تركيا من سياسة "صفر مشاكل" إلى واقع "صفر تجارة"

الأحد 2015/03/08
غضب متصاعد في تركيا ضد توجهات الحزب الحاكم، بدءا من السياسة الخارجية وصولا إلى السياسة التعليمية

أنقرة - اتهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، “جماعة ضغط أسعار الفائدة”، بمحاولة تخريب اقتصاد تركيا عن طريق أسعار الفائدة. وقال أردوغان، الذي كان يتحدث إلى الصحفيين في العاصمة أنقرة، إن هبوط الليرة من صنع “جماعة ضغط أسعار الفائدة” وهي جماعة غير محددة، لكن مراقبون يقول إن المقصود أطراف من المعارضة التركية.

وهبطت قيمة الليرة نحو 13 في المئة مقابل الدولار هذا العام وهو ما يجعلها ثاني أسوأ العملات أداء بين العملات العشر الرئيسية للاقتصادات الناشئة.

ويشير محلّلون استراتيجيون إلى أن اتهام أردوغان لـ”جماعة ضغط أسعار الفائدة”، يقرأ في سياق الصراع بين حزب العدالة والتنمية، والمعارضة التركية.

ويشهد هذا الصراع تصاعدا مع اقتراب الانتخابات العامة في يونيو 2015. وفي محاولة لمواجهة الحزب الحاكم، أعلن “حزب الشعب الجمهوري”، أبرز حزب معارضة تركي، أنه يقوم بإعداد استراتيجية شاملة لوضع حد لحكم حزب العدالة والتنمية الذي دام 13 سنة كاملة.

وفي حوار لموقع “المونيتور” الأميركي قال نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري أردوغان توبراك: “نحن مقبلون على انتخابات حاسمة ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى البلاد. فإما أن تحيد تركيا عن المسار الديمقراطي وتدخل نظام الرجل الواحد، نظام ديكتاتورية وفاشية، أو تتم إزاحة حزب العدالة والتنمية وتعاد الديمقراطية والدولة العلمانية إلى المسار الصحيح”.

وتبدو المعارضة، وفق المراقبين، مصمّمة، أكثر من أيّ وقت مضى على هزيمة حزب العدالة والتنمية، خاصة وأن سياسته الخارجية ألقت بظلالها الكبيرة على تركيا، التي فشلت في إقناع الأوروبيين بأهمية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مثلما فشلت سياسة تحويل الدفة، نحو الماضي، والعودة إلى الشرق الأوسط ومراكز ثقل الإمبراطورية العثمانية السابقة.

ويشير الباحث التركي دارون أجموغلو، في هذا السياق، إلى أن “أردوغان كان محبوب الأتراك والمجتمع الدولي، لكنه لم يعد كذلك الآن”.

والمراقب للتطوّرات التركيّة يلاحظ أن إنجازات أردوغان يخيّم عليها الآن الفشل والعزلة. وهو ما يذهب إليه أيضا تحليل لموقع “المونيتور” يشير إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعدّ أحد أكثر زعماء العالم إثارة للجدل هذه الأيام، إذ تركته تصريحاته الغاضبة، التي تتخللها دروس أخلاق موجهة إلى بلدان في الشرق والغرب، في عزلة دولية كبيرة. وبما أنه هو الشخص الذي يمسك بزمام الأمور في تركيا اليوم فقد أضرّت مواقفه بشدة بقدرة أنقرة على لعب دور إقليمي بارز، مثلّما حوّلت سياسة البلاد من سياسة “صفر مشاكل” إلى واقع “صفر تجارة”.

ويرى الكاتب التركي فهيم تشتكين أن تدخل تركيا في النزاعات الداخلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمارس تأثيرا على روابطها في مجال الأعمال، فضلا عن علاقاتها السياسية. ففي حين أعلنت مصر أنها ستوقف العمل باتفاقية الخط الملاحي “الرورو” مع تركيا، تلقّت أنقرة ضربة قوية أخرى من ليبيا. فقد اتّهمتها حكومة رئيس الوزراء عبدالله الثني التي تتخذ من طبرق مقراً لها، بتسليح الإسلاميين وقرّرت طرد الشركات التركية من ليبيا.

