تركيا في عهد أردوغان.. بلد لا يمكن إدارته

يعيش المزاج العام في تركيا حالة من القلق منذ الانتخابات التي جرت في يونيو الماضي، وأفضت لأول مرة منذ العام 2002، إلى فشل الفوز بأغلبية ساحقة، ودفعت نحو إجراء انتخابات جديدة، مما أثر سلبا على الاقتصاد المهتز ورفع من منسوب الرقابة الإعلامية وترهيب الصحفيين وزاد من توتر المجتمع الذي عاش، السبت الماضي، على وقع أكبر تفجير دام يهز تركيا في التاريخ الحديث، وحُمّلت المسؤولية فيه لجهاز المخابرات الذي حوّل اهتمامه نحو تعقب معارضي الرئيس والباحثين في قضايا فساد رجاله، وأغفلوا عملهم الحقيقي المتمثل في جمع المعلومات ورصد التهديدات.
الخميس 2015/10/15
أردوغان يخلص تركيا من وصاية الجيش ليضعها تحت سطوة المخابرات

أنقرة – لم يستهدف التفجير الذي هزّ أنقرة، السبت الماضي، مسيرة السلام فقط، بل هزّ أيضا، وبشكل أكبر، مسيرة رجب طيب أردوغان نحو ترسيخ أقادامه على العرش التركي؛ حيث يؤكّد الخبراء أن الانتقادات الغاضبة انصبّت على سياسة الرئيس التي أعادت تركيا إلى مربّع الأزمات وأدخلتها في وضع لا يختلف كثيرا في جوهره عن فترة الانقلابات وحكم الجيش.

وقال أتراك غاضبون إن التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف تجمع “العمل، السلام، الديمقراطية”، قرب محطة القطارات بالعاصمة التركية أنقرة، وأسفر عن سقوط 97 قتيلا، و246 مصابا بينهم 48 حالتهم حرجة، ضرب بالفعل السلام في تركيا بسبب سياسة الرئيس غير الديمقراطية والذي عمل على إضعاف جهاز المخابرات وتحويل وجهة اهتمامه من جمع المعلومات ورصد التهديدات الإرهابية والأمنية المترصّدة بالدولة التركية إلى تعقّب معارضي الرئيس.

ولئن لا ينكر الأتراك، والخبراء العرب والدوليون، أن تركيا نجحت في الفترة الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية، في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحافظت نسبيا على سياسة “صفر مشاكل مع الخارج”، التي رسّخها كمال أتاتورك بعد تجارب عديدة فاشلة، فإنهم يؤكّدون أن تركيا اليوم، وبعد استقواء شوكة أردوغان، منذ أن كان رئيسا لبلدية إسطنبول، ثم رئيسا للوزراء، إلى أن أصبح رئيسا للدولة، تحوّلت إلى بلد لا يمكن إدارته في الداخل، ومصدر قلق وفتنة في الخارج.

ويشهد بذلك شاهد من أهل حزب العدالة والتنمية، وهو النائب عثمان جان، المتخصص في شؤون القضاء وعضو مجلس الإدارة المركزية في الحزب الحاكم، الذي قال في تصريح نقلته وكالة جيهان التركية إن “تركيا آلت إلى حالة صعبة لدرجة أنه لم يعد من الممكن إدارتها والسيطرة عليها”.

وتصف الكاتبة إليف شفق الوضع تركيا قائلة إن بلادها تعيش هذه الأيام على وقع الاضطربات، والحكومة انزوت بنفسها عن المواطنين رغبة منها في أن تصبح أكثر استبدادية بدلا من التعايش والتراضي، وأصبحت الازدواجية ولغة العداء هما القاعدة. ولا شيء من هذا يمكن أن يكون مفيدا.

وتضيف الكاتبة التركية، في مقال صدر بصحيفة “أوبزرفر”، “في أوقات الأزمات، تحتاج الدول لتكون قادرة على توحيد الصفوف ضد الإرهاب. لكن تركيا تعيش حالة استقطاب عميق منذ فترة طويلة، ومن الصعب ردم الهوة بين القوات الموالية للحكومة والمناهضة لها في هذا البلد الذي يقع في المنطقة الأكثر اضطرابا”.

