تركيا من العلمانية إلى الإسلامية

الخميس 2013/09/19

أتاحت العلمانية التركية، وعلى وقع أزماتها المتراكمة، تقبل الإسلام السياسي المتعلمن، وإجباره على تبني قيم العلمانية وفصل الدين عن الدولة والسياسة، وتحديد موقع الشريعة فيه بكونها إطارا ثقافيا عاما، وهو ما حدث لكافة القوى السياسية الإسلامية، ومن رفض ذلك، قمع بشدة بالغة، فتبنت تلك القوى العلمانية الدولتية، وشكلت أحزابها وقواها، بالتوافق معها؛ وبالتالي انتصرت علمانية أتاتورك، على التسييس الفظّ للدين.

وبحدوث ذلك، سمح العسكر، المراقبون الحذرون لكل مفاصل الدولة التركية، للإسلام السياسي بأن يتبوأ أعلى المناصب السياسية، ويشترك بكل شؤون الدولة بما فيها رئيس الدولة ذاته ورئاسة الوزراء؛ ساهم في ذلك وعزز من ذلك، قدرة هذه القوى على تجاوز مشكلات اقتصادية كبيرة، كانت سببا في إخفاقات كبيرة لتركيا، وبذلك تم وضع الإسلام السياسي في مواجهة اليسار والعاطلين عن العمل، وقد خلق ذلك مشكلات جديدة كانت غائبة لزمن طويل عن تركيا، أي الصدام بين قوى الإسلام السياسي»العلمانية» وقوى المجتمع العلمانية من عسكر وقوميين ويسار وسواهم، وبالتالي انحرفت الصراعات نحو صراعات ثقافية، بدلاً من صراعات سياسية وطبقية؛ وأكمل الإسلام السياسي إدارته للمشكلات التاريخية، بالاتفاق مع عبد الله أوجلان وبداية حل سياسي، يوقف الحرب بين حزب العمال الكردستاني وبين الدولة التركية، ضمن صفقة سياسية، وإعطاء بعض الحقوق الثقافية للأكراد، ولم تصل المسألة إلى حكم ذاتي كامل، ولكن حساسية الأتراك القوميين للمسالة ولاسيما العسكر منهم، بقيت قوية إزاء الموضوع الكردي، وإن تم تشتعل مواجهة كبيرة بين الترك أنفسهم على ضوء ذلك، وقد يكون حجم الإخفاقات في العقود السابقة في حدوث تقدم على هذا الصعيد أي إنهاء الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، والتضحيات الكبيرة، وقبول الأكراد بحقوق أولية من جهتهم، هو ما دفعهم للصمت وقبول هذه الصفقة على مضض.

إذن قوة العلمانية التركية فرضت على إسلامها السياسي التطور والعلمنة، وهذا متعلق بسبب التطور الاقتصادي والسياسي التركي؛ فإن هذه الحالة لا نجد لها شبيها لدى الإسلام السياسي العربي، ولكن الإسلام السياسي التركي وبدلاً من الاستمرار ضمن هذا الإطار، وتقديم مثال نوعي على علاقة حداثية بين التسييس الديني والحداثة، عاد عن ذلك وعلى وقع أزماته الجديدة، وربما بسببها وليس بسبب المرجعية الدينية ذاتها، عاد لإظهار ممارسات وسياسات تتعارض مع العلمانية وتتجه نحو أسلمة الدولة التركية، واعتمد ذلك في السياسة الخارجية للدولة التركية وفي التعامل مع الطوائف داخل تركيا؛ هذا الملمح الجديد، ربما هو أخطر ما يواجه تركيا الآن، وقد يعيدها إلى المربع الأول، أي إقصاء الإسلام السياسي من جديد، وتقدم العسكر وقيامهم بانقلاب ضد حزب العدالة والتنمية، أي ضد سياسة أردوغان وأوغلو، وبذلك يعود السؤال من جديد عن علاقة الإسلام السياسي بالدولة الحديثة، وتتعقد المشكلات في طريق تجاوز العلاقة القروسطية، لصالح علاقة حداثية.