أما الباحث سميح إيديز، فيرى أن أردوغان، وبالرغم من ذلك، يستمر في الوقوف موقف المتحدي، وبالنظر إلى طموحاته، يبدو أن هناك مبررا، من وجهة نظره، للمحافظة على موقف شعبوي. وبالفعل كان لغضبه في وجه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في دافوس في فبراير 2009 عندما اتهم اسرائيل بإتقانها قتل الفلسطينيين الأبرياء، وانتقاده اللاذع للسيسي والأسد، ومساندته للإخوان المسلمين وحماس أثر في دعم قاعدة مسانديه بين جماهير المحافظين في تركيا.

وذهب إبراهيم كالين مستشار أردوغان الأول في السياسات إلى نحت عبارة عن عزلة أنقرة الدولية بالإشارة إليها بمثابة “العزلة النفيسة”، مجادلا بأنها تنبع من موقف تركيا المبدئي والأخلاقي في القضايا الدولية. لكن مهما كانت هذه العزلة “نفسية” بالنسبة إلى مساندي أردوغان، فإنها تركت أنقرة خارج اللعبة حتى فيما يتعلق بالأزمات التي تتحمل تركيا العبء الأكبر جراءها، وما سوريا إلا مثال صارخ عن ذلك.

وفي مقابل عزلة أردوغان، يواصل كل من السيسي والأسد تحقيق تقدم سياسي على الصعيد الدولي، مما يترك أردوغان في مأزق صعب. ويرى سميح إيديز في الضربة العسكرية التي وجّهها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ضد أهداف تابعة للدولة الإسلامية في ليبيا بهدف الثأر لذبح 21 قبطيا مصريا تطورا آخر سيؤدي حتما إلى زيادة إزعاج أردوغان.

كما حولت محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الاهتمام عن الأسد، الخصم الآخر لأردوغان. إضافة الى ذلك جعلت المسؤولين الدوليين يقرون بأن الأسد يجب أن يكون جزءا من الحل السوري.

وفي الآن نفسه تستمر أنقرة في الانسحاب من المنطقة إذ قررت غلق سفارتها في اليمن، هذا بالرغم من أنها كانت تفتخر بأن تركيا هي آخر بلد ينسحب من الأقطار الإسلامية الغارقة في الأزمات على أساس أن جهودها السلمية بوصفها لاعبا محايدا يضمن لها الاحترام من جميع الأطراف.

ونقل “المونيتور” عن دبلوماسي غربي في أنقرة، فضل عدم ذكر اسمه بسبب حساسية مركزه، قوله إن أردوغان عجز عن إدراك أن “قطار الديمقراطية” الذي تمنى بأن يأتي بالإخوان المسلمين إلى الحكم في كافة أنحاء الشرق الأوسط قد ولّى على مدى المستقبل المنظور.

ويشير أحمد سهى عمر، سفير تركيا السابق لدى الأردن، إلى أن تركيا ليست حاضرة اليوم في أيّ نقاش دولي مهمّ حول الشرق الأوسط. ويقول عمر “لقد سلّم أردوغان بذلك، وهو لا يهتم إلا بالرأي العام الوطني والانتخابات العامة المقررة في يونيو القادم”. ويضيف “لكن هذا الوضع خطير فيما يتعلق بالمصالح الأمنية الحيوية لتركيا. ومثال ذلك التقارير عن الأسلحة التي زودت بها ألمانيا أكراد العراق”.

ويرى حسين باغجي، عميد كلية العلاقات الدولية في جامعة التقنيات للشرق الأوسط، أن تركيا لا تستطيع تحمل البقاء معزولة وأن ذلك يحصل لأول مرة بسبب خروج تركيا عن سياساتها التقليدية.

ويقول “قد يكون خطاب أردوغان بخصوص هذه العزلة مفيدا له سياسيا، لكن لا أحد يأخذ بلدا معزولا مأخذ الجد”. ويضيف في إشارة إلى رغبة أردوغان في تحويل البلد إلى نظام رئاسي بقوله “إذا أصبحت تركيا نظاما رئاسيا على أردوغان أن يكون صديق الجميع من أجل مصلحة البلاد”.

5