تركيا وإيران "تتملقان" للصين وتتجاهلان قمعها للمسلمين

أردوغان يتخلى عن حساسيته تجاه الإيغور لتعويض خسائر الاقتصاد، وبومبيو يستفز خامنئي لصمته على احتجاز مليون من الإيغور.
السبت 2018/09/15
شعارات الدعم التركية لم يعد لها صدى عند الحاجة إليها

على مدى سنوات طويلة كانت تركيا داعمة لطموحات أقلية الإيغور المسلمة في الصين، ولطالما تطرق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الاضطهاد الذي يعيشه الإيغور، لكن، صدى هذا الدعم لم يعد مسموعا منذ فترة ولم يترجم إلى دعم مادي واضح في خطوة تفسرها حاجة تركيا إلى الصين اليوم، والتي تدفعها إلى التضحية بقضية الإيغور، في موقف لا يختلف كثيرا عن موقف إيران التي التزمت الصمت التام، فيما تضطهد الصين، وهي أكبر مشتر للنفط الإيراني، مئات الآلاف من مواطنيها المسلمين.

لندن - في وقت تصعد فيه القومية كمعرّف جديد لطموح الرئيس رجب طيب أردوغان استنادا على إرث الإمبراطورية العثمانية، تتمسك تركيا بصمت مريب إزاء تقارير تؤكد قيام السلطات في الصين بحملة اعتقالات واسعة وحشد المسلمين المنتمين إلى أقلية الإيغور في معسكرات احتجاز كبيرة تدّعي أنها صممت من أجل “المناصحة وإعادة التعليم” للمتشددين.

يتناقض ذلك مع إرث أردوغان، الذي مثلت قضية الإيغور في مقاطعة شينغيانغ الصينية، التي يطلق عليها أيضا اسم “تركستان الشرقية”، محورا هاما على أجندته السياسية وبعدا أساسيا في توجهاته الفكرية، إذ جمعت رافدين هامين ساهما في صعوده السريع، هو الأسلمة والنظر إلى الأقليات القومية التركية باعتبارها جسورا لطموح تركيا بتوسيع النفوذ.

وتتشارك إيران مع تركيا في غض الطرف عن ممارسات السلطات الصينية تجاه الإيغور، في وقت تحاول فيه طهران المناورة في مواجهة عقوبات غير مسبوقة من قبل الولايات المتحدة.

ويضع هذا الموقف الملتبس دولتين إسلاميتين كبريين في سياق ضبابي مع مواقفهما السابقة، كما يقلص كثيرا من شرعية نظامي الحكم في البلدين اللذين قاما على “نصرة المسلمين” في كل أنحاء العالم.

والطبيعة الإسلامية، السنية والشيعية، لنظامي الحكم في البلدين لا تتسق مع سياق براغماتي يبدو متحكما في مقاربة تركيا وإيران تجاه الصين، في وقت تواجه فيه الدولتان، كل على حدة، أزمة سياسية واقتصادية مع الغرب، وتحاولان الاستناد فيه على الصين كداعم محتمل لتحركاتهما الجيوسياسية.

وعلى الفور انتقد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي بسبب صمته حيال التقارير حول قيام السلطات الصينية باحتجاز أعداد كبيرة من أقلية الإيغور. وقال بومبيو في تغريدة على تويتر إن خامنئي “يتخيل نفسه زعيما للعالم الإسلامي، ولكن نظامه التزم الصمت التام، فيما تضطهد الصين، وهي أكبر مشتر للنفط الإيراني، وتحتجز مئات الآلاف من مواطنيها المسلمين”.

ومن المرجح أن تثير هذه التغريدة انزعاج بكين، حيث تواجه السلطات الصينية ضغوطا دولية متزايدة بشأن تعاملها مع أقلية الإيغور المسلمة، فضلا عن اشتباكها في حرب تجارية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وبومبيو هو واحد من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية الذين أثاروا أزمة الإيغور. وكانت مجموعة من أعضاء الكونغرس الأميركي قد طالبوا بومبيو ووزير الخزانة الأميركي ستيفن مونشين الشهر الماضي بحظر سفر وتجميد أصول عدد من مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني على خلفية دورهم في اضطهاد الإيغور.

