تركيا تُثير الصراعات الخارجية للتغطية على مشاكلها الداخلية

بالنظر إلى جميع اللاعبين وجميع الدول في المنطقة، لا يبدو أن المسؤولين الأتراك يمكنهم أن يحوّلوا تنمرهم اللفظي في ما يتعلق بالتنقيب عن الغاز في قبرص إلى أفعال في أي وقت قريب.
الجمعة 2018/10/12
اختلاق خلافات خارجية

يلجأ الحكام المستبدون في الكثير من الأحيان إلى إثارة الصراعات الخارجية، بل وحتى إطلاق شرارتها، عندما تكون المشاكل تحاصرهم في الداخل من كل اتجاه؛ وهم يفعلون هذا لكي يعيدوا اللُحمَة الجماهيرية حول الشوفينية ليجعلوا تلك الجماهير تنسى جوعها وتصبح مشلولة لا حول لها ولا قوة. وعلى الرغم من أن غالبية السكان لا يذهبون لخوض الحرب، تشعر الجماهير بالسعادة، حتى وبطونها تقرقر جوعا. لكن مثل هذه المغامرات دائما ما تمثل نهاية لتلك الأنظمة أيضا.

كان المجلس العسكري اليوناني يقف وراء انقلاب عام 1974 في قبرص، والذي أطاح بالرئيس مكاريوس وأتى بخلَفِه نيكوس سامبسون. وانهار نظام حكم العسكر اليوناني بعد الغزو التركي للجزيرة، وسيق ضباط المجلس العسكري ليمثُلوا أمام العدالة.

وبالمثل، بدأ المجلس العسكري الأرجنتيني جهودا أخيرة في عام 1982 لإنقاذ نفسه من براثن أزمة اقتصادية مدمرة ومقاومة مدنية واسعة النطاق، من خلال غزو جزر فوكلاند/ مالفيناس. أرسلت بريطانيا قواتها البحرية بسرعة واستعادت السيطرة على الجزر على الفور. وفي عام 1983، انهار النظام العسكري بعد أن ظل يخرّب في الأرجنتين من عام 1976، ومثّل قادته أمام العدالة.

ويسهل الترويج لمثل هذا النوع من المغامرات بين الأتراك؛ فقط تذكروا حماسة القوميين الأتراك خلال غزو منطقة عفرين السورية أوائل العام الجاري. فأتباع الرئيس التركي ممن يصمون آذانهم، وعلى أعينهم غشاوة لا يُبصرون، يكفْوُن لخلق حالة من النشوة الوطنية داخل تركيا.

وحتى إذا كانت تركيا محاطة بالأعداء، فلا يمكن لأحد أن يحاربهم بسهولة؛ فالدخول في صراع مع دول القوقاز مستحيل، كما أن إيران والعراق بهما تعقيدات على نحو مشابه، وتركيا متورطة بالفعل في سوريا.

أيضا، لا يمكن لأحد أن يبرر بسهولة حربا مع بلغاريا؛ أما الدخول في صراع مع اليونان فلن يقابَل فقط باحتجاج من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ أن لدى اليونان قوات مسلحة قوية، وهي أيضا عضو في حلف شمال الأطلسي. من ثم، فإن الهدف الوحيد الممكن لتصعيد خارجي يبدو قبرص، وذلك لعدة أسباب أيضا.

ولن يكون من شأن مثل هذا التحرك فقط المساعدة في تخفيف الصعوبات المالية والاقتصادية في الداخل، ولكنه أيضا سيكون معناه حربا من أجل الغاز الطبيعي. ومع ذلك فإن كل الحديث الخشن هو أمر سخيف، لأنه منذ عام 1983 وتركيا تؤكد وتطالب وتصر على أن جمهورية شمال قبرص التركية المعلنة ذاتيا دولة مستقلة. والآن قد يعني التفاوض نيابة عن تلك الدولة ذات السيادة فقط أنها جزء من الأراضي التركية بحكم الأمر الواقع. وبالمثل، فإن الحكومة التركية لا يمكنها الادعاء بأنها متحدث شرفي باسم جمهورية شمال قبرص التركية. إذا، سيكون الخيار الوحيد هو ضم جمهورية شمال قبرص التركية إلى تركيا. وإذا لم يكن ذلك كافيا، فقد تبدأ أنقرة حتى صراعا عسكريا مع الجمهورية القبرصية.

