تركيا مقبلة على حالة من عدم الاستقرار

تعيش تركيا حاليا صخب مرحلة الـ 45 يوما لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة، بعد أن عجزت كل الأحزاب عن الحصول على نسبة من الأصوات تخول لها تشكيل حكومة بمفردها. وتاريخ البلاد السيئ مع الحكومات الانتقالية لا يبشرّ بخير بخصوص الوضع الحالي خاصة في ظلّ حالة الاستقطاب الحادة، الأمر الذي ستنجر عنه تبعات كبيرة لا فقط على مستقبل تركيا ولكن أيضا على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.
الأربعاء 2015/06/24
تركيا تتمسك بعلمانية أتاتورك

نظمت تركيا انتخاباتها البرلمانية في السابع من يونيو 2015 وكانت النتائج عكس ما انتظره الجميع، تقريبا، إذ خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته المطلقة. وكان ذلك بمثابة هزيمة كبرى للحزب الحاكم والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وذهب مراسل صحيفة “فاينانشيل تايمز” إلى حد وصف النتائج بـ “المزلزلة”، واستشهد برأي منتقد لأردوغان قال فيه “لا يوجد طريق خال من المخاطر بالنسبة إليه في هذا الوقت، فأي شيء يختار سيكون بمثابة مغامرة”.

ويقول العنوان الرئيس لمقال “فاينانشيل تايمز” إن لدى أردوغان “خيار ما بعد الاستفتاء: التراجع إلى الوراء أو المضي قدما”.

كل الملاحظين تقريبا، سواء كانوا من داخل تركيا أو خارجها، حلّلوا الانتخابات بمثل هذا الكلام الدرامي. ولمعرفة السبب، علينا الرجوع إلى بداية تاريخ تركيا كدولة حصلت على استقلالها سنة 1923. وقد انتهت حرب التحرير التركية (1919 – 1923) بمعاهدة لوزان، عندها دعا البرلمان الانتقالي إلى الانتخابات. وأعلن البرلمان الجديد المنبثق عن هذه الانتخابات الجمهورية وقبول معاهدة لوزان وألغى الخلافة. وسرعان ما أصبح حزب الأغلبية الجديد (حزب الشعب الجمهوري) الحزب الوحيد، وترأّسه مؤسسه مصطفى كمال أتاتورك إلى حين وفاته سنة 1938.

صيغت سياسات أتاتورك من عدة نواح على ما كان يعتبره سياسات فرنسية. وكان مصلحا مناهضا لرجال الدين يسعى إلى “تعصير” بلده. ومن بين خاصيات نزعته النظرة الفرنسية للعلاقات بين الدولة والأديان المسماة بـ”اللائكية”.

وتظهر النزعة اليعقوبية في معارضة أتاتورك الشديدة لأي نوع من الولاءات الوسيطة بين الدولة والفرد سواء كانت دينية أو إثنية أو جهوية. وكانت هناك أربع وساطات كبيرة محتملة تصدى لها أتاتورك جميعها. الوساطة الأولى هي الإسلام، ومن ثمّة إلغاء الخلافة وحظر اللباس الإسلامي.
والوساطة الثانية كانت الأكراد، ومن ثمّة منع استعمال لغتهم وحتى وجودهم من أصله عبر تسميتهم “أتراك الجبال”. والوساطة الثالثة كانت الأرمن ومن ثم ذبحهم وطردهم.
أما الوساطة الرابعة فكانت تتمثل في السكان اليونانيين الأرثودوكس وكنيستهم، ومن ثمّة ترحيلهم الإجباري إلى اليونان ومبادلتهم مع الأتراك المقيمين في اليونان.
في حين بدا حزب العدالة والتنمية يمثل قوة تقدمية سنة 2002، أصبح الآن يبدو في صورة الحزب الدكتاتوري

زيادة على ذلك بالنسبة إلى أتاتورك وحزب الشعب الجمهوري كان إنشاء دولة حديثة يعني الحد الحذر من حدود الدولة التركية. واستتبع ذلك التخلي عن النزعة القومية التركية التي كانت تسعى لتوحيد الشعوب الناطقة بالتركية. كما تم التخلي عن مفهوم الطورانية التي كانت تسعى إلى توحيد كل الشعوب المنحدرة لغويا من نفس الجذور مثل الفلنديين والمجريين والمغول والكوريين واليابانيين وغيرهم. على العكس من ذلك عمل أتاتورك على ‘تنقية’ اللغة التركية عن طريق رفض كل ما جاء فيها من العربية والفارسية واليونانية واللاتينية.

المسألة الثانية ذات الأهمية المتواصلة بالنسبة إلى تركيا هي توجهها الجيوسياسي. ففي الأيام الأولى للجمهورية ربطت تركيا علاقات مع الاتحاد السوفييتي، وقد جمع بينهما شعور “الثورية” ومن ثم رفض العالم الغربي لهما. لكن بالنسبة إلى أتاتورك، تراجع هذا التحالف في سعيه إلى تحقيق طموحه في إنشاء دولة حديثة على الطراز الفرنسي. وعند وصول هتلر إلى السلطة غازلت ألمانيا تركيا. ونتيجة لذلك عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وجدت تركيا نفسها ممزقة بين ولاءات ممكنة واختارت الحياد، وهو أمر رأته القوى المتحالفة منحازا إلى ألمانيا.