تركستان الضائعة

أردوغان يبدو اليوم مستعدا أكثر من أي وقت مضى للتخلي عن الإيغور
أردوغان يبدو اليوم مستعدا أكثر من أي وقت مضى للتخلي عن الإيغور

يحافظ حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية على سياسة قائمة على تجاهل التقارير التي أكدت أن الصين اعتقلت قرابة مليون مسلم من الإيغور. وتحذو وسائل الإعلام التركية حذو الحزبين أيضا.

وبذلك تتخلى تركيا، ولو مؤقتا، عن حساسيتها التاريخية تجاه سياسات قمعية لطالما انتهجتها السلطات الصينية في تعاملها مع أكثر من 22 مليون إيغوري ينتمون إلى العرق التركي في إقليم شينغيانغ، الذي تمتع بالحكم الذاتي.

وفي السابق، نظمت الحكومات التركية المتعاقبة مظاهرات حاشدة في شوارع المدن التركية الكبرى احتجاجات على سياسات الصين تجاه الإيغور، كما اعتادت السفارة الصينية في أنقرة استقبال “ورود سوداء” من قبل متظاهرين كانوا يحاصرون مبنى السفارة بشكل مستمر. لكن لم يحدث أيّ من هذه المظاهرات اليوم.

والسبب واضح، وهو محاولة أنقرة الاعتماد على الصين كبديل اقتصادي للولايات المتحدة.

وفي ظل أزمة اقتصادية طاحنة تمر بها تركيا، تحاول أنقرة تنويع احتياطاتها من الدولار والسندات باليورو، وتمثل الصين فرصة تركيا لتنويع مصادرها.

وتأمل الحكومة التركية أيضا في أن تعزز الصين من استثماراتها في قطاع الطاقة التركي، خصوصا في مخزونات الغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا الأقمار الصناعية والإنترنت وشبكات الهواتف النقالة والتعدين وسكة الحديد والخدمات المالية.

قضية الإيغور تعكس نفاد خيارات تركيا وإيران وانشغالهما بالقضايا الحساسة في وقت لا يتحمل الانتباه لقضايا فرعية بالنسبة إلى نظامي حكم يواجهان تهديدات وجودية

وتنظر تركيا إلى مبادرة “حزام واحد، طريق واحد”، التي يتبناها الرئيس الصيني شي جينغبينغ، وتأمل في أن تضخ الصين مئات الملايين من الدولارات في البنية التحتية المرتبطة بقطاع المواصلات في تركيا، في وقت يناقش فيه مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون يضع عراقيل أمام تركيا للاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي.

ويقول محللون اقتصاديون أتراك إنه أصبح صعبا على تركيا هذه الأيام الاقتراض من الولايات المتحدة وأوروبا كما كان يحدث في السابق، وهو ما قد يدفع أنقرة إلى التفكير في الاقتراض من الصين. وأثرت هذه السياسات الحكومية بشكل مباشر على اتجاه وسائل الإعلام التركية في التنازل عن أزمة الإيغور.

ويقول متخصصون في الإعلام التركي إن سيطرة أردوغان على الإعلام حالت دون تبني سياسة متسقة مع مشاعر الأتراك التاريخية تجاه “تركستان الشرقية”. وتنطبق هذه المعادلة على الصحف والقنوات المناصرة للحكومة أو التي مازالت تحمل أجندة معارضة.

وكانت وسائل إعلام أميركية ركزت على تقرير لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، الذي صدر الشهر الماضي، وقالت فيه إنها تلقت تقارير موثوقة عن احتجاز الصين لنحو مليون شخص من أقلية الإيغور المسلمة في معسكر احتجاز ضخم محاط بالسرية.

