تركيا "طريق" العودة لداعش

الثلاثاء 2014/10/07

استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحصول، بسهولة، على تجديد التفويض بالسماح للجيش التركي بالتدخل ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق، والانضمام إلى التحالف الدولي بالتصدي للإرهاب، ويسمح القرار للجيش بالتدخل “للدفاع عن نفسه من الهجمات الموجهة إلى بلدنا من قبل مجموعات إرهابية في سوريا والعراق”.

ويعطي النص الضوء الأخضر لعملية الجيش التركي في هذين البلدين المجاورين، وتمركز قوات أجنبية مشاركة على الأرض التركية.

وبذلك أصبح التدخل العسكري التركي في سوريا والعراق أمراً واقعاً، بعد التطورات السريعة التي شهدتها الساحة العراقية- السورية، لاستكمال مشروع التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب، وتدفق الطائرات والغارات على سماء العراق، وسوريا الساحة الأكثر تعقيداً من جهة المشاريع المطروحة على أرضها، ومن حيث المصالح المتناقضة حول المكاسب “المفترضة” التي يمكن تحقيقها من خلال الاشتراك في “التحالف” الذي لم يحقق إنجازات مهمة على الأرض حتى وقت قريب.

لطالما كان الخلاف كبيراً وعميقاً بين تركيا والولايات المتحدة، وهو اختلاف الأجندات حول سوريا. فإدارة الرئيس باراك أوباما الحالية لم ترغب يوماً في القضاء على النظام السوري، إلى جانب عدم امتلاكها لأي استراتيجية عامة واضحة في حربها على داعش.

من هنـا تأتي زيارة المسـؤولين الأميركيين، منّسق “التحالف” ضد “داعش” الجنرال جون آلن، ونائب مساعد وزير الخارجية الأميركية برت ماكغورك لأنقرة، من أجل إعطاء بعض الإجابات الواضحة عن الأسئلة التركية التي تتلخص في ثلاث نقاط بارزة: إقامة منطقة عازلة، حظر جوي للطيران الحربي السوري في تلك المناطق، وأهمها سقوط نظام الأسد، مع إدراك تركيا الكامل أن علاقاتها مع سوريا لا يمكن أن تتنامى في ظل وجود بشار الأسد على رأس السلطة.

وهذا ما أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الجلسة الافتتاحية للبرلمان “إن تركيا ستحارب تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات ‘الإرهابية’” الأخرى في المنطقة، لكن بلاده ستلتزم بهدفها وهو الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، و”سنواصل (أيضا) إعطاء الأولوية للإطاحة بالنظام السوري، والمساعدة في حماية وحدة الأراضي السورية، والتشجيع على نظام حكومي دستوري وبرلماني يشمل كل المواطنين”.

الخلافات الأميركية- التركية حول سوريا ومصير الأسد ليست جديدة، وكان من أبرز نتائجها تمدد داعش إلى الحدود التي وصلت إليها، وترك أثر سلبي على مسار الثورة السورية.

أما دول التحالف، وفي مقدمتها دول الخليج، فلن يضيرها أبداً أن تشهد سقوط رأس النظام السوري عن جبل “قاسيون”، وحتى إيران وروسيا قد لا تصران على حماية النظام السوري حين يهدد مصالحهما المشتركة مع تركيا أو غيرها بشكل مباشر، حيث اقتصر موقف طهران على “النظر بريبة وقلق” إلى الموقف التركي.

إذن تركيا أمام فرصة تاريخية للعب دور فعال في “الربيع السوري- العراقي” بعد فشلها في الربيع العربي الذي دفعها إلى الحفاظ على مصالحها، ولابد أن تؤكد دورها في أي تطور يحدث في المنطقة، وهي تسعى لأن تكون شريكاً فعالاً في الشرق الأوسط، وفي أن يكون لها دور متطور على الساحة العراقية السورية، حفاظاً على مصالحها الجيوسياسية، وتطلعاتها الاقتصادية في المنطقة.

“نحن منفتحون ومستعدون لأي تعاون في محاربة الإرهاب، لكن يجب أن يفهم الجميع أن تركيا ليست دولة تسعى لحلول مؤقتة ولن تسمح للآخرين باستغلالها”.

هذا الكلام للرئيس التركي يشي بأن بلاده لم يعد بوسعها الانتظار طويلاً، لحسم المعركة السورية ضمن شروطها المعلنة، وعلى الرغم من “احتضان” تركيا لداعش و”غض” النظر عن عبور نفطها وتسلحها وتحركها عبر حدودها، والمشاهد التي أثارتها صفقة إطلاق الرهائن الأتراك “السرية” وملابسات الإفراج عن 49 دبلوماسيا وعائلاتهم كان قد اختطفهم تنظيم “داعش” في العراق زادت من الشكوك حول طبيعة العلاقة التي تجمع أنقرة بزعماء التنظيم الإرهابي.

بالتأكيد سيمر وقت طويل قبل أن تتكشف أسرار العلاقات المتعددة لداعش مع الدول المحيطة، فهذا التنظيم لم يأت من الفراغ، وكان لبعض هذه الدول “مصلحة” سياسية في استغلال وجوده، وتسهيل عملية تمدده في الاتجاهين العراقي والسوري.

تركيا تحاول أن تؤكد بأنها لا يمكن لها أن تكون حليفة لهذا التنظيم لما يشكله من تهديد خطير عليها، وعلى مكونات الشعب التركي، بعد معلومات عن وجود “خلايا إرهابية نائمة” داخل تركيا نفسها. ولطالما كانت مسألة “الأمن القومي التركي” هاجساً يقلق الحكام في أنقرة.

أما وقد أصبح تنظيم “داعش” على أبواب معظم دول المنطقة فهناك كلام آخر، أكثر جدية من “دولة الخلافة” ستشهده الأراضي السورية، وسيضع حداً سريعاً لهذه الحرب التي يعتقد الخبراء بأنها ستمتد لسنوات طويلة، وانعكاس التحالفات وترتيبها سيخلقان واقعاً جديداً في سوريا قبل العراق.

النظام السوري بدأ يفقد خياراته في الاستمرار، وحلفاؤه بدأوا يعيدون حسابات مصالحهم في منطقة الشرق الأوسط، فالتغيير القادم في سوريا سيترك انعكاساته على شكل المنطقة بكاملها، وسيصح القول حينها بأننا أمام شرق أوسط جديد.

وأمام التناقضات الأيديولوجية، وتقلص الخيارات المحيطة بالثورة السورية، بعد ثلاث سنوات من القتل، وغموض الموقف الدولي، والتجاذبات التي تعيشها الثورة في علاقاتها العربية ستجد الفصائل المعتدلة نفسها أمام خيارات مريرة أحلاها الخيار التركي.

وتركيا التي “غضت” الطرف عن عبور مواطني “الدولة الإسلامية” من كافة أنحاء العالم، هي وحدها القادرة على نزع “جوازات” العودة منهم.


كاتب لبناني

9