تركيا مازالت على أول طريق مليئة بالاضطرابات

تركيا ما بعد محاولة الانقلاب بعيدة عما يروّجه نظام العدالة والتنمية بأنها أقوى من أي وقت مضى، فعملية التطهير التي يديرها أردوغان خلفت فراغا أمنيا وعسكريا كبيرا استغله الخصوم لشن ضربات موجعة وآخرها تفجير غازي عنتاب.
الاثنين 2016/08/22
سياسات خاطئة تجلب الموت

تعيش تركيا ما بعد الانقلاب مرحلة من الاضطرابات السياسية والأمنية التي بدأت تأثيراتها ظاهرة على عدد من القطاعات الحيوية بالبلاد.

وتدير السلطات التركية حملة تطهير غير مسبوقة في أجهزة الأمن والجيش والقضاء والإعلام وغيرها بحجة التخلص من ذيول الانقلاب الذي اتهمت أنقرة الداعية الإسلامي فتح الله كولن بتدبيره من منفاه في الولايات المتحدة.

غير أن منظمات حقوقية ومعارضون لسياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يؤكدون أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يتخذ من محاولة الانقلاب الفاشلة مطية لتمرير مخططاته في ضرب كل الخصوم بمن فيهم أولئك الذين عارضوا الانقلاب رغم خلافاتهم الجوهرية مع أردوغان.

وينبه خبراء أمنيون من أن حملة التطهير التي يقودها أردوغان وتم بموجبها اعتقال وإيقاف عشرات الآلاف من الموظفين ومنهم جزء كبير في جهاز الشرطة والدرك، ستحدث فراغا أمنيا كبيرا سيستثمره خصوم أردوغان المسلحون وأساسا حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش لشن ضربات قوية.

وتحاول السلطات التركية تهدئة هذه المخاوف من خلال تصريحات أكثر من مسؤول رفيع بأن الجيش والأمن التركيين أقوى من أي وقت مضى وبأن الإيقافات في الجهازين لن تؤثر على السير العادي للمهام الموكلة إليهما.

غير أن التطورات جاءت مخالفة لتصريحات “الطمأنة” التي انتهجتها إدارة الرئيس رجب طيب أردوغان إذ عاشت تركيا في أسبوع على وقع هجمات دامية راح ضحيتها العشرات من الأشخاص. ويتوقع خبراء أن لا تقف سلسلة الاضطرابات الأمنية عند هذا الحد نتيجة لحالة الغليان التي تعيش على وقعها البلاد وكثرة الملفات الشائكة والحدود الملتهبة بسبب سياسات أردوغان الخاطئة في المنطقة.

وقتل 51 شخصا على الأقل في تفجير نفذه انتحاري مساء السبت يراوح عمره بين 12 و14 عاما خلال حفل زفاف في غازي عنتاب بجنوب شرق تركيا ويحمل “على الأرجح” بصمات تنظيم الدولة الإسلامية، كما أعلن الرئيس التركي الأحد.

رجب طيب أردوغان: مهما كان مصدر الإرهاب، سنستخدم كل قوتنا لمكافحة الإرهاب

وقال رجب طيب اردوغان إن الاعتداء الذي وقع بوسط هذه المدينة الكبيرة، وهو الأسوأ في تركيا خلال عام، نفذه “انتحاري يراوح عمره بين 12 و14 عاما إما فجر نفسه وإما كان يحمل متفجرات تم تفجيرها عن بعد”. وكرر أمام الصحافيين في إسطنبول أنه يشتبه بتنظيم الدولة الإسلامية.

واستخدام الأطفال أو الفتيان كانتحاريين يبدو سابقة في سلسلة الاعتداءات الدامية التي تهز تركيا منذ عام وتنسبها السلطات إلى الجهاديين أو إلى المتمردين في حزب العمال الكردستاني. وأوضح اردوغان أن 69 شخصا لا يزالون في المستشفيات بينهم 17 في حال حرجة بالمدينة التي تبعد 60 كلم عن الحدود السورية.

وقال “مهما كان مصدر الإرهاب، هذا لا يغير شيئا بالنسبة إلينا. بوصفنا أمة، سنستخدم كل قوتنا، موحدين، يدا بيد، لمكافحة الإرهاب كما فعلنا في 15 يوليو”، في إشارة إلى محاولة الانقلاب على نظامه. وفي وقت سابق، أعلنت النيابة العثور في مكان التفجير على بقايا سترة مفخخة ما يؤكد فرضية التفجير الانتحاري مساء السبت.

واستهدف الاعتداء حفل زفاف كان يحضره عدد كبير من الأكراد، أعرب بعضهم الأحد عن سخطهم على الحكومة لعدم تأمين الحماية لهم. وفي هذا السياق، قال النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد محمود توغرول إن “هذا الهجوم استهدف الشعب الكردي برمته؛ تم استهداف هذا الزفاف لأنه زفاف كردي”. لكن وسائل الإعلام التركية التزمت الحذر واكتفت بالقول إن عددا كبيرا من الأكراد كانوا يحضرون الزفاف.

وبعدما شكا أردوغان من عدم تضامن الدول الغربية معه إثر محاولة الانقلاب على نظامه، نددت دول عدة باعتداء غازي عنتاب مؤكدة التزامها التعاون مع أنقرة لمكافحة الإرهاب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وروسيا.

وأفاد مسؤول تركي أن حفل الزفاف “كان يجري في الهواء الطلق” وفي حي بوسط غازي عنتاب ذي كثافة سكانية كردية، ما يعزز الفرضية الجهادية. وفي وقت بدأت غازي عنتاب تدفن ضحاياها، روى رجل ما حصل قائلا “عندما وصلنا كان هناك عدد كبير من القتلى، نحو عشرين… أشخاص تناثرت رؤوسهم وأذرعتهم وأيديهم على الأرض”. وقال آخر “انظروا إنها قطع حديد دخلت أجساد أقاربنا، هذه الكرات قتلتهم”.

واحتشد المئات من المشيعين الأحد للمشاركة في مراسم جنازات 12 شخصا على الأقل من ضحايا التفجير الذي استهدف حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا وذهب ضحيته نحو 50 شخصا. وقالت مصادر أمنية إنه تم تأجيل عدة جنازات أخرى نظرا إلى أن العديد من الضحايا تحولوا إلى أشلاء مما يستدعي الحاجة لفحص الحمض النووي من أجل التعرف على هوياتهم.

ورشق المشيعون الغاضبون أفراد الشرطة بالزجاجات وهتفوا “أردوغان القاتل”. واعتبر أردوغان أن منفذي التفجير يهدفون إلى زرع الشقاق بين مختلف القوميات التي تعيش في تركيا. ويعتبر عدد من الجهاديين الأكراد أعداء. ففي سوريا المجاورة تقف الميليشيات الكردية في الخط الأمامي في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية ما أدى إلى تراجعه ميدانيا.

وأصبحت غازي عنتاب نقطة عبور للعديد من اللاجئين السوريين الهاربين من النزاع المستمر في بلادهم منذ أكثر من خمسة أعوام. ويعيش 2,7 مليون منهم في تركيا. وبعد مماطلة، انخرطت أنقرة في شكل أكبر في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية في إطار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

5