تركيا في مفترق طرق.. بين طموح أردوغان وثوابت أتاتورك

أسدلت الانتخابات التركية، أمس الأحد، ستارها بعد إغلاق صناديق الاقتراع وبداية عملية الفرز. وتفيد معطيات أولوية بأنّ كفّة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، هي التي من المرجح أن تفوز لكن ليس بالأغلبية المريحة التي كان يبحث عنها الحزب، والتي كان من شأنها أن تساعده على تمرير أجندة رئيسه الطامح إلى توسيع صلاحياته وإعادة إحياء الحلم العثماني الذي طالما راوده في سره وعلنه، على أنقاض تركيا الأتاتوركية العلمانية التي ألفتها غالبية الشعب التركي.
الاثنين 2015/06/08
حلم أردوغان يعتمد على صناديق اقتراع ينوي التقليل من دورها في المستقبل

أنقرة – بعد السّجالات العنيفة بين الأحزاب التركية، والحملات الانتخابية الصاخبة، التي شهدتها الشوارع والمدن، وصخب سيارات الدعاية للأحزاب التي تجوب الشوارع والأحياء والحملات الإعلامية في الصحف والإذاعات ومحطات التلفاز، جاء يوم الحسم، حيث توجّه الأتراك في الداخل إلى صناديق الانتخابات، يوم أمس الأحد، من الساعة الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء، لاختيار برلمانهم الجديد، الذي سيرسم مستقبل البلاد خلال الفترة القادمة.

وقد دارت رحى المعركة الانتخابية التركية بين حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، الذي يرفع شعار “تركيا الجديدة”، ويريد أن يحافظ على الأغلبية ويشكل الحكومة منفردا، ويضمن عددا من المقاعد يخول له تعديل الدستور والتحول لنظام رئاسي “مطلق السلطات” تراود أحلامه الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان الذي لا يخفي رغبته في استنساخ تجربة الامبراطورية العثمانية التي مضى عليها الزمن على أنقاض تركيا العلمانية، في مواجهة عدد من أحزاب المعارضة التي تطمح للحؤول دون هذا المخطط الأردوغاني والمحافظة على تركيا الأتاتوركية العلمانية.

وتنافس في الانتخابات العامة التركية، 20 حزبا سياسيا،، إضافة إلى 165 مرشحا مستقلا، وقد بلغ عدد الناخبين في داخل تركيا 53 مليونا و765 ألفا و231 ناخبا، فيما وصل عددهم خارج البلاد إلى مليونين و876 ألفا و658 ناخبا، ويشارك ممن أتمّ الـ 18 من العمر في التصويت حديثا، نحو مليون و47 ألف ناخب، أدلى عدد منهم بأصواتهم للمرّة الأولى، داخل تركيا، إضافة إلى قرابة 56 ألف ناخب خارج البلاد، من نفس الفئة العمرية.

انتخابات حامية الوطيس

تميزت الانتخابات التركية الأخيرة بارتفاع سقف المنافسة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة إلى حدّ بلوغه العنف في مناسبات عديدة مما جعلها انتخابات حامية الوطيس، كما شهدت ارتباكا واضحا وملموسا في صفوف حزب أردوغان تجلت من خلال تصريحات مسؤوليه طيلة الحملة الانتخابية.

وقد دخل حزب العدالة والتنمية السباق الانتخابي البرلماني مُعتمدا على ما يسميه بـ”إنجازاته الاقتصادية”، وفق دراسة صادرة عن مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، رغم أنّ الكثير من المعطيات أثبتت وهنها في المدة الأخيرة خاصة في ظلّ كثرة الاحتجاجات بين صفوف الشرائح الفقيرة والمهمشة. وقد واجه حزب أردوغان صعوبات كبيرة خلال المعترك الانتخابي، منها ما هو داخلي حيث افتقد لخبرات 70 من أبرز أعضائه الذين أمضوا فترتين في عضوية البرلمان ولا يحق لهم الترشح لدورة ثالثة، وتجميد أعضاء بارزين آخرين لنشاطهم الحزبي وفي مقدمتهم الرئيس السابق عبدالله غول بسبب إحساسهم بما أسموه “الغبن”، ومنها ما هو خارجي حيث واجه الحزب حملة ضارية من جماعة “فتح الله غولن” -المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية- والتي يصفها أنصار أردوغان بـ”الكيان الموازي”، التي تتغلغل داخل سلكي القضاء والشرطة، وتجري محاكمة عناصر تابعين لها بتهم استغلال مناصبهم، وقيامهم بالتنصت غير المشروع على مسؤولين حكوميين ومواطنين.

