تركيا لم تعد حلا للأزمات الإنسانية في سوريا، بل صانعة لها

خلقت معركة عفرين التي تشنها تركيا ضد الوجود الكردي هناك أزمة إنسانية جديدة في سوريا، وبات المدنيون أمام حالة صراع مفتوحة على أكثر من واجهة، فبين ممارسات النظام السوري التي تتجاوز معايير حقوق الإنسان، وبين تحركات الجماعات الإرهابية، تفتح أنقرة باب صراع آخر مع الأكراد دون اكتراث بمخلفاته الإنسانية حيث تمهد معركة عفرين الطريق أمام نزوح الآلاف إلى تركيا، ورغم محاولات إقناع النظام التركي الرأي العام المحلي والدولي بمباركة السوريين لهذه العملية، إلا أن ذلك يؤكد دور أنقرة في صناعة الأزمات بدلا من معالجتها، ومحاولتها استثمار الملف السوري لتصفية حساباتها ضد الأكراد، الآمر الذي سيزيد من المشاعر العدائية من قبل السوريين. كما سيسهم في استشراء الغضب الكردي ضد ممارسات النظام التركي.
الخميس 2018/02/01
ما ذنب أطفال سوريا

دمشق – تحاول تركيا خلق انطباع بين السوريين بقبول عام بعملية عفرين، بحثا عن شرعية محلية تفرغ العملية من انتهازية تركية تجاه الأكراد، لكن العملية بدأت تظهر وجهها الآخر سريعا.

وأثبتت العملية، التي أطلقت تركيا عليها اسم “غصن الزيتون” أنها مخاطرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للسوريين، إذ بدأ القصف العنيف على مناطق في كنتون عفرين في دفع الآلاف من السوريين إلى النزوح، والالتحاق بملايين آخرين تزحم بهم شوارع المدن التركية.

ويقول مراقبون إن “التوغل التركي في أقصى شمالي غرب سوريا سيخلق أزمة إنسانية جديدة، ويعقد الوضع الاستراتيجي الدقيق في هذه المنطقة الغنية بالمياه ومصادر الطاقة”.

ويبدو من تصرفات الجيش التركي، وقوة تنتمي لما يسمى بـ”الجيش السوري الحر” التحقت بالقتال منذ انطلاق العملية في 20 يناير الماضي، أنهما لا يعطيان بالا للمدنيين المقيمين في المنطقة. وأصدر المرصد السوري لحقوق الإنسان تقريرا يؤكد مقتل 67 مدنيا جراء القصف التركي العنيف على المنطقة.

والتحدي الذي يواجه الجيش التركي هو طول أمد القتال، وهي الاستراتيجية التي تتبناها وحدات حماية الشعب في مواجهة الهجوم. وكلما طال أمد القتال كلما تعمقت الأزمة الإنسانية، وزادت أعداد النازحين.

ويقول الجيش التركي إنه يتخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الخسائر في صفوف المدنيين، لكن المنظمات الإنسانية التركية تمهد الطريق لإقامة مخيمات للنازحين قرب مدينتي إعزاز وإدلب السوريتين بهدف استقبال المدنيين الهاربين من مناطق القتال فيهما. ويقول دبلوماسيون غربيون إن تركيا ليست لديها مشكلة في تحويل هذه المنطقة إلى مخيمات لاجئين في سبيل احتلالها. وتسببت هذه الاستراتيجية التركية في إثارة قلق الغرب.

عبور لاجئين أكراد إلى الأراضي التركية من الممكن أن يكون له تأثير مضاعف على اختصار وقت انتظار الغضب الكردي

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تصريحات ضمن مقال نشرته صحيفة "لو فيغارو" على موقعها الإلكتروني الأربعاء "إذا اتضح أن هذه العملية ستتخذ منحى آخر بخلاف التصدي لتهديد إرهابي محتمل على الحدود التركية وتبين أنها اجتياح، عندها ستكون لدينا مشكلة فعلية معها".

دواعش عفرين

رغم نفي تركيا استهداف المدنيين في عمليتها العسكرية، تستقبل مستشفيات مدينة عفرين يوميا الضحايا من قتلى وجرحى.

وداخل مستشفى عفرين الرئيسي في المدينة، تسلمت أفراد عائلة مساء الثلاثاء جثة والدهم العجوز بعدما قتل جراء القصف قبل أيام. وتضع امراة رأسها على النعش وهي تبكي بحرقة.

وعلى بعد أمتار، استشاط رجل في الثمانينات غضبا بعدما قتل 12 فردا من أسرته بينهم حفيداه الرضيعان جراء القصف التركي الذي نجا منه بأعجوبة.

وقال للصحافيين وهو يصرخ “كل العالم يعرف ماذا يحصل هنا. كل العالم يعرف أن المدنيين يموتون”. وأضاف وهو مضمد اليدين والرأس “نحن دواعش عفرين، طفل عمره أربعة أشهر وآخر تسعة أشهر. نحن دواعش عفرين".

