تركيا.. من يساعد المعارضة هو شيطان

السلطات تقول: من الغدر انتقاد الحكومة. أن تكون محايدا هو أيضا خيانة، والصمت خيانة أيضا. حتى دعم الحكومة قد لا ينقذك. الشيء الشرعي الوحيد هو تقديم دعم كبير للحكومة.
الخميس 2020/04/30
أردوغان "يشيطن" المعارضة لسحقها بسلاح الدولة الموازية

اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البلديات التي تديرها المعارضة بمحاولة تشكيل “دولة موازية” من خلال إطلاق حملات خيرية لمساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض خلال جائحة فايروس كورونا.

وقد حظرت وزارة الداخلية حملات المساعدة التي أطلقتها البلديات في ظل انتشار الوباء في 31 مارس الماضي، وفتحت تحقيقا في تلك التي يديرها عمدة حزب الشعب الجمهوري المعارض في أنقرة وإسطنبول الأسبوع الماضي.

في الواقع، يصرّ حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويتمثل في أردوغان، على أن حملاته وخدماته فقط مشروعة.

هذا الوضع ليس مفاجئا من حيث مسار الاستبداد في تركيا. حيث إذا ازدهرت السلطوية دون أي عقبات، فإنها تصل إلى مرحلة التحول إلى عقيدة سياسية. وفي هذه المرحلة، يصبح من غير المقبول حتى إجراء حملات خيرية بشكل مستقل.

ويتم تعريف العقيدة في السياق على أنها مفهوم يأخذه العلم السياسي من الأدب الديني. لا يُنظر إلى الإجراء كونه جيدا أو سيئا كمعيار مناسب، حيث من اتخذوا الإجراء والغرض منه يتم وضعهم في الاعتبار.

على سبيل المثال، من المعتقدات الراسخة في العديد من الأديان أن الملحد لا يمكنه الذهاب إلى الجنة، بغض النظر عن مقدار ما يفعله من خير. هذا النهج تم تحويله إلى العلوم السياسية: وهو بغض النظر عن مقدار ما تفعله من خير، فهذا لا يحسب إلا إذا قمت بذلك للحكومة أو القائد.

وفي المعتقدات السياسية، يدور الخير والشر حول من يقوم بعمل ما. تم التعبير عن هذا بشكل أفضل من قبل جورج أورويل في روايته “1984”، حيث تم تعذيب بطل الرواية من قبل السلطات حتى يقبل فرضيتهم الحسابية التي تقول بأن “اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.

مثال مماثل هو “تجريم توزيع الخبز المجاني على الفقراء”. ووفقا لهذا الفهم من الطبيعي أن يتم تجريم عمدة المعارضة في تركيا لتوزيع الخبز أو بناء مستشفى. وكان السبب في ردود الأفعال التي يتخذها حزب العدالة والتنمية تجاه حزب الشعب، هو فوز الأخير في الانتخابات المحلية الأخيرة.

ناضل حزب الشعب الجمهوري منذ فترة طويلة في الانتخابات خارج معاقله التقليدية. ومع ذلك، فإن الفوز بالبلديات الرئيسية في البلاد في إسطنبول وأنقرة أعاد إحياء الأهمية للحزب ومكانته، وهو الآن يشكل تحديا أكبر لهيمنة حزب العدالة والتنمية.

ليس من الممكن للحكومة، المنهكة اقتصاديا والتي خسر خطابها جاذبيته الواسعة، اتخاذ موقف متماسك ضد عمدة أنقرة، عضو حزب الشعب الجمهوري، منصور يافاش عندما يعد بدعم السكان ذوي الدخل المنخفض خلال تفشي الوباء. لكن حزب العدالة والتنمية لم يعد يعتقد أن المعارضة يمكنها القيام بأي أعمال حسنة النية.

تتم شيطنة جميع مكونات كتلة المعارضة من قبل الحكومة. وقد أعلنت الحكومة حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد عدوا للحكومة، وأطاحت بالعشرات من رؤساء البلديات بموجب مرسوم حكومي، وقامت بمقاضاة العديد من أعضاء الحزب بموجب مزاعم إرهابية زائفة.

ومن خلال اتهام بلديات أنقرة وإسطنبول التي يديرها حزب الشعب الجمهوري بإقامة “دولة موازية”، فإن ذلك يظهر أن جميع مكونات المعارضة يتم النظر إليها الآن مثلما يُنظر لحزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد.

لا ينبغي أن ننسى أنه تم اختيار عمداء حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية الأخيرة من قبل أنصار الحزب الصالح، وحزب السعادة الإسلامي، وكذلك حزب الشعوب الديمقراطي. لذا فإن الإيحاء بأن الذين يوزعون الخبز المجاني هم “خونة” ينكر شرعية المعارضة بأكملها.

شاهدنا مقاطع فيديو لرؤساء دول استبدادية مثل كوريا الشمالية وتركمانستان التي يصفق لها الناس.  “التصفيق” بالإكراه هو المرحلة الأكثر تقدما في المعتقدات السياسية. وبهذه الطريقة تقول السلطات: من الغدر انتقاد الحكومة. أن تكون محايدا هو أيضا خيانة والصمت خيانة أيضا. حتى دعم الحكومة قد لا ينقذك. الشيء الشرعي الوحيد هو تقديم دعم كبير للحكومة.

وتختلف تركيا بالتأكيد عن كوريا الشمالية. لكن كل مسؤول تركي تقريبا يتحدث على شاشة التلفزيون يبدأ بالقول “وفقا لتعليمات رئيسنا…”. وهذا ينقل رسالة مفادها أن كل عمل جيد في تركيا يعود إلى الرئيس.

ما يجعل الموقف أكثر غرابة هو أن العديد من المتدينين لا تضايقهم معاملة الرئيس كإله. ومع ذلك، فإن هذه العادة، التي هي انعكاس للعقيدة السياسية، ستجعل من المستحيل اتخاذ أي إجراء دون قول “بفضل تعليمات الرئيس”. وبطبيعة الحال، هذا الانعكاس للعقيدة السياسية في الحياة اليومية في تركيا يعطي عادة صورة غريبة.

9