شهدت الانتخابات ارتباكا واضحا وملموسا في صفوف حزب أردوغان تجلى من خلال تصريحات مسؤوليه طيلة الحملة الانتخابية

وتملك جماعة “فتح الله غولن” إمبراطورية إعلامية من صحف ومواقع ووكالات إعلامية قوية، استخدمتها بقوة في الحملات المنظمة ضد أجندة أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

كما شهدت فترة الحملات الانتخابية أحداث عنف، أبرزها، اختفاء خليل إبراهيم غويوس، المرشح المستقل، في محافظة ولاية شانلي أورفا، إضافة إلى انفجارين استهدفا تجمعين لأنصار حزب الشعوب الديمقراطي المعارض، في مدينة ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، مما أدى إلى مصرع إثنين وإصابة أكثر من 100 آخرين.

وكانت صحيفة “التايمز” البريطانية، قد نشرت، مؤخرا، موضوعا عن الانتخابات في تركيا تحت عنوان “يجب تحجيم السلطان أردوغان”، قال فيه الصحافي روجر بويز “إنّ من مصلحة الغرب تكمن في ألاّ يتمكن أردوغان من تعزيز سيطرته الشخصية وسيطرة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه على الحياة السياسية في تركيا”، لافتا إلى “أنّ أردوغان الذي يقارنه كثيرون بالسلاطين العثمانيين يحاكم أحد قادة المعارضة لأنه زعم أنّ الرئيس التركي بنى حمامات مطلية بالذهب في القصر الرئاسي الجديد الذي يحوي أكثر من 1115 غرفة”.

ويوضح المقال “أنّ هذا هو ما يحدث عندما يبقى شخص واحد في السلطة فترة طويلة فتتحول كل الانتقادات إلى خلافات شخصية لا أكثر ولا أقل”. ويؤكد الصحافي “أنّ آمال أردوغان من الانتخابات التي جرت أمس واضحة، حيث يتمنى أن يحصل حزبه على الأغلبية الكافية في البرلمان لتعديل الدستور لتصبح تركيا دولة تتبنى نظاما رئاسيا بدلا من النظام البرلماني”، لافتا إلى أنّ حزب العدالة والتنمية يمتلك 312 مقعدا في البرلمان الحالي وإذا أراد تعديل الدستور ينبغي أن يرفع عدد مقاعده إلى 330 مقعدا في البرلمان الجديد بالإضافة إلى تنظيم استفتاء شعبي.

وفي حال تعدى عدد نواب حزب أردوغان والمتحالفين معه في البرلمان الجديد عتبة 367 نائبا، فسيتمكن من تعديل الدستور دون الحاجة للاستفتاء.

المعارضون سيستميتون في التصدي لمطامح أردوغان التي ينوي من خلالها تقويض تركيا الأتاتوركية

ويرى مراقبون أنّه مهما كانت النتائج النهائية التي ستسفر عنها الانتخابات الأخيرة، فإنّ الأجواء الحامية التي اتسمت بها الحملات تنبئ بأنّ الأوضاع لن تهدأ في تركيا بانتهاء الاستحقاق الانتخابي، بل إنّ المعارضين لأجندة أردوغان وحزبه سيستميتون في التصدي لمطامحه التي ينوي من خلالها تقويض تركيا الأتاتوركية، خاصة بعد أن تجلت نواياه الحقيقة مؤخرا بشكل واضح لدى قطاع واسع من الشعب التركي التي يرفض مثل هذه الارتدادة إلى الوراء.

معركة متواصلة

كان رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، زعيم حزب العدالة والتنمية، قد تعهد بتطبيق خطة عمل عاجلة من 10 بنود، في حال فوز حزبه بالانتخابات العامة، وقال إنّهم سيتوجهون مباشرة عقب الانتخابات لتنفيذ الخطة، التي ستكون فيها الأولوية للعمل على صياغة دستور جديد، والمضي قدما في مسيرة السلام الداخلي (الرامية لإنهاء الإرهاب، وإيجاد حل جذري للمسألة الكردية)، وتحقيق الوفاق المجتمعي.