وتخشى أنقرة من أن تكون الإدارة الأميركية قد وضعت خطة لتخريب علاقاتها بالصين عبر التركيز على هذه القضية وإحراج الحكومة التركية ودفعها إلى الدخول في مواجهة مع بكين. وإذا حدث ذلك فسيمثل انتصارا كبيرا للولايات المتحدة، التي تحاول حصار تركيا وتقويض علاقاتها مع روسيا والصين حفاظا على تماسك المعسكر الغربي.

الإيغور والسياسة التركية

Thumbnail

كانت تركيا منذ زمن بعيد داعمة لطموحات الإيغور في شينغيانغ، كما كانت تاريخيا مقصدا مهما للإيغور الهاربين من الحكم الصيني. وخلال تمرد الأتراك المسلمين الكبير (1876-1864) في شينغيانغ ضد المانشو بزعامة يعقوب باغ، لم يكتف السلطان العثماني في إسطنبول بتوفير الأسلحة والمستشارين العسكريين للانفصاليين المصممين على تكوين دولة في مدينة كاشغار بمقاطعة شينغيانغ، بل منحه أيضا لقب أمير.

وفي القرن العشرين أصبحت تركيا ملاذا للقوميين الإيغور الهاربين من شينغيانغ بعد أن “تحررت سلميا” على يد جيش التحرير الشعبي في سنة 1949.

ومن بين أبرز القوميين الإيغور الفارين نجد عيسى يوسف ألبتكين الذي أصبح زعيما للشتات الإيغوري أثناء فترة الحرب الباردة. ركز ألبتكين على مقاربة ذات مسلكين من أجل إبراز قضية الإيغور. وقد سعى من خلالها جادا إلى ربط علاقات مع الزعماء السياسيين والعسكريين الأتراك عن طريق قراءات تركية قومية وخاصة سليمان دميرال وتورغوت أوزال.

وعلى المستوى الدولي حاول ألبتكين حشد الدعم للمزاعم القومية الإيغورية من خلال اللعب على المشاعر المعادية للشيوعية في العالم الإسلامي والعالم النامي وتايوان. لكن هذه الجهود لم تأت بنتائج تذكر نظرا لمحدودية علاقات بكين مع أنقرة، واتهام القوميين الإيغور بأنهم يتلقون المساعدة من السوفييت من جهة، وارتباطهم من جهة أخرى بتركيا العضو في حلف الناتو.

وأعطت نهاية الحرب الباردة وتأسيس جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة الإيغور والقوميين الأتراك المزيد من الأمل في إمكانية الرجوع في هذا الوضع. كما نمت طموحاتهم بفعل عودة المواضيع القومية التركية النائمة إلى الحياة في النقاشات السياسية في تركيا.

وبدا أن أعضاء الشتات الإيغوري في تركيا وجدوا بيئة مساعدة تمكنهم من مواصلة جهودهم في حشد التأييد لقضيتهم. وفي حادثة أكدت على ذلك، في سنة 1995 أطلق أردوغان، الذي كان في ذلك الوقت رئيس بلدية إسطنبول على جناح من منتزه السلطان أحمد (المسجد الأزرق)، اسم ألبتكين مشيدا بأهمية تاريخ وحضارة ونضالات “تركستان الشرقية”، حتى أنه قال بالحرف الواحد “شهداء تركستان الشرقية هم شهداؤنا”.

واليوم يبدو أردوغان مستعدا أكثر من أي وقت مضى للتخلي عن الإيغور. ويقول محللون إن السياسة الخارجية الخاطئة التي انتهجها أردوغان، منذ صعوده إلى منصب رئيس الوزراء في عام 2003، أوصلته إلى موقع يرتفع فيه سقف الطموح والتطلعات، لكن على أرض الواقع تخسر فيه تركيا أدواتها المؤثرة في الخارج.

وتعكس قضية الإيغور نفاد خيارات تركيا وإيران، وانشغالهما بالقضايا الاستراتيجية والحساسة في وقت لا يتحمل الانتباه لقضايا “فرعية” بالنسبة إلى نظامي حكم يواجهان تهديدات وجودية، نابعة أساسا من علاقاتهما الملتبسة مع الولايات المتحدة.

7