تركيا سوق مفتوحة "لاستيراد وتصدير" اللاجئات السوريات

مصائب قوم عند قوم فوائد، حكمة عربية تلخص وضع اللاجئات السوريات واستغلال وكلاء الزواج الأتراك لهشاشة أوضاعهن الإنسانية حيث يعتبرونهن طرائد للصيد والبيع وبضاعة للمتاجرة ويجعلون تركيا فضاء تجاريا مفتوحا لاستيراد وتصدير اللاجئات السوريات، ويستغل هؤلاء السماسرة اللاجئات صغيرات السن ويسعون للوصول إليهن بغرض كسب المال، في ما يمثل نوعا مستحدثا من المتاجرة بالبشر في المدن التركية التي يتشدق حكامها بدورهم الإيجابي في احتضان اللاجئين السوريين وحفظ كرامتهم.
الأربعاء 2016/01/13
غنائم سهلة لتجار الجنس

لندن - تزايدت أعداد اللاجئات السوريات في مختلف الدول المجاورة لسوريا وأعداد هائلة منهن يتواجدن على الأراضي التركية ومنذ سنوات تصدر بين الحين والآخر عن منظمات وجمعيات حقوقية وإغاثية وعن أحزاب المعارضة التركية تقارير وأخبار حول تدهور الوضع الإنساني لهذه الفئة من اللاجئين السوريين في تركيا.

وأصبحت المرأة أو الفتاة السورية غنيمة سهلة للاستغلال بجميع أشكاله ولانتهاك حقوقها وعرضها بل بلغ الأمر درجة اعتبارها بضاعة للتسويق والتجارة والربح من قبل أشخاص يُعرّفون أنفسهم على أنهم “وكلاء زواج” لكنهم في الواقع يقبضون مبالغ طائلة وهامة عبر بيع اللاجئات السوريات في صفقات بعيدة كل البعد عن مبادئ الزواج ما يجعلهم سماسرة اللاجئات في بلادهم.

هؤلاء الوكلاء يستغلون من جهة أوضاع اللاجئات في غياب الحماية لهن تزامنا مع أوضاع اللجوء المتسمة بالظروف المادية والمعنوية الصعبة ومن جهة ثانية يستغلون كون بلادهم اليوم مركزا مهما يستقطب السياح العرب والمهاجرين، لذلك فإنهم يتلقون طلبات محلية من رجال أتراك ومن الرجال الزائرين لتركيا الباحثين عن المتعة الجنسية أساسا وعن تجربة جديدة يغلفونها بغطاء الزواج الشكلي ليظفروا بفتاة سورية جميلة عملا بمقولة “من لم يتزوج بشامية مات أعزب” وهي ذات المقولة التي يقنع بها هؤلاء السماسرة الرجال لإمضاء صفقة زواج جديدة بطريقة أشبه بالبيع يحصلون من خلالها على مبلغ مادي هام.

وبات معلوما للجميع أن تركيا اليوم أصبحت بؤرة لاستغلال الأوضاع السورية المتوترة حيث انتشرت عصابات التهريب والتجارة في البشر سواء من خلال تهريب اللاجئين السوريين واستغلالهم أو بتزويج العزباوات والأرامل والمطلقات والقاصرات بمبالغ مدفوعة، وهم يستعملون في ذلك كل السبل المتاحة في غياب الردع القانوني لهذه الأنشطة غير القانونية وغير الإنسانية، إذ يستعمل بعضهم لهذا الغرض وسائل التواصل الاجتماعي.

وعبر صفحات الفيسبوك يتخفى وكلاء الزواج الأتراك وراء أسماء مستعارة مثل اسم “الفراشة” وغيره ويستهدفون التواصل مع اللاجئات السوريات لتزويجهم من الراغبين في ذلك من جميع الجنسيات العربية ومن الأتراك، وهناك من اللاجئات السوريات العزباوات في الجنوب التركي من يرين أن هذه الصفحات وهذه الشخصيات “الفيسبوكية” معهودة ومقبولة بل إنها تلعب دور المنقذ بالنسبة إليهن بينما تلعنها أخريات. المهاجرات السوريات يقبلن بالزواج في صفقات يديرها هؤلاء الوسطاء لأن لا بديل لهن وهن يدركن أنهن ذاهبات ليس للزواج كمفهوم اجتماعي وتكوين أسرة بل كأدوات جنس فقط.

ويبحث وكلاء الزواج مثل “الفراشة” على الفتيات السوريات غير المتزوجات أو الأرامل والمطلقات ليقدموا لهن عروض زواج مغرية يصعب عليهن رفضها. أمل ذات الثلاثين ربيعا إحدى الفتيات السوريات من اللاذقية تلقت وعدا بالحصول على عشرة آلاف دولار مقابل الزواج، وقد قالت في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية إنه يبدو من السهل إقناعها بهذا العرض لأنها مطلقة، لكنها رفضت. وهي تدرك أن كثيرات غيرها يقبلن العرض بسبب أوضاعهن السيئة كلاجئات. وتقول “نحن نعلم أنه عندما يطلب الرجال منا الزواج بهذه الطريقة فهم لا يريدون غير المتعة الجنسية وهم يستغلون في ذلك الوضع السيء الذي نمر به”.

الحكومة التركية لم تتخذ إجراءات قانونية تردع سماسرة الجنس والبشر عن المتاجرة باللاجئات والطفلات السوريات

وتجدر الإشارة إلى أن التكافؤ بين الجنسين في سوريا يشهد اختلالا منذ خمس سنوات فأغلب ضحايا الحرب والمهاجرين إلى الدول الأوروبية هم من الرجال وهو ما جعل أغلب المجموعات الموجودة في الداخل السوري من النساء، وكذلك بالنسبة إلى المناطق والدول المحيطة بسوريا خاصة تركيا حيث يطغى العنصر النسائي على أعداد اللاجئين هناك. وهو ما جعلهن فريسة سهلة للزواج القسري والاستغلال الجنسي وجميع أشكال الانتهاكات.

وتقول فاليري هيدسون الخبيرة في نوع الجنس والأمن “هناك انتهاكات كثيرة ويتم التعامل مع النساء على أنهن غنائم عندما يفتقدن الرجل الذي يؤمن حمايتهن. ونتائج ذلك أن تتعرض الفتيات إلى ضغوط كثيرة لتزويجهن بسرعة، وهو ما جعل فتيات في سن صغيرة يُزوجن وغالبيتهن يكن في وضعية تعدد زوجات ودون موافقة صادقة منهن. هذا ما يطلق عليه الاتجار في الجنس الذي تُلمّع صورته بـ‘الزواج’ لبث الراحة النفسية وتهدئة الحساسيات الدينية”.

ريم هي لاجئة سورية في تركيا تبلغ من العمر 21 سنة رفضت عرض الزواج الذي قدمه لها وكيل الزواج لتصبح زوجة ثانية لطبيب عربي، لكنها تصرح بأن “الكثير من الشابات السوريات يكافحن للعثور على زوج يكفلهن لأنهن يشعرن بأنهن أصبحن عبئا يثقل كاهل الوالدين ويفتقدن الأمل في إيجاد وسائل تؤمن لهن كفالة أنفسهن، لذلك فهن مضطرات للنظر والتفكير في مثل هذه المقترحات للزواج”. وتضيف “كنت غاضبة جدا، وعلى استعداد لقتل مقدم هذا العرض… لكن كان لدي دعم من والدتي، التي أجابت الوكيل بأنني لا أفكر في الزواج ولا في الخطبة حاليا. العديد من النساء الأخريات لا يتوفر لهن مثل هذا الدعم”.

وكانت مظاهر الاستغلال الجنسي للاجئات السوريات في تركيا قد ظهرت منذ بداية الأزمة السورية حيث أثارتها العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية والتركية لكن دون جدوى تذكر، حيث لم تُقدم السلطات في تركيا على اتخاذ إجراءات رادعة تضع الحد لهذه الممارسات اللاإنسانية.

وكان عضو من اتحاد النقابات التركية، فييسيل تونجيل، قد حذر منذ شهر مارس الماضي من أنه يجري استغلال اللاجئات صغيرات السن جنسيا بوعود الزواج الكاذبة. وطالب باتخاذ إجراءات رادعة بشكل عاجل في هذا الصدد. وأكد أن مدينتي أضنة وهطاي التركيتين تحولتا إلى مركز لتجارة السوريات اللاجئات وبيعهن بغرض الزواج مقابل المال، واستغلالهن جنسيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم تتخذ الحكومة التركية، وعلى رأسها حزب إسلامي ورئيسها من هذا الحزب، إجراءات قانونية تردع سماسرة الجنس والبشر عن المتاجرة في اللاجئات السوريات؟ كيف تتحدث عن مبادئ الدين الإسلامي وهي تغض الطرف عن هذه الممارسات اللادينية واللاأخلاقية؟ وما فائدتها من عدم تحملها مسؤوليتها في حفظ حقوق الأطفال واللاجئات والفتيات السوريات؟

وكانت تقارير حديثة صادرة عن مؤسسات المجتمع المدني التركي قد كشفت المآسي التي تعيشها اللاجئات السوريات في تركيا من اللاتي يسقطن فريسة في أيدي عصابات البغاء قهرا وإجبارا، وقال التقرير للأسف الشديد إن السوريّات اللائي يتألمن جراء جروح يصعب تضميدها ليس لديهنّ عنوان يمكن من خلاله تقديم شكوى ضد هؤلاء الانتهازيين من العصابات. واللافت أنه لم ترد حتى اليوم تصريحات رسمية بنفي مضامين هذه التقارير رغم أنها تضع الجهات الرسمية تحت طائلة اتهامات خطيرة.

12