وأضاف أوغلو أنّ الخطة تشمل إصلاحات بنيوية في المجال الاقتصادي، وتوفير فرص عمل، وتلبية مطالب الشرائح الاجتماعية المختلفة، وإقرار قانون الشفافية، وإعادة هيكلة الأجهزة الإدارية المترهلة والمتضررة من تغلغل “الكيان الموازي”، ووضع مخططات لإعادة تأهيل المدن وتطويرها، ودعا داود أوغلو أحزاب المعارضة إلى التعاون مع حزبه، بغض النظر عن نتائج الانتخابات، لصياغة دستور جديد، عوضا عن الدستور الحالي الذي وضعه العسكر، عقب ما يسميه “انقلاب” 1980.

وجدد رئيس الوزراء التركي أنه سيترك رئاسة الحزب إذا لم يفز بالمركز الأول في الانتخابات، مشيرا إلى أنّ قادة المعارضة لا يجرؤون على قول ذلك، وقال أمام حشد من أنصار الحزب الحاكم في ولاية قايصري وسط تركيا “إذا لم يفز حزبنا بالمركز الأول في الانتخابات المقبلة، سأترك رئاسة الحزب لصديق آخر، أنا أقول هذا لكن قادة أحزاب المعارضة لا يجرؤون على قول ذلك، لأنهم لا يفكرون مطلقا في أن يفوزوا بالمركز الأول، لأنّهم يلعبون ألعابا صغيرة في ساحاتهم الضيقة”.

الأجواء الحامية التي اتسمت بها الحملات الانتخابية تنبئ بأن الأوضاع لن تهدأ في تركيا بانتهاء الاستحقاق الانتخابي

وأوضح أوغلو أنّ “نية كل من يدخل الحقل السياسي أن يظل أولا باستمرار، لا أن يأتي في المؤخرة”، مشيرا إلى “أنّ أحزاب المعارضة أكبر آمالها الحفاظ على النسب التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة، فثمة حزب راض بـ 25 بالمئة من الأصوات، وهناك آخر رضي بـ13 بالمئة، وثالث بـ14 بالمئة، وهذه هي قناعاتهم، لكن هناك حزبا آخر كلّ همه أن يجتاز الحاجز الانتخابي ويدخل البرلمان ليجر البلاد للفوضى”، في إشارة منه إلى حزب الشعوب الديمقراطي.

هذه التصريحات الصادرة عن القيادي الثاني بالحزب الحاكم، ومن قبله تصريحات أردوغان الذي اعتمد سياسة ‘التكفير الناعم’ ضد خصومه طيلة الحملة الانتخابية، تنمّ وفق مراقبين ومتابعين للشأن التركي عن درجة العداء التي يكنها العدالة والتنمية لكل من يخالفه الرأي عموما، وبشكل خاص للمعارضة التي تمثل قطاعا واسعا من الأتراك، وسعيه المحموم للسيطرة على مفاصل الحكم وبالتالي تمرير أجندته التي يصفونها بالاستئصالية.

ويرى ذات المراقبين أنّ مثل هذه التصريحات المتواترة من شأنها أن تزيد من درجة الاحتقان في الشارع التركي بعد الانتخابات وهي تؤشر على أنّ المعركة بين العدالة والتنمية ومعارضيه، لا يحدّها الحيّز الانتخابي بقدر ماهي معركة حول مشروع مجتمعي بأكمله، في حين يرمي أتباع أردوغان إلى العودة بالبلاد دهرا إلى الوراء يسعى معارضوهم على المكاسب التي حققتها بلادهم منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك وإلى حدّ الآن.

وعلى الرغم من أنّ محاور حملة حزب العدالة والتنمية الانتخابية تركزت في مواصلة السير على درب “تركيا الجديدة”، ومسيرة الإصلاحات في سبيل تعزيز الديمقراطية، والنهوض بالبلاد أكثر، بحسب تصريحات رئيس الوزراء التركي، إلاّ أنّ المعارضة وقطاعا واسعا من الشعب التركي ما فتئوا يشككون في هذه التصريحات استنادا إلى النوايا المبيتة التي لم تعد خافية على أحد والتي يسعى من خلالها الحزب ومن ورائه أردوغان إلى إحكام سيطرته على البلاد والعباد، وهو ما كشفت عنه بوضوح الانتخابات التي أسدلت ستارها أمس وما سبقها من تصريحات، وستدعمه حتما الخطوات القادمة بعد الإعلان النهائي على نتائج الانتخابات.

6