دور المخابرات

بعد إعادة انتخابه في 2007 ثم في 2011 بحصوله على حوالي 50 بالمئة من الأصوات، بات أردوغان يحلم بالبقاء في الحكم لفترة طويلة وحتى العام 2023 للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية. لكن هذا السيناريو بدأ بالخروج عن الخطة المرسومة منذ يونيو 2013، حين نزل أكثر من 3,5 ملايين تركي إلى الشوارع احتجاجا على سياسة “القبضة الحديدية” التي تمارسها الحكومة.

تركيا تعيش حالة استقطاب عميق منذ فترة ومن الصعب ردم الهوة بين القوات الموالية للحكومة والمناهضة لها

ومنذ ذلك التاريخ، سقط القناع الذي كان يرتديه أردوغان أمام الرأي العام في تركيا وعلى الساحة الدولية، بعد توالي فضائح الفساد التي هزت أركان حكومته، وحملات القمع التي طالت المعارضة السياسية والشعبية، ولم يشفع فوز حزبه الأخير في الانتخابات في تلميع صورته وإنقاذ سمعة إسلاميي تركيا وحزبهم الحاكم، الذي يقول خبراء إنه عاد بتركيا إلى فترات الانقلاب.

وهذه النتيجة توقّعها الخبراء الاستراتيجيون، منذ سنوات، حيث عمل أردوغان خلال رئاسته للوزراء، وهو المنصب الأهم في تركيا مقارنة بمنصب الرئيس، على إصدار العديد من القوانين ووضع يده على وسائل الإعلام، وطرد الآلاف من النائبين العامين والقضاة ورجال الشرطة وفرض حظرا على المواقع الإلكترونية كتويتر ويوتيوب وإحكام السيطرة على القضاء والتقليص من سطوة الجيش ووضع اليد على جهاز الشرطة، أما الأبرز والأخطر في هذه التغييرات، وفق الخبراء والمحللين، فكان على مستوى جهاز المخابرات باعتباره ركيزة أي دولة، فقوتها وأمنها القومي مستمدّان من قوة مخابراتها.

وكان، كمال كليجدار أوغلو اتهم حكومة العدالة والتنمية بالسعي إلى إعادة القوانين التي وصفها بـ”المعادية للديمقراطية” التي كان وضعها الجنرال كنعان إيفرين قائد الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980. وجاء هذا الاتهام، على خلفية القوانين التي تمت المصادقة عليها سنة 21014، وقضت بتوسيع صلاحيات جهاز المخابرات وبإتاحة التنصت على المعارضين والمتابعة التقنية لهم بتهمة الجريمة ضد النظام.

ويصف الباحث دارون أجموغ ما فعله أردوغان بجهاز المخابرات بأنه التطور الأسوأ في مسيرة الرئيس التركي، حيث منح مصالح المخابرات التركية مجالا أكبر لمراقبة المواطنين الأتراك، وكان الهدف من ذلك مراقبة المعارضين، وبالتحديد استهداف الحليف السابق والخصم الحالي فتح الله غولن.

وبدأت بوادر السيطرة على جهاز المخابرات تظهر إلى العلن في سنة 2010، حين أعلن أردوغان تعيين كاتم أسراه ومستشاره الأقرب هاكان فيدان، على رأس المؤسسة الاستخباراتية التركية. وتمت إعادة بناء الاستخبارات التركية بتقسيمها إلى جهازين أحدهما للداخل، يترصّد المعارضة ويمنع الكشف عن مزيد من قضايا الفساد التي تمس الرئيس وجماعته، واستخبارات للخارج، وهي بدورها تصب في صالح خدمة الخطة الأردوغانية الطامحة لمدّ النفوذ في المنطقة.

إليف شفق: مسيرة الدفاع عن السلام والديمقراطية تحولت إلى حمام دم

لكن، يبدو أن فيدان هاكان، ضابط الصف السابق فشل في تحقيق طموح صديقه، فانقلب هذا الأخير عنه، حيث تتحدّث تقارير تركية عن تغيير مرتقب سيطال رئاسة المخابرات التركية، وسيطيح بهاكان فيدان. وكتبت صحيفة “آيدنلك” اليسارية التركية المعارضة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتزم تعيين رئيس جهاز المخابرات الوطنية هاكان فيدان كمندوب دائم للبلاد لدى الأمم المتحدة، في حال تشكيل حزبه العدالة والتنمية حكومة بحزب منفرد، أو تشكيل حزبه حكومة ائتلافية بعد الانتخابات المبكرة القادمة.

ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بالموثوق فيها، أن الهدف الحقيقي وراء إرسال فيدان إلى الأمم المتحدة، يعود إلى فقدان الثقة فيه، خاصة أنه مقرّب أيضا من رئيس الوزراء أحمد داودأوغلو، الذي تحدّثت تقارير عن وجود توتر بينه وبين أردوغان. ورغم نفي أوغلو وجود خلافات بينه وبين رئيس الدولة، إلا أن مقرّبين من العدالة والتنمية يؤكّدون أن رئيس الوزراء غير مرتاح لتدخل رئيس الدولة في عمل الحكومة ونفوذه المطّرد.

واتهمت المعارضة الرئيس بإهمال أمن التظاهرة المناصرة للأكراد، وحتى بالتشجيع عليها. وتشدّد على تورط المخابرات في أعمال العنف المتواترة في البلاد، مشيرة إلى أنها مقصّرة منذ أن تحولت إلى القيام بمهمات أمنية على حساب جمع المعلومات؛ حيث تساءلت صحيفة “الزمان” التركية عن كيفية إدخال القنابل إلى قلب العاصمة، وعلى بعد كيلومترات من مركز المخابرات، والمقرات الحكومية والرئاسية.

بدورها، اعتبرت هانا لوسيندا سميث، المحللة المختصة في الشأن التركي في صحيفة “التايمز” البريطانية، أن عملية التصفية التي لحقت بالخبرات الأمنية جعلت تركيا عرضة للإرهاب. وقالت إن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا أقالت عددا كبيرا من رجال الأمن ذوي الخبرة بدعوى أنهم مقربون من حركة الخدمة الأمر الذي جعل تركيا عرضة للعمليات الإرهابية.

وقال مسؤول رفيع المستوى بمديرية الأمن العام، في تصريح أدلى به للصحيفة البريطانية “لقد تمت إقالة رجال أمن لديهم خبرة تزيد عن 20 عاما في العملية التي استهدفت حركة الخدمة. وعيّن بدلا عنهم رجال أمن تثق فيهم الحكومة لأنهم لا يتهمونها بالفساد. كما أن رجال الأمن الذين يعملون حاليا في شعبتي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في الشرطة ليست لديهم معلومات أو خبرات كافية بما يتعلق بالإرهابيين والمجرمين”.

المعارضة تتهم الرئيس بإهمال أمن التظاهرة المناصرة للأكراد، وتشدّد على تورط المخابرات في أعمال العنف المتواترة في البلاد

انتخابات تحديد المصير

وصف طارق فهمي، الخبير في الشؤون الإقليمية بالمركز القومي لبحوث الشرق الأوسط بالقاهرة، جهاز المخابرات التركي بـ”المفزع”، وأنه يمتلك تأثيرا كبيرا على الحياة السياسية. وأوضح في تصريحات لـ”العرب”، أن نجاح أردوغان خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، في الإطاحة بالعديد من القيادات الكبرى والمحسوبة على الجهاز، وتعيين قيادات بديلة من المساندين لحزب العدالة والتنمية، أثار تساؤلات كثيرة، منوها إلى أن أردوغان دفع داودأوغلو رئيس وزرائه نحو تنفيذ هذا المخطط.

وأرجع ارتفاع حدة الأحداث والهجمات الإرهابية في تركيا إلى الدور التخريبي الذي يلعبه الرئيس التركي في سوريا ودعمه السابق لتنظيم داعش، فضلا عن وجود عدد من التنظيمات الإرهابية المسلحة، التي تلقت دعما تركيا خلال الفترة الماضية، حتى تضخمت قوتها، وتوسعت أطماعها.

وقال إن ما يحدث في تركيا يعد مثالا واضحا على عبارة “انقلب السحر على الساحر”، حيث ساهم أردوغان في زرع عناصر إرهابية ومسلحة في المنطقة، وهذه العناصر نفسها التي تتبنى التفجيرات والهجمات داخل الأراضي التركية، مشددا على أنه لا يمكن التنبؤ بمدى استقرار الأوضاع الداخلية في تركيا إلا بعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي الانتخابات التي يسعى أردوغان للسيطرة على نتائجها أملا في إقصاء معارضيه تماما من المشهد السياسي، وذلك باستخدام جهاز المخابرات.

7