الموقف الأخير لأردوغان من الانقلاب العسكري المصري، وبقاؤه مؤيدا لحق الإخوان بالسلطة المصرية، يكشف خطر ذلك، وكذلك تبني أردوغان للإخوان المسلمين السوريين، ومحاولة إعطائهم الدور الأساسي في المعارضة السورية، ولاسيما بعد قطع كل علاقة بالنظام بشكل كامل، يشير أيضا بدوره إلى إشكالات قد تتفجر في إطار تركيا نفسها.

فإذا كان العسكر يتدخلون ومنذ الأربعينات، كلما حدثت أزمة اقتصادية واجتماعية عنيفة، فيعزلون النظام الديمقراطي، ويمارسون الحكم مباشرة، وتتم تصفية المعارضة، والمظاهرات والإضرابات، والتي كانت موجهة بشكل أساسي ضد اليسار آنذاك والخوف من تطور الثورة الاجتماعية، فإن قوة سيطرة حزب أردوغان، متأتية من ضرورة حل المشكلات الاقتصادية وحل المسألة الكردية وإدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقد حقق نجاحاً باهراً في تلك الملفات؛ ولكن تفجر الثورة السورية، وضع نهاية لكل ذلك، وبدأت تركيا تتجه نحو تعميق المشكلات بدلاً من حلها؛ وبالتالي الإسلام السياسي معني بإيجاد حلول لتلك المشكلات قبل أن يعود العسكر بطريقة ما إلى السلطة، ولن يعدموا وسيلة لذلك، رغم حجم التغييرات الكبرى التي أحدثها أردوغان نفسه في بنية الجيش وإحالة ضباط أتراك كبار إلى المحاكمة وعزلهم.

وقد حصل هذا فعلاً، ولكن لا يمكن للجيش التركي، أن يسمح بإغراق تركيا بمشكلات أعقد من حركات اجتماعية واقتصادية عنيفة، وقد قام بتصفيتها من قبل، في عقد الأربعينات والخمسينات ولاحقاً، وبالتالي ووفقاً لقراءة واقعية لمجرى الأحداث لن تتقلص المشكلات مع الخارج كما نظر أوغلو، بل قد تتكاثر في الداخل نفسه.

موضوع العلاقة مع سوريا، سنفرد له مقالاً لاحقاً، يوضح علاقة الحكومة التركية، بدول المنطقة وبسوريا، وبالتالي هناك مشكلات داخلية تركية، قد تتفجر أكثر بسبب الثورة السورية، ولاسيما قضيتا الأكراد والأقليات الدينية أيضاً؛ تركيا العلمانية تثبت يوماً بعد يوم أن مشروعها الحداثي قوي، ولكنه يواجه مشكلات عميقة. فالإسلام السياسي التركي (المعلمن) الذي كان بمثابة مثال للإسلام السياسي العربي، مثالاً على تدبر شؤون الدولة والتعايش مع العلمانية والنجاح الاقتصادي قبل تفجر الأزمات، وقف موقفاً خاطئاً من إخوان مصر وسوريا، مما قد يعزز من الاتجاهات السياسية بالتعارض مع مشروع الحداثة، وبالتالي قد يدفع الإسلام السياسي العربي، وعلى وقع الأزمات الاجتماعية والثورات العربية إلى قراءة أقرب للجهادية في فهم مشكلات بلدانهم ودفع تلك المشكلات نحو حلول صدامية واقتتال أهلي مجتمعي؛ وبالتالي هذا الميل لا يمكن تجاهله، رغم أن الميل الأكبر في تركيا لا يزال متجهاً نحو الحد من موجة التأسلم الفظ لأردوغان وأوغلو، والعودة نحو تكريس علمانية الدولة التركية؛ صراع هذين الميلين سيحسم ضد التأسلم السياسي الجديد لأردوغان، أو تتم مصالحة معينة مع العلمانية التركية من جديد، وبذلك تعود تركيا إلى لعب دور سياسي على صعيد المنطقة، ولكن ذلك ربما سيكون بعد إسقاط النظام السوري أو إيجاد حل ما له، والتخلص من الموقف الخاطئ إزاء الإسلام السياسي المصري والسوري.


كاتب سوري

8