان أداؤهم محدوداً مقارنة بعقيدتهم الجهادية؛ وتتحدث تقارير إعلامية عن تراجع كبير في أعدادهم نتيجة المعارك المتتابعة، وانسحاب بعضهم من تشكيلات غرفة “وحرّض المؤمنين” التي يتزعمها “حراس الدين” للتمركز في ريف اللاذقية وسهل الغاب.

أهمية إدلب تختلف بالنسبة إلى روسيا، تتعلق بالطرق الرئيسية، دمشق حلب وحلب اللاذقية، أما حكومة دمشق فترغب في استعادة كل المناطق، وهي اليوم تهدد بالتوغل في عمق إدلب باتجاه معبر باب الهوى مع تركيا، وقد وصلت إلى مشارف الأتارب.

راهنت تركيا مع بداية الاحتجاجات السورية، ثم التصعيد العسكري، على دعم المعارضة في إسقاط النظام؛ لكنها لمست أنها غير مرغوب فيها دولياً وإقليمياً، مع تشكيل دول “أصدقاء سوريا”، واستبعادها من التحالف الدولي لمحاربة داعش. وشعرت بخذلان واشنطن والناتو بدعمهما الوحدات الكردية قرب حدودها، وانتهى بها الأمر إلى الدخول في مسار أستانة مع روسيا وإيران، والتراجع عن طموحها بالنفوذ في سوريا، إلى أولوية صون أمنها القومي.

وبالتالي لا مطامح تركية من التصعيد الخطابي والعسكري في إدلب سوى تأمين شريط حدودي، قد يتطلب منها عملية عسكرية محدودة ضد قوات النظام بعد انتهاء مهلة فبراير، على غرار ما فعلت شرق الفرات للسيطرة على الشريط بين تل أبيض ورأس العين.

وبالنتيجة، كل ما فعلته تركيا في سوريا هو تدجين المعارضة السياسية ومصادرة قرار الفصائل العسكرية، أي أنها ساهمت في إنهاء الثورة السورية، لا دعمها؛ وهنا خطأ المعارضة والفصائل، أنها وضعت كلَّ بيضها في السلة التركية.

ولعل الفشل التركي في سوريا، على مدار سنوات الصراع التسع، هو ما دفعها إلى مغامرة توسيع دائرة مطامحها صوب السواحل الليبية، علّها تنجز نفوذاً عجزت عن تحقيقه في سوريا، من بوابة دعم الحكومة هذه المرة، لا المعارضة كما فعلت في سوريا.

6