ومن أجل إصلاح العلاقات مع أوروبا الغربية (وأميركا الشمالية) وضع خليفة أتاتورك عصمت إينونو حدّا لحكم الحزب الواحد في سنة 1944، ودعا إلى الانتخابات. وتمكّن حزب الشعب الجمهوري من الفوز بالانتخابات الأولى بسهولة لكن بعد ذلك أصبح حزبا أقليا، فأعلن نفسه حزبا ديمقراطيا اجتماعيا وانضم إلى جمعية الأممية الاشتراكية. واستمر الحزب في نزعته القومية الشديدة لكنه وجد قوته الانتخابية في المناطق الحضرية بين النخب المهنية والإدارية من الطبقة الوسطى، ودفع مناصروه في اتجاه السياسات الموالية للغرب (مثل الانضمام إلى حلف الناتو) والمزيد من الحريات المدنية.

وجد حزب الشعب الجمهوري نفسه محاطا بالمنافسين وظهرت النسخ المتتالية لحزب محافظ يركز بدرجة أقل على السياسات الموالية للغرب، وله جذور راسخة في المناطق الريفية ونظرة أكثر تسامحا للإسلام. وفي المقابل كان هناك الجيش والقضاء اللذان أرادا المحافظة على دولة قوية جدا وكانا شديدي اليقظة في الدفاع عن اللائكية، مما أدى إلى استيلاء الجيش على السلطة في عديد المرات. وكان هناك الأكراد الذين شرعوا في التنظم سياسيا وفي آخر المطاف شرعوا في حركة تمرد عسكري بقيادة حزب العمال الكردستاني.

فشل أردوغان سينجر عنه تبعات كبيرة لا فقط على مستقبل تركيا ولكن أيضا على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط

تم حظر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي ظهرت في هذه الفترة تباعا، وتم سجن قيادييها أو منعهم من ممارسة السياسة. لذلك عندما وصل حزب العدالة والتنمية “الإسلامي المعتدل” بزعامة رجب طيب أردوغان في سنة 2002 إلى الحكم اعتبر ذلك ثورة تقدمية حقيقية. وكان لا يزال يواجه معارضة قوية من عديد المثقفين اليساريين “العلمانيين”، فضلا عن إمكانية استيلاء الجيش على السلطة. عندها كان أردوغان يسعى إلى تكوين برلمان يصوت على دستور جديد يرسي نظاما رئاسيا قويا. وفي حين بدا حزب العدالة والتنمية يمثل قوة تقدمية في سنة 2002، أصبح الآن يبدو في صورة الحزب الدكتاتوري في المستقبل.

ومع ذلك قام أردوغان في الفترة الأخيرة من توليه رئاسة الوزراء بشيء مفاجئ ومهم إذ بدأ مفاوضات مع أوجلان للبحث عن إمكانية وجود صيغة لتفويض السلطة تمكن من حل القضية. وحصل على تقدير كبير في الأوساط الكردية على هذه المبادرة. بيد أنه اتبع كذلك سياسة خارجية جديدة أعادت إقحام تركيا في الساحة الشرق أوسطية. وأدت به معارضته لبشار الأسد إلى اتباع سلوك سلبي تجاه الأكراد السوريين.

ونتيجة لذلك، وفي الانتخابات الأخيرة اتبع أول حزب كردي قانوني، حزب الشعوب الديمقراطي، سياسة جديدة حيث أنشأ ائتلافا تقدميا متنوع الأطياف وترشح في قائماته الانتخابية أشخاص من كل المجموعات الإثنية الكبيرة فضلا عن أول مرشح شاذ (بشكل علني)، ولعل الأهم من كل ذلك العدد الكبير من النساء. وحصل هذا الحزب على 13 بالمئة من الأصوات على المستوى الوطني، مما مكن حزبا كرديا لأول مرة من تجاوز عتبة العشرة بالمئة من الأصوات الضرورية للحصول على مقاعد في البرلمان.

والآن لا يملك أردوغان أي حظوظ لتمرير دستوره. ومشكلته الحالية هي الحكم كحزب أقلي (وهو أمر صعب جدا) أو التحالف مع أحد الأحزاب الثلاثة الحاصلة على مقاعد لمنحه أغلبية، وهي حزب الشعوب الديمقراطي اليساري أو حزب الشعب الجمهوري العلماني أو الحزب اليميني المتطرف. إنه خيار صعب أمامه وأمام حزبه وأمام تركيا، إذ سينجر عن ذلك تبعات كبيرة لا فقط على مستقبل تركيا ولكن أيضا على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.

أستاذ وباحث في جامعة ييل الأميركية

12