بيد أن الحقائق على أرض الواقع ليست وردية في هذا السيناريو، بل هي في حقيقة الأمر حالكة السواد. ففي ما يتعلق بقضية التنقيب عن الغاز حول جزيرة قبرص، تقف الحكومة التركية التي تتحدث بلغة خشنة وحيدة بمعنى الكلمة؛ فهي تواجه بلدين عضوين في الاتحاد الأوروبي هما قبرص واليونان؛ كما تواجه أيضا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان ومصر وسوريا. أما روسيا، فليست سعيدة لا بالخطاب التركي ولا بطموحات أنقرة، على الرغم من عدم كونها طرفا في القضية.

ومن منظور معقد للغاية، تبدو القضية مفصّلة تقريبا من أجل أنقرة؛ فالشعب التركي يحارب كل القوى العالمية! وليس من الصعب تخمين العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام الموالية للحكومة؛ فقد تبتهج وسائل الإعلام تلك بالحديث عن “الوحدة الثمينة” التي تعيش فيها تركيا، وهو الوصف الذي ذكره رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، لكن مثل تلك المغامرة لن تختلف نهايتها بأي شكل من الأشكال عن تلك التي خاضتها العصبتان العسكريتان في كل من اليونان والأرجنتين.

تعد قبرص من الناحية العملية محمية روسية في ظل تواجد كبير ومصالح اقتصادية في الجزيرة. وناهيك عن موقع الجزيرة القريب من سوريا، والتي صارت دولة تابعة لروسيا في الشرق الأوسط.

الأهم من ذلك أن أنقرة -بالتحرك نحو المطالبة بحصة في حقول الغاز القبرصية- تسعى إلى تقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي. فكيف يناسب ذلك المصالح الروسية؟ فضلا عن ذلك فإن جميع المطلعين على بواطن الأمور في قطاع الطاقة يعلمون أن بند “الغرامة في حالة عدم الشراء” في اتفاق الغاز الطبيعي المبرم بين تركيا وروسيا، يجعل أنقرة معتمدة على الغاز الروسي لثماني سنوات أخرى على الأقل.

وفي الوقت ذاته، نجد دول المنطقة، إسرائيل وقبرص ولبنان ومصر واليونان، منشغلة بتوقيع اتفاقيات ثنائية وثلاثية الأطراف في المجالات التجارية والصناعية والعسكرية. وتركيا ليست طرفا في أي من هذه الاتفاقيات. وحتى بلغاريا، فقد عبرت عن رغبتها في الانضمام إلى مشروع الغاز بين مصر واليونان وقبرص.

ماذا عن شركات التنقيب عن الغاز الكبرى النشطة في المنطقة؟ هذه الشركات لها نفوذ في القطاع، مثل شركات إيني وإكسون موبيل وقطر للبترول ونوبل إنرجي. وعلى الرغم من أن البحرية التركية طاردت سفينة استكشاف تابعة لإيني، فإن السفينتين ميد سيرفيور وأوشن انفستجيتور تمكنتا من الوصول إلى ميناء ليماسول دون اعتراض طريقهما. وهذا الميناء تستخدمه روسيا والولايات المتحدة بشكل مشترك. وبالإضافة إلى قاعدتيها العسكريتين على الجزيرة، نقلت بريطانيا عددا قليلا من السفن الحربية إلى قبرص.

وتستخدم فرنسا القواعد البحرية والجوية في قبرص في إطار برنامج للتعاون العسكري الثنائي جرى توقيعه بين البلدين عام 2007.

ومن ثم فإنه بالنظر إلى جميع اللاعبين وجميع الدول في المنطقة، لا يبدو أن المسؤولين الأتراك يمكنهم أن يحوّلوا تنمرهم اللفظي في ما يتعلق بالتنقيب عن الغاز في قبرص إلى أفعال في أي وقت قريب.

لكن أنقرة غير حريصة منذ فترة على المنطق أو الاعتدال أو التعاون، بل هي على العكس تماما، شأنها في ذلك شأن المجلسين العسكريين اليوناني والأرجنتيني اللذين فشِلا فشلا ذريعا في حساب التكلفة السياسية لتصرفاتهما وكتبا نهايتيهما بأيديهما في آخر المطاف.

7