وطبيعي أن تتصاعد هذه المشاعر المعادية للعملية التركية بين سكان المنطقة، الذين تنظر إليهم باعتبارهم تهديدا على أمنها القومي. لكن المشكلة الحقيقية بالنسبة لتركيا ستظل تكمن في تسرب هذه المشاعر للبيئة الحاضنة للمعارضة، خصوصا في محافظة إدلب القريبة.

ويعتقد مسؤولون كبار في تركيا أن القسم الكبير من السوريين الذين مازالوا يرغبون في الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد يقدمون بالضرورة دعما غير مشروط للتحركات التركية في شمال سوريا. وأصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مشاركة فصائل من “الجيش السوري الحر” محسوبة على تركيا في عملية “غصن الزيتون” من أجل منحه الغطاء السياسي والشعبي الذي يحتاجه لتجنب مواجهة بيئة معادية لقواته، في حال اتساع رقعة العمليات.

لكن الأزمة الإنسانية الجديدة ستهمش أي مبرر آخر من الممكن أن يستخدمه أردوغان لشرح دوافعه لإطلاق العملية. وتسعى الحكومة التركية لكسب الوقت وتقليص المشاعر العدائية لدى السوريين بقدر الإمكان، إلى حين تحقيق تقدم ميداني على حساب القوات المتحالفة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، التي تظهر مقاومة شرسة إلى الآن.

وقال كرم كينيك مسؤول الهلال الأحمر التركي “نحن مستعدون لتأمين مأوى لما يصل إلى 50 ألف مدني في إعزاز وإدلب”.

ومدينة إعزاز تحت السيطرة التركية منذ استعادتها من أيدي تنظيم داعش خلال عملية “درع الفرات” التي شنتها تركيا بين أغسطس 2016 ومارس 2017.

وإدلب هي إحدى مناطق خفض التوتر التي أقيمت بموجب اتفاق أبرم بين تركيا الداعمة للمعارضة وروسيا وإيران، حليفتا النظام السوري.

وتستقبل تركيا على أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ فروا من النزاع المستمر منذ نحو سبع سنوات في سوريا، لكنها تسعى الآن إلى نقل النازحين إلى مخيمات في الجانب السوري للحدود. وقال رئيس الوكالة التركية لإدارة الأحوال الطارئة محمد غول أوغلو إن تركيا تستعد “للسيناريو الأسوأ”.

التحدي الذي يواجه الجيش التركي هو طول أمد القتال وكلما طال أمد القتال كلما تعمقت الأزمة الإنسانية، وزادت أعداد النازحين

وأضاف، من مركز أونجوبينار الحدودي قرب إعزاز حيث قامت منظمته الأسبوع الماضي بتحضير إقامة مخيمات محتملة، “من الصعب توقع بدقة عدد المدنيين الذين سيأتون لأن هناك عملية جارية”.

انتقال الخطر إلى الداخل

أعلنت الأمم المتحدة أن حوالي خمسة آلاف من أصل 324 ألفا يقيمون في عفرين نزحوا من جراء الهجوم. كما حذرت الاسبوع الماضي من أن المعارك وكذلك قرار السلطات الكردية إغلاق نقاط العبور بين عفرين والمناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري في محافظة حلب يحدان من حرية تنقل المدنيين.

وقال كرم كينيك “ليس هناك أي طريق للخروج من عفرين في الوقت الراهن”. وبات لزاما على تركيا، باعتبارها القوة الغازية، فتح طرق آمنة للمدنيين باتجاه قواتها، خصوصا في القرى التي تأثرت مباشرة بالقصف.

وتقول مصادر تركية لـ"العرب" إن “قادة كبار في الاستخبارات التركية ومساعدين لأردوغان يدرسون توابع قرار محتمل بفتح منفذ إنساني للسكان المحليين في عفرين للعبور إلى الأراضي التركية في حالة ما إذا امتد أمد الصراع إلى أطول مما كان يتوقعه المخططون العسكريون”.

ويثير عبور أكراد سوريين إلى الداخل التركي قلقا تركيا رسميا، إذ سيشكل، إن حدث، انتقالا سريعا وتلقائيا لمشاعر عدائية يحملها اللاجئون الجدد معهم إلى بيئة تركية مثخنة بالجراح، منذ انهيار اتفاق التهدئة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عام 2015. وكان القلق من غضب الأكراد في تركيا حاضرا من قبل إطلاق العملية، وتتعامل السلطات التركية مع هذا الغضب باعتباره أحد الآثار الجانبية للمعركة.

لكن عبور لاجئين أكراد إلى الأراضي التركية من الممكن أن يكون له تأثير مضاعف على اختصار وقت انتظار الغضب الكردي، واتساع تأثيره بشكل يمثل تهديدا للحكومة التركية، خصوصا في المحافظات الجنوبية.

لكن هيكو وايمن، مدير المشاريع المخصصة للعراق وسوريا ولبنان لدى مجموعات الأزمات الدولية، قال “أعتقد أن الشرائح غير الكردية من السكان هي التي ستنزح بشكل خاص”. وأضاف أن العديد من الأكراد لا يشعرون بالأمان في مناطق خاضعة لسيطرة تركيا وحلفائها.

6