تركيا ضيعت كل فرص وصولها إلى الشرق الأوسط

الخميس 2014/09/11
أنقرة تغطي على مشاكلها الداخلية والخارجية بقمع المعارضين

تورّط أنقرة في الحرب السورية وتدخّلها في السياسة العراقية بدعم الأكراد في وجه الحكومة المركزية في بغداد إلى جانب موقفها من الثورة في مصر ضد نظام جماعة الإخوان المسلمين ودعمها للإسلاميين في دول "الربيع العربي" جعل حلم تركيا الشرق أوسطي يتحوّل إلى كابوس.

شكّلت قمّة “حلف الناتو” في ويلز، فرصة ذهبية لرئيس الوزراء التركي الجديد أحمد داوود أوغلو.

بعد مرور فترة ظنّت فيها أنقرة أنّ مستقبل تركيا يكمن في الشرق الأوسط فقط، أظهرت الأحداث الأخيرة أهمّية التحالفات الأوروبية للبلاد. وفي ويلز، يستطيع داوود أوغلو البدء في إصلاح هذه العلاقات التي عانت من الإهمال.

منذ تسلّمها السلطة في عام 2002، حوّلت حكومة “حزب العدالة والتنمية” اقتصاد تركيا، وجعلت بذلك البلاد مجتمعا أغلبيته من الطبقة الوسطى.

ويعيش الأتراك اليوم حياة أفضل من تلك التي عاشوها في أي وقت مضى في التاريخ المعاصر. ويترافق هذا الازدهار الذي لم يسبق له مثيل مع شعور قويّ بالعجرفة لدرجة ظنّ فيها رئيس الوزراء الأسبق والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ومستشاره ثمّ وزير خارجيته السابق حتى نهاية أغسطس الماضي، أحمد داوود أوغلو، أنّهما يستطيعان بمفردهما إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

هكذا، تخلّى “حزب العدالة والتنمية” عن الفكر الكمالي الذي شكّل الأخلاقيّات التأسيسيّة لتركيا. فمصطفى كمال أتاتورك، أوّل رئيس للبلاد، الذي رأى تركيا بلدا أوروبيّا.

وساد اعتقاد في صفوف خلفائه أنّ كون تركيا عضوا في كلّ مؤسسة أوروبية وعبر المحيط الأطلسي، من “حلف شمال الأطلسي” إلى “منظمة التعاون والتنمية”، فقد قُدر لمصير البلاد أن يكون في أوروباوالغرب.

لقد ارتبط الأتراك بالشرق الأوسط كما يرتبط الأرجنتيّون بأميركا اللاتينية. وكما يرى الأرجنتيون أنفسهم أوروبيين وصادف أنّهم يعيشون في أميركا اللاتينية، رأى الكثيرون من الأتراك أنفسهم كأوروبيّين صادف أنّم يعيشون بالقرب من الشرق الأوسط.

حزب العدالة والتنمية تخلى عن الفكر الكمالي الذي شكل الأخلاقيات التأسيسية لتركيا


برازيل الشرق الأوسط


بصفته كبير الخبراء الإستراتيجيين في سياسة تركيا الخارجية منذ عام 2002، تحدّى أحمد داوود أوغلو هذا النموذج من خلال التلميح بأنّ على تركيا أن تكون “برازيل الشرق الأوسط”، أي أن تتمتّع باقتصاد إقليمي مهيمن قادر على إدارة دفّة الأحداث. ولم تكن تركيا بحاجة إلى حلفاء غربيين في الشرق الأوسط في ظلّ هذا التوجّه الجديد الذي تتبعه.

بدا هذا التحوّل جليّا في تورّط أنقرة في الحرب السورية، إذ فتحت تركيا حدودها الممتدة على طول 510 ميلا لدعم الثوّار ضدّ نظام الرئيس بشّار الأسد. كذلك، تدخّلت تركيا في السياسة العراقية، ودعمت الأكراد في وجه الحكومة المركزية في بغداد. كما دعمت أنقرة الأحزاب التي تدور في فلك جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا وسوريا ومصر. وقد قامت أنقرة بكلّ ذلك أملا منها في تحويل هذه المعطيات لكي تصبّ في مصلحة وكالاتها ذات النفوذ في الشرق الأوسط.

إلّا أنّ هذه المناورة قد أسفرت عن نتائج كارثية. فللمرّة الأولى في تاريخها، تورّطت تركيا في الحرب الأهلية الدائرة في بلد مجاور وهو سوريا، ولا ترى نهاية لهذا التورط في الأفق. كما أنّ سياسة أنقرة في دعم الأكراد في العراق قد أتت بنتائج عكسية، إذ جمّدت بغداد العلاقات التجارية التركية مع باقي أنحاء البلاد. وهكذا، وكحدث آخر لا سابقة له، خسرت تركيا جميع طرق وصولها إلى الشرق الأوسط. فحدودها مع العراق وسوريا مغلقة.

أمّا في مصر، فليست هناك رغبة في تركيا بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين. فالمصريّون يلومون أنقرة لعدم بنائها جسورا مع المجتمع الأوسع. وفي ليبيا وسوريا، قام المتطرّفون بتهميش أعضاء الجماعة الذين تدعمهم تركيا. بالإضافة إلى ذلك، إن السعوديين الذين يعملون جاهدين ضدّ «الإخوان المسلمين» في جميع أنحاء المنطقة يكرهون تركيا بسبب دعمها المتعنّت للجماعة.

وانهارت قاعدة “اللانزاع" القائمة منذ زمن طويل والتي تحكم العلاقات التركية-الفارسية في ظلّ حكومة “حزب العدالة والتنمية”. فتركيا وإيران تجدان نفسيهما اليوم عالقتَين في دوّامة حرب بالوكالة بحكم دعم طهران لنظام الأسد في دمشق وحكومة بغداد، وتهديدها بذلك لمصالح أنقرة الجوهرية في سوريا والعراق. لذا، فباستثناء قطر الموالية للإخوان المسلمين وأكراد العراق، تجد أنقرة نفسها من دون أي حلفاء أو وكلاء أو أصدقاء في الشرق الأوسط.

مع تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لتركيا لن تكون حظوظ داوود أوغلو في الانتخابات البرلمانية مبشرة بالنجاح

لا العرب ولا إسرائيل أصدقاء تركيا

خسرت تركيا أيضا إسرائيل، بعد أن كانت هذه الأخيرة حليفا ديمقراطيّا مهمّا لها قبل عام 2002، من خلال بنائها علاقات أوثق مع حركة حماس. وقد أكّد مؤيّدو “حزب العدالة والتنمية” أنّ اعتماد تركيا موقفا أكثر قسوة تّجاه إسرائيل كان شرّا لا بدّ منه لكسب تأييد العرب. لكن اليوم، لا العرب ولا إسرائيل هم أصدقاء تركيا.

وتأتي هذه المعطيات في وقت خطر جدّا، إذ تقوم اليوم دولة إسلامية متطرّفة وخطرة على حدود تركيا، وذلك في العراق وسوريا، التي تشاطر أيديولوجية تنظيم «القاعدة» ومهارات حركة «طالبان» في فنّ الحكم والفكر. وقد وصل بعض هؤلاء الجهاديين إلى سوريا عبر تركيا.

وقريبا، قد تتحوّل هذه الأزمات المتفاقمة في السياسة الخارجية إلى تحدّيات سياسية داخلية تواجه رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو والرئيس رجب طيب أردوغان و”حزب العدالة والتنمية”. إنّ نجاح تركيا الاقتصادي هو نتيجة لاستقرارها في منطقة غير مستقرّة. ويصل قدر الاستثمار الخارجي المباشر في البلاد الذي حطّم الأرقام القياسية إلى 50 مليار دولار أميركي سنويّا، مما يعزز نموّ تركيا ونجاح أحمد داوود أوغلو الانتخابي. لكن مع تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية» لنموّ تركيا، ستنحسر الاستثمارات الدولية، ولن تكون حظوظ رئيس الوزراء داوود أوغلو في الانتخابات البرلمانية لعام 2015 مبشّرة بالنجاح.

بيد أن، وبالرغم من أنّ تورّط أنقرة في الشرق الأوسط لم يكن ناجحا حتّى الآن، إلّا أنّ الأوان قد فات للعودة إلى نموذج الفكر الكمالي القاضي بتجاهل الشرق الأوسط بالكامل. فتركيا هي جزء من واقع الشرق الأوسط والاضطرابات التي يعيشها. وخلال قمّة “حلف الناتو” وبعدها، سيكون رئيس الوزراء داوود أوغلو حذرا في الاستيحاء من قواعد الفكر الكمالي وإعادة تطوير تعاون مناسب مع حلفاء تركيا السابقين وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والأوروبيين للتصدّي لخطر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» والمشاكل الشرق أوسطية الأخرى معا